هل تسعى إيران لاستثمار صراع جديد بالمغرب العربي؟

المغرب العربي

هل تسعى إيران لاستثمار صراع جديد بالمغرب العربي؟

مشاهدة

06/05/2018

يفتح إعلان المملكة المغربية قطع علاقاتها مع إيران مؤخراً، باباً جديداً على التساؤلات حول طبيعة توظيف نظام الملالي لـ"التشيع"، كأداةٍ سياسية، وميليشيوية أيضاً، تستخدم في تشكيل قواعد ذات طبيعة دينيةٍ في ظاهرها، لكنها ربما تدين بالولاء السياسي أو العسكري، إلى مرجعيات النظام في طهران.
ولا تخلو محاولات "التشييع" الإيرانية ربما، من توظيف قوةٍ ناعمة، معرفية وديموغرافية، وأخرى عسكرية، من أجل خلق مساحات للتأثير في الوضع الاجتماعي والسياسي لبعض الدول، لتحقيق أهدافٍ ومصالح تخدمها.
وبشأن ما أعلنه المغرب يوم الثلاثاء 1 أيار (مايو) الجاري، عن وجود أدلةٍ مؤكدة على دعم حزب الله اللبناني التابع لإيران، لجبهة البوليساريو الانفصالية القابعة كفجوةٍ في الصحراء المغربية، فإنّ هذا يحيل المتأمل للمشهد، إلى أنّ إيران لا تبالي بتفكيك المنظومات؛ الدينية والثقافية والجغرافية القائمة أيضاً، من أجل مطامع ولاية الفقيه.

إيران لا تبالي بتفكيك المنظومات الدينية والثقافية والجغرافية القائمة من أجل مطامع ولاية الفقيه

تدخل إيراني جديد
بعد إعلان المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران بسبب دعم طهران لجبهة البوليساريو، أعلنت دول خليجية بدورها تأييدها لقرار الرباط وقالت إنّها "تقف بجانب المملكة في كل ما يهدد أمنها واستقرارها ووحدتها الترابية" بحسب ما نقله موقع "يورونيوز" يوم الأربعاء 2 أيار (مايو) الحالي.
وكانت كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، أعلنت مساندتها الواضحة لقرار الرباط، بينما جاء تصريح دولة قطر الذي نقلته وكالات أنباءٍ مختلفة، خالياً من ذكر "إيران" وما يتعلق بها تماماً، مما يشير إلى الحرج والتخبط الذي ربما يشوب الموقف القطري بشأن علاقاته مع إيران على حساب الدول العربية.
ولعلّ المعقد في علاقة دولة قطر بإيران، هو الاتهامات المختلفة، والمزاعم العديدة، حول دعم قطر لجماعاتٍ مسلحة في ليبيا، مثلاً، كما جاء في تقريرٍ بارزٍ  لصحيفة "نيوزويك" بتاريخ 6 آب (أغسطس) 2017، كشفت فيه أنّ "الدوحة دفعت ما يفوق 750 مليون دولار لجماعاتٍ متشددة في ليبيا، كما أنّها دعمت بلحاج، ودعمت علي الصلابي وجماعته من الإخوان المسلمين في ليبيا، بحسب الصحيفة.
تقرير نيوزويك: QATAR'S SUPPORT OF THE WORST OF THE WORST IN LIBYA MUST END

ويتضح، أنّ أيّ دعمٍ لهذه الجماعات في ليبيا، من شأنه زعزعة الاستقرار حول المغرب العربي، ويضع هذا التضامن القطري محل تساؤل؛ لأنّ أزمة المغرب مع إيران، هي أزمة بلدٍ يريد الحفاظ على استقراره أمام جبهة البوليساريو الانفصالية.

وبالعودة إلى البوليساريو، أو "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب"، فإنّها تأسست العام 1973، ثم سعت لتحقيق الاستقلال عن المغرب، معتبرةً أنّها تستحق كياناً مستقلاً في الصحراء الغربية، مما جعلها تستعين بقوة السلاح، حتى أصبحت الحركة لاحقاً، مثالاً للعنف تجاه الدول المحيطة.
فقد حدث العام 1979،  أن قامت البوليساريو بانقلابٍ عسكريٍ على الرئيس الموريتاني "ولد داداه"، منتزعة بالعنف إقليم "وادي الذهب"، الواقع تحت سيادة موريتانيا في جانبها الخاص من الصحراء الغربية.

خريطة توضح أراضي الصحراء الغربية بين موريتانيا والمغرب حيث تنشط البوليساريو

تتضح يوماً بعد يوم تدخلات إيران في العالم العربي، وأذرعها الممتدة في العراق واليمن ولبنان وسوريا، للسيطرة سياسياً أو ديموغرافياً، فقامت باستغلال النزاعات والحروب والدمار في البلاد المذكورة، فعراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، أصبح خاصرةً رخوة للتمدد الإيراني، بينما يأتي اليمن الممزق بعد ما يسمى "الربيع العربي"، ولبنان المبني على الصراع الطائفي ومعه سوريا المنهكة، كأمثلةٍ آخرى على الاستغلال من قِبل إيران.
وهو ما أكده وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، في تصريحه المنشور  على موقع "سي إن إن" في 1 أيار (مايو) الجاري بقوله إنّ المغرب "يمتلك أدلة واضحة على تقديم حزب الله دعماً عسكرياً لجماعة البوليساريو، التي تقاتل ضد الحكومة المغربية في الصحراء الغربية للمغرب، منذ سبعينيات القرن الماضي".
جذور تاريخية للتوتر
من جديد، عاد موقع "سي إن إن" في 2 أيار (مايو) الحالي، لينقل نفي "حزب الله" ما وصفه بـ "مزاعم المغرب حول قيام الحزب بدعم وتدريب جبهة البوليساريو الانفصالية، معتبراً أنّ "المغرب لجأ لذلك بفعل ضغوط دولية"، على حد تعبيره.
من جهته، صعّد رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني من موقف بلاده تجاه ما اعتبره "رفض المملكة لأي تسامح مع أعداء الثوابت؛ وأنّ المغرب لا يمكنه أن يتساهل أو يتسامح مع أي اعتداء.. ولذا اتخذت المملكة موقفاً صارماً وقرّرت قطع علاقاتها مع إيران بسبب مسألة دعم جبهة الانفصاليين"، وفق ما أورد موقع "هسبريس".

يشير تصريح قطر إلى الحرج والتخبط الذي ربما يشوب موقفها بشأن علاقاتها مع إيران مقابل الدول العربية

وتاريخياً، شهد العام 1981 أول قطع للعلاقات بين المغرب وإيران بعد استيلاء الخميني على الثورة الإيرانية، كما قامت المغرب بالوقوف إلى جانب العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثمذانية أعوام.
وخلال التسعينيات، ظلت العلاقات مشوبة بالتوتر، وانسحب هذا على مطلع الألفية الثانية، والأعوام التي لحقتها؛ حيث شهد المغرب مواجهة لملف "التشيع" في إفريقيا، وذلك في عدة حالاتٍ من أبرزها "اعتقال الشرطة المغربية العام 2008 عناصر ما يعرف بـ"خلية بلعيرج"، والإعلامي في قناة المنار آنذاك عبد الحفيظ السريتي، وقيادات في حزب "البديل الحضاري"، الذي وضعه مراقبون في إطار الحركات الإسلامية المقرَّبة من إيران سياسياً وعقائدياً، مما سلط الضوء على مسألة نفوذ طهران وظهور التشيّع في المجتمع المغربي" بحسب تقرير لـ"سي إن إن" في 2001.
ويضيف تقرير "سي إن إن" ذاته، أنّ تضامن المملكة المغربية مع البحرين في ذلك الحين، بعد إعلان طهران أنّ "البحرين مجرد محافظة إيرانية"، كان يقبع في خلفية توتر العلاقات بين الدولتين.

موضوع التشيّع في مملكة المغرب وإفريقيا يعد ملفاً حافلاً

ملف حافل للتشيع بأفريقيا

أما موضوع التشيّع في مملكة المغرب وإفريقيا، فيعد ملفاً حافلاً، تستخدم فيه إيران الدين، والمال، والإعلام، ومراكز الأبحاث؛ حيث شهد العام 2014 تقريراً أمريكياً عن التدين في العالم، وذكرت نسخته حول مملكة المغرب أنّ "عدد الشيعة بأكثر التقديرات لا يتجاوز 8000 فرد، لكن العدد مرشح للتوسع". غير أنّ وجود طائفةٍ دينية بصورة طبيعية، وتخضع للمجال العام وقوانين الدولة ومصالح شعبها، ليس خطيراً في حال ظلّ بعيداً عن التبشير الديني المدعوم بالمال والأطماع السياسية، وهو ما لا يمكن ضمانه من جهة إيران، التي تستثمر في التشيع من أجل بناء حواضن ديموغرافية لتحقيق أهدافها.

شهدت علاقات إيران والمغرب توترات على مدى عقود بسبب أطماع طهران في دول عربية كالعراق والبحرين

وبهذا الخصوص، تشير الباحثة المتخصصة بالشؤون الإفريقية فاطمة البنداري، إلى أنّ "إيران تقيم علاقات مع جيبوتي وأريتريا والسنغال والسودان ومالي مثلاً"، محاولة تحقيق مكاسب إستراتيجية وسياسية واقتصادية من خلال "اختراق الدول الإفريقية ذات الغالبية السنية"، على حد قولها.
وكانت الباحثة قالت، خلال دراسةٍ نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2014، إنّ "إيران دعمت بعض مصالحها من خلال سفاراتها ومن خلال دعم بعض الطرق الصوفية في هذه الدول الإفريقية كالسنغال؛ حيث قدمت المال وأنشأت بعض المؤسسات التعليمية والبحثية".
وذكرت الباحثة كمثال؛ "زيارة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رافسنجاني، إلى السنغال في 1994، وتبرّعه شخصياً لترميم "مسجد توبة"، كما أنشأت إيران مؤسسة (والفجر) ومؤسسة (مزدهر) و(جامعة المصطفى العالمية) التي تمارس أدواراً اجتماعية لا تعليمية فقط، حيث تنفق إيران على الملتحقين بها والذين يزورن مدينة قم الإيرانية، وهي جامعة لها 12 فرعاً تنتشر في أنحاء أفريقيا".
ويبدو أنّ القوة الناعمة الإيرانية، ومحاولاتها التغلغل دينياً وسياسياً ومعرفياً في الظاهر، تتكشف بوضوح في الشرق الأوسط ومملكة المغرب وإفريقيا؛ إذ يرتبط اسم نظام الملالي ومرجعياته في إيران، بميليشبات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في لبنان وجماعة الحوثي الإرهابية في اليمن، بينما لم يذكر التاريخ أي خطابٍ مباشر للمرشد الأعلى "خامنئي" باللغة العربية، سوى في مرةٍ يتيمة العام 2011، مشجعاً العرب والمصريين على دعم ثوراتهم، بينما تقبع إيران تحت قمعٍ سياسي وديني واجتماعي مضاعفين، منذ العام 1979.

الصفحة الرئيسية