هل تحدث الثورة اللبنانية تغييراً في المجتمعات العربية؟

هل تحدث الثورة اللبنانية تغييراً في المجتمعات العربية؟

مشاهدة

05/11/2019

امتاز لبنان من بين بلدان المشرق العربي بانفتاحه على المدنية والثقافة الغربيتين، منذ بواكير النهضة الفكرية في العالم العربي، وتجلّى ذلك في ثقافته التي استوعبت أفكار عصر النهضة والتنوير وقيمهما، فاستنبت مثقفوه ومثقفاته بذور الحرية والديمقراطية والعلمانية في التربة الوطنية؛ وبالتالي في ذهنية المجتمع ككل.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
وكان أن انعكس ذلك على اللبنانيين بالانفتاح على العالم والاحتفاء بالحياة، يعيشونها فكراً وشعراً وموسيقى وغناء وزجلاً .. عملاً وإبداعاً، فجعلتهم الحرية قادرين على التعبير عن آرائهم بصراحة ووضوح، سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد الاجتماعي، وفي جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولا سيما بعد ثورة المعلومات والاتصالات؛ إذ أصبح الأفراد أكثر حرية وجرأة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية، وقد كان رئيس الوزراء الأسبق الرئيس سليم الحص يقول: لبنان ليس بلداً ديمقراطياً، ولكن فيه فائضاً من الحرية.

البنى الطائفية أجبرت المجتمع اللبناني على الانكفاء إلى الانتماءات الضيقة المتمثلة بالأحزاب السياسية المظهر والطائفية الجوهر

البنى الطائفية والمذهبية أجبرت المجتمع اللبناني على الانكفاء إلى الانتماءات الضيقة المتمثلة بالطائفية والأحزاب السياسية المظهر والطائفية الجوهر، والتي تشكلت على هيئة ميليشيات مسلّحة، كل ميليشيا تدّعي حماية لبنان وصون حقوقه وحدوده، والدفاع عن حرية المجتمع وكرامته، فأدّى ذلك إلى نكوص اجتماعي وأخلاقي وديني، نتج عنه الاقتتال الطائفي والأهلي، الذي عانت منه البلاد سنوات طويلة، وما زال يعاني حتى الآن من الاقتتال المبطن والاضطهاد السياسي، إضافة إلى الفساد الذي تدهور بسببه الاقتصاد اللبناني والبنية التحتية للدولة.
البنى الطائفية جعلت غير قليل من اللبنانيين واللبنانيات مرضى بعنصرية طائفية إما باسم المقاومة والممانعة وإما باسم العروبة وإما باسم الإسلام، وجعلت لبنان رهينة لقوى خارجية، وكان البلسم دوماً في متناول اللبنانيين واللبنانيات، أعني فائض الحرية، وبحكم استفحال الداء وتوافر الدواء انقسم المجتمع اللبناني إلى قسمين: سلطات طائفية فاسدة ونهّابة وشعب تواق إلى الحرية والحياة الكريمة.
فلم تكن الثورة الحالية في لبنان التي بدأت في السابع عشر من أيلول (سبتمبر) 2019، هي الثورة الأولى، إنما سبقتها حركات ثورية في تسعينيات القرن الماضي، وأخرى في مطلع هذا القرن، أخمدتها القوى السياسية بإصلاحات هزيلة لا تلبي حاجات المواطنين والمواطنات، لكن الفساد وغلاء المعيشة وعدم الضمانات الصحية وفقدان الرعاية أو الحماية الاجتماعية، وغلاء التعليم والتقسيم الطائفي؛ ظلّ قائماً في ظل حكم استبدادي يقوم على قهر المجتمع وظلمه.

اقرأ أيضاً: نهاية المظلومية العونيّة: عماء السلطة والاستخفاف باللبنانيين
انفجر الوعي النائم تحت ركام الطائفية والتلوث السياسي، والتسلط الديني، ليعود غالبية أفراد المجتمع إلى عصر أفكار التنوير والنهضة الفكرية، وانفجر الظلم المتراكم في أعماق الأفراد، لينتج ثورةً صنّفتها بعض الصحف العالمية على أنّها أول ثورة حضارية في التاريخ، وتنمّ عن وعي مجتمعي فريد من نوعه.

جاءت الثورة وقلبت كل الموازين السائدة في لبنان حيث انتفض فيها الجميع متناسين انتماءاتهم الطائفية

لم تحمل الثورة اللبنانية طابعاً دينياً أو سياسياً، إنما الطابع المدني الحضاري بامتياز؛ مطالبها الحقوق المدنية للأفراد وصون الحرية والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، وكان للمرأة اللبنانية الدور الأساسي في قيام هذه الثورة، واستمراريتها إلى هذا الوقت، وقد شاركت فيها بملء حريتها وإرادتها على الرغم مما واجهته من انتقادات لاذعة من معارضي الثورة وأصحاب النفوس الضعيفة من داخل لبنان وخارجه، الذين لا يرون في المرأة إلاّ جسداً تابعاً للرجل ولا يحق لها التصرف به مهما كبرت الأسباب أو صغرت، وهذا الانتقاد لا ينم إلاّ عن تفكير مشحون بالتخلف والذكورية المرعبة، وإعادة إنتاج الذل والانصياع للاستبداد والتبعية للسلطة السياسية القائمة في لبنان وغيره من البلدان العربية والبلدان غير العربية.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تلك الثورة قلبت كل الموازين السائدة في لبنان، وانتفض أفراد المجتمع، نساءً ورجالاً، متناسين انتماءاتهم الطائفية، بيدٍ واحدة وروح وطنية واحدة، في فضاء إنسانيّ وحسب، ضاربين بالخطاب السياسي الطائفي والعنصري عرض الحائط، لا بل عملوا/ عملن على إعادة توجيهه نحو المواطنة المتساوية التي أشعرت الفرد الفلسطيني اللبناني بانتمائه إلى لبنان بعد أن نبذته السلطات الحاكمة منذ زمن بعيد، وأسقطت عنه الجنسية اللبنانية كما هو حاله في سوريا، فكان الفلسطينيون في هذه الثورة لبنانيين بامتياز، كما شعر السوريون بانتمائهم إليها؛ فهل تحمل هذه الثورة مستقبلاً واعداً للمجتمعات المتخلفة للانعتاق من انتماءاتها الضيقة، وهل ستقرر مصير المجتمع اللبناني على أساس الديمقراطية والعدالة والمساواة؟

اقرأ أيضاً: استقالة الحريري لن تقنع المتظاهرين اللبنانيين بالتراجع
يختلف المستقبل عن المصير حسب تعبير المفكر السوري جاد الكريم الجباعي: "يجب التفريق بين المستقبل وبين المصير؛ ليس هنالك مستقبل لا يحدث هنا والآن.. مفهوم المستقبل يمكن أن يوحي بزمن خطي وانسيابي، هو تتابع آنات، بلا انقطاع، ويستحضر مفهومي الحاضر والماضي، ويرتبط بهما، فيوحي، من ثم، بجوهرية الذات وجوهرية سرديتها أو حكايتها عن نفسها. في حين تدل كلمة المصير على التغير والتحول والانقطاع، تغير الأحوال، وتغير الأشكال، وتغير المؤسسات وتغير أنماط الحياة، وبهذا يقترن الزمان بالمكان، فيبدوان وجهين للشيء ذاته والواقعة ذاتها والحدث ذاته" *.
أي إنّ ما يجري اليوم في لبنان هو مستقبل الأمس الذي تشكل نتيجة استبداد علني، ونهب الثروات الوطنية التي هي حق مشروع للمواطنين والمواطنات. ولكنه يتجاوز المستقبل إلى تدبير المصير بإرادة الشعب، لا بإرادة حزب أو طبقة أو طائفة.

ما يجري اليوم في لبنان هو مستقبل الأمس الذي تشكل نتيجة استبداد علني

ما يجري في لبنان حالياً يدعونا للتفكير وإعادة النظر في تركيبة المجتمعات وماهيتها، وحسب تعريف "ماركس" للمجتمع المدني: "إنّ المجتمع، الذي يظل في حالة تشكل دائمة وتطور مستمر، هو مجال الإمكان". هذا يعني، في الحالة اللبنانية أنّ المجتمع ليس راكداً وليس متخلفاً كما هي الحال في غير مكان من المجتمعات التي تخضع للاستبداد السياسي، فقد بات ينظر إلى الدولة على أنّها (دولة)، لها ما لها وعليها ما عليها، وليست (سلطة سياسية) تحتكر الأمر والنهي وتستحوذ على الثروات الوطنية، كما تدعونا تلك الثورة لإعادة النظر في طبيعة الجيش اللبناني الذي لم يفصل نفسه عن المجتمع المدني، على خلاف ما حصل في سوريا قبل تسع سنوات وما يحصل الآن في العراق من عنف وقمع للمتظاهرين والمتظاهرات.
خلاصة القول: إن لم تفصل الأنظمة العربية والإسلامية الدين عن الدولة بشكل يحفظ الحريات الدينية والسياسية والاجتماعية، ستبقى مجتمعاتنا خاضعة للاستبداد والعنف، وقد لا يحدث فيها ما يحدث الآن في لبنان، فقد أعاد التشرين اللبناني أزهار الربيع العربي من جديد.


هامش:

*جاد الكريم الجباعي، تحديات المستقبل وتقرير المصير، مقالة نشرت في صحيفة جيرون الالكترونية بتاريخ 24/1/2016


الصفحة الرئيسية