نووي إيران ونووي الإمارات: شتان بين الرعب وتنمية الحياة

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
11889
عدد القراءات

2018-07-10

الإمارات العربية المتحدة في طريقها للانضمام إلى نادي الدول المنتجة للطاقة النووية السلميّة. منذ عقود لم تنضم دولة جديدة إلى هذا النادي. بلا كثير من الضوضاء، شارفت الدولة العربية الرائدة في قطاعات عديدة، على الانتهاء من بناء محطتين من محطاتها النووية الأربعة. وبانسجام كامل مع المبادئ التوجيهية الخاصة بـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" ضمنت الإمارات لنفسها موقعاً متقدماً في هذا المجال؛ عربياً وإقليمياً.

يقول الخبراء إنّ الطموحات النووية الإماراتية يمكن فهمها من خلال مناظير اقتصادية وبيئية وسياسية ومعرفية؛ فالاستهلاك المتنامي للطاقة في الإمارات يحتاج إلى مصادر بديلة، ونظيفة لتوليد الطاقة. ولا شكّ أنّ مثل هذه المشاريع العملاقة تثري الخبرة والتجربة الوطنية الإماراتية، وتسهم في التطوّر العام للدولة، وترفع من كفاءة مواردها البشرية، كما ترفع مؤشر القوة العام.

الإمارات تخلت طوعاً عن تخصيب اليورانيوم مع الولايات المتحدة والذي يسمح بتبادل التكنولوجيا النووية السلمية بين البلدين

سياسياً، قدّم البرنامج النووي الإماراتي مثالاً حياً إلى أطراف إقليمية ودولية عديدة حول المسار الذي يمكن عبوره لمن يرغب في تطوير برنامج نووي شفّاف وسلمي، دون الاصطدام بالإرادة الدولية، والدخول في صراع مع العالم.

ليس سرّاً أنّ الإمارات تخلت طوعاً عن تخصيب اليورانيوم في "اتفاقية 123" مع الولايات المتحدة، والذي يسمح بتبادل التكنولوجيا النووية السلمية بين البلدين، على الرغم من أنه لا توجد اشتراطات قانونية دولية تفرض التخلي تماماً عن التخصيب وفق قواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لعلّ الطرفين؛ الإماراتي والأمريكي رغبا في تقديم مثالٍ جيد لتطبيق الاستخدام العملي للطاقة النووية. بالمقابل، قدمت واشنطن، وفق الاتفاقية المذكورة حوافز، استشارات فنية، ومهدت الطريق أمام المهندسين النوويين الإماراتيين للدراسة في الجامعات الأمريكية، وسمحت لشركات أمريكية مثل "وستنجهاوس"(Westinghouse)  ببناء مصانع إماراتية. شكّل النموذج الإماراتي سابقة للدول الإقليمية والعربية الطامحة في الحصول على الطاقة النووية السلمية. المملكة العربية السعودية أيضاً اتخذت خطوات نحو الحصول على الطاقة النووية السلمية. وهناك حديث عن مفاوضات تجري مع الولايات المتحدة لتوقيع اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة النووية.

حظيت حكومة الإمارات بإشادة دوليّة من قبل وكالة الطاقة الذرية لأنها أقرت المعيار الذهبي لاتفاقيات حظر الانتشار النووي

اختارت الإمارات مفاعلات فائقة التطور، وتعاقدت مع إحدى أبرز الشركات العالمية المتخصصة، لإنجاز عمليات الإنشاء والتشغيل، واستقطبت أرقى الخبرات في المجال من مختلف أنحاء العالم، وشرعت في تدريب وتأهيل وتطوير كوادرها الوطنية. برهنت خطط الأمن القوية وأنظمة الحماية الفائقة التطور التي اعتمدتها مؤسسة الإمارات للطاقة النووية على أهمية التخطيط السليم الذي يتيح للدولة الاستفادة من الاستخدامات السلمية والآمنة للطاقة النووية.

اقرأ أيضاً: قمة ترامب وكيم: كوريا الشمالية تنزع أسلحتها النووية.. فماذا عن إيران؟

اتخذت المنشآت النووية الإماراتية كافة الاحتياطات اللازمة لمواجهة احتمالات حدوث أيه كوارث طبيعية مثل؛ أمواج التسونامي، والزلازل، وارتفاع منسوب مياه البحر في الخليج العربي، والتقلبات المناخية، كما طبقت التوصيات الخاصة بموقع مولدات الطاقة في حالات الطوارئ، وتلك المتعلقة بتسهيل واستدامة التواصل الوثيق بين مختلف الجهات الحكومية.

اقرأ أيضاً: الاتفاق النووي: إيران تهدّد وترتبك

تم تدشين البرنامج النووي الإماراتي في نهاية 2009. وحظيت حكومة الإمارات بإشادة دوليّة من قبل الخبراء في المجال النووي، ووكالة الطاقة الذرية؛ لأنها أقرت "المعيار الذهبي" لاتفاقيات حظر الانتشار النووي.

وقع اختيار مؤسسة الإمارات للطاقة النووية على "الشركة الكورية للطاقة الكهربائي(KEPCO)"؛ وهي أكبر شركة للطاقة النووية في كوريا الجنوبية لتكون المقاول الرئيس لمحطات الطاقة النووية في الإمارات. وتعدُّ محطة براكة للطاقة النووية جزءًا من خطة أبوظبي 2030، والرؤية البيئية 2030، والرؤية الاقتصادية 2030، وإستراتيجية الإمارات للطاقة 2050. بالإضافة إلى ذلك، تتخذ الإمارات منهجاً متعدد الأبعاد فيما يتعلق بالطاقة من أجل ضمان أمن الطاقة في مستقبل ما بعد النفط.

أدّى ربْط النظام الإيراني بين البرنامج النووي والسيادة إلى جعل التساؤل عن جدوى البرنامج اقتصادياً وسياسياً بمثابة جريمة

وفي حين تسجل الإمارات هذه الإنجازات، وتُشيِّدُ محطاتها النووية بتكنولوجيا بالغة التطور، وبكُلفة مجدية اقتصادياً، وعبر قنوات قانونية، يُستدَعى إلى الذهن ما تقوم به إيران في إطار برنامجها النووي من دمج لمكوّنات وتكنولوجيات باهظة الثمن اقتصادياً وسياسياً، حصلت عليها بشكل غير قانوني، من مصادر غير منسجمة تقنيّاً، من ألمانيا وروسيا وكوريا الشمالية وباكستان والهند. وسط مخاوف محلية وإقليمية جمة من مخاطر كارثة بيئية محتملة، بل ومتوقعة، نتيجة هيمنة معايير، وقِيَمٍ غير اقتصاديةٍ، وغير سِلْميّةٍ على البرنامج النووي الإيراني برمّته.

اقرأ أيضاً: الاتفاق النووي الإيراني: ترامب ينسحب وأوروبا تتمسك.. ماذا بعد؟

ليس معروفاً على وجه الدقة، حجم الكُلف الاقتصادية والسياسية، المُباشرة وغير المُباشرة التي تحمّلتها إيران في العقود الأربعة الماضية من أجل بناء برنامجها النووي؛ يجري الحديث في بعض الدراسات والتحليلات عن مئات المليارات، بين أثمان مباشرة، وأخرى غير مباشرة متعلقة بالعقوبات الدولية الناتجة عن البرنامج. ناهيك عمّا يُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات أيضاً من الفرص الضائعة، والناتجة عن حالة التوتُّر، والتشنُّج المتواصل في علاقات إيران الخارجية طوال العقود الأربعة الماضية، والمرتبط إلى حدٍّ كبير ببرنامج إيران النووي. في حين أدّى ربْط النظام الإيراني غير المبرَّر بين البرنامج النووي ومسائل الكرامة الوطنية والسيادة والاستقلال إلى جعل مُجرّد التساؤل عن جدوى البرنامج النووي اقتصادياً وسياسياً، بمثابة جريمة، قد ترتقي إلى حدّ اتهام صاحبها بالخيانة للمصالح الوطنية الإيرانية العليا.

تجاهلَ صالحي حقيقة أنّ العالم يُجمِعُ على القلق من البرنامج النووي الإيراني واحتمالات خروجه عن المسار السلمي

رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، هو من استحضر هذه المقارنة بين البرنامجين النوويين الإيراني، والإماراتي مؤخراً. تجاهلَ صالحي، بشكل متعمّد، حقيقة أنّ العالم يُجمِعُ على القلق من البرنامج النووي الإيراني، واحتمالات خروجه عن المسار السلمي، وأنّ العالم يُجمِعُ أيضاً على سِلْميّة، ومشروعية البرنامج النووي الإماراتي.

اقرأ أيضاً: هذه هي شروط خامنئي للإبقاء على الاتفاق النووي مع أوروبا

يشير صالحي خلال كلمته، في مراسم الذكرى الثانية عشرة لليوم الوطني للتقنية النووية، بحضور الرئيس حسن روحاني إلى امتلاك الإمارات لأربعة مفاعلات نووية، ويقول إن كانت دولة غنية بالنفط، وصغيرة المساحة، وقليلة السكان، مثل دولة الإمارات تحتاج إلى الطاقة النووية، فلماذا يحاول البعض منع إيران من الحصول على الطاقة النووية؟ هنا يتحاشى السيد صالحي التطرق إلى حقيقة أنّ المفاعلات النووية الإماراتية لها عنوان معلوم، وغاية واضحة، ولم تُنشئ لنفسها مدناً سرّية تحت الأرض.

اقرأ المزيد...

الوسوم: