
منذ بداية الحرب، وبعد تحطّم آلاف السيارات وصعوبة توفر الوقود، تحولت العربات التي تجرها الحمير إلى وسيلة أساسية للتنقل وجلب الطعام والمياه، وأصبحت رمزًا للمقاومة اليومية للفقر والبقاء، لكنّ الاحتلال لم يترك حتى هذه الوسيلة للفقراء.
وقد كشفت قناة (كان) الإسرائيلية أنّ الجيش الإسرائيلي نقل مجموعات من الحمير بغزة إلى مزرعة تديرها جمعية إسرائيلية تُدعى "لنبدأ من جديد"، تُعنى برعاية الحمير.
تحولت الحمير في غزة من وسيلة نقل بسيطة إلى شريان حياة أساسي وسط دمار الحرب ونقص الوقود والمركبات التقليدية.
ونقلت القناة عن المسؤولة عن الجمعية قولها: "لن نسمح بدخول الحمير مجدداً إلى قطاع غزة، وسنعمل على إخراج ما تبقى منها لكي لا تستغل في عمليات إعادة إعمار القطاع".
وأوضحت القناة أنّ الجمعية قامت لاحقًا بترحيل جزء من الحمير إلى فرنسا، نظرًا لوجود مساحات واسعة هناك تتيح لهذه الحيوانات العيش بحرّية، ويجري الإعداد لنقل دفعة أخرى إلى بلجيكا.
وبحسب المسؤولة عن الجمعية، فإنّ الوضع النفسي والجسدي للحمير التي جرى إخراجها من غزة كان "صعبًا"، مشيرة إلى أنّها كانت "تعيش حياة عبودية" جراء استخدامها في نقل الرمل ومواد البناء، ولاحقًا في نقل الأثاث والمواطنين بعد الحرب.
الحمير... وسيلة النقل الوحيدة للفقراء
ولم تكن تعلم صفية السلطان النازحة من بيت لاهيا إلى خان يونس أنّ حمارها الذي أطعمته من قوت أطفالها، وسهرت على رعايته طيلة شهور النزوح، سيُسرق على يد جنود الاحتلال خلال اجتياحهم لحي الزنة شرق خان يونس جنوب قطاع غزة في تموز (يوليو) الحالي.
استغل الاحتلال حتى الوسائل البدائية للفقراء وسرق الحمير التي أصبحت رموزًا للصمود في وجه المجاعة والانهيار الاقتصادي.
تقول السلطان (47) عامًا: "الناس كانت تهرب من الموت، لكنني كنت أهرب ومعي عربتي وحماري، كان كل شيء عندي، أنقل عليه الماء والطحين، وأجمع الخشب عليه لطهو الطعام، وفي لحظة واحدة سرقه جنود الاحتلال وتركوني بلا مأوى ولا وسيلة".
وتتابع: "كنت أتنقل ليلًا على الحمار الذي سمّيته "صابر"، لمساعدة السكان للوصول إلى العيادات والمستشفيات، وكان عبارة عن مركبة طوارئ لحالات الولادة والإصابات، لندرة المركبات التي تعمل بالوقود بغزة".
خلال الاجتياح الإسرائيلي نقل الجنود حميرًا من غزة إلى إسرائيل بدعوى حمايتها من الاستغلال في إعادة إعمار القطاع.
وتضيف: "الناس كانت تدفع أكثر من (3) آلاف شيكل، (900) دولار أمريكي، لشراء حمار وعربة، وصار الحمار أغلى من الذهب، لأنّه وسيلة حياة، لكنّ الجنود لم يتركوا أيّ شيء، كانوا يسرقون الحمير، أو يقتلونها، أو يدهسونها بالدبابات".
وتختم السلطان حديثها:"سرقوا حماري، وراحت عربتي، واليوم لا أستطيع حمل غالون ماء، وكل يوم أقول: يا رب، من سيعيد لي وسيلتي الوحيدة في الحياة؟".
شريان حياة لا يُقدّر بثمن
وما يزال الفلسطيني تيسير خضر (37) عامًا من بلدة جباليا شرق قطاع غزة، يحتفظ بصورة باهتة لابنه الأصغر وهو يطعم حماره الذي عاش مع عائلته (7) أعوام، ثم سرقه جنود الاحتلال، ويقول: "كان واحدًا من العيلة، نتحرك سويًّا، وكان يساعدني في جلب الماء والخضار، والحطب، ومصدر رزقي الوحيد لنقل السكان من مكان إلى آخر".
المسنّة صفية السلطان فقدت وسيلة حياتها حين سرق الاحتلال حمارها الذي كانت تعتمد عليه لنقل الماء والطعام والخشب.
ويضيف خضر: "أثناء الاجتياح الاسرائيلي لبلدة جباليا، بقيت وعائلتي داخل المنزل ولم أخرج من البلدة، وبقي الحمار أمام المنزل كالعادة يتناول طعامه وشرابه".
وتابع: "قبل عدة أيام سمعت حركة لجنود الاحتلال تقترب من منزلي، فحاولت استكشاف ما يجري من فتحة صغيرة بجدار المنزل، وإذ بشاحنة عسكرية كبيرة كانت تحمل قرابة (20) حمارًا تقف أمام منزلي، وقام جندي بسرقة الحمار، وربطه خلف المركبة العسكرية".
ويوضح: "اشتريت الحمار بمبلغ (4200) شيكل، (1200) دولار أمريكي، واشتغلت عليه (5) شهور أنقل السكان والمياه، وعندما سرقه الاحتلال شعرت بالشلل التام، وبقيت بلا عمل، وبلا وسيلة نجاة".
الحمير في غزة لم تعد فقط وسيلة تنقل بل صارت محور اقتصاد بديل يقوم عليه رزق كثير من العائلات الفقيرة.
ويتساءل خضر: "لا أعلم ما الهدف المريب لسرقة الاحتلال الإسرائيلي الحمير من غزة؟ لكنّ العدو لم يترك منزلًا ولا أرضًا زراعية ولا خزّان ماء، إلا وقام بتدميرها، وهذه المرة مدّ يده إلى الوسيلة الأخيرة للفقراء، وهي الحمير".
ويؤكد خضر: "في ظل استمرار المجاعة، وتحول الحمير إلى أداة مركزية لحمل المياه والمساعدات والحطب ووسيلة نقل أساسية، فإنّ فقدان حماري يفاقم معاناتي، فلم أعد أطالب بسيارة أو وقود، بل بحمار فقط، ينقل لي ما يسدّ رمق أطفالي بعد سرقته".
أداة إذلال إضافية
هذه الحال لا تختلف لدى المسنّ صدقي معروف (62) عامًا، الذي فقد حماره بعد أن نزح وعائلته من حي الشجاعية شرق مدينة غزة إلى حي الزيتون المجاور، بعد الاجتياح الإسرائيلي للحي ودعوة الاحتلال السكان لإخلائه".
المسن صدقي معروف فقد حماره الذي حمل عليه والدته الكفيفة خلال النزوح ما عمّق مأساته في زمن فقدان كل شيء.
يقول معروف: "عندما دخل الجيش حيّنا، لم يكن لدينا سوى حمار نملكه منذ (3) أعوام، حملنا عليه والدتي الكفيفة وهربنا، كنا نعتبره فردًا من العائلة".
ويوضح: "بعد وصولي إلى حي الزيتون، اضطررت لترك الحمار مربوطًا في ساحة خلفية أثناء مداهمة إسرائيلية مفاجئة، وعندما عدت لم أجده، فأخبرني الجيران أنّهم رأوا جنودًا إسرائيليين يطلقون النار حوله، ثم قاموا بسحبه نحو جيب عسكري".
يرى الفلسطينيون في الحمير شركاء حقيقيين في الحياة اليومية لا مجرّد حيوانات ما يجعل سرقتها فعل إذلال مقصودًا.
ويضيف: "كنا نعيش عليه حرفيًّا، وكأنّهم يعاقبونا لأننا نعيش، لكنني ما زلت أمشي على قدمي، أجرّ غالون الماء، وأبحث عن خبز لأطفالي، الاحتلال سرق حماري، ولكنّه لم يسرق عزيمتي".
ويؤكد معروف: "غزة فقدت الكثير، البيوت، البشر، الهواء، الكهرباء، لكنّها اليوم تخسر صوت حيوان صبور، ظل يشاركها الحياة حتى آخر لحظة".
اقتصاد بديل
يرى المحلل الاقتصادي محمد جودة: أنّ "الحمير في غزة لم تعد مجرّد وسيلة تنقل، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد بديل نشأ وسط الحرب، ليكون العمود الفقري للاقتصاد الشعبي، في ظل غياب الوقود والمركبات".
ويضيف جودة: "حين يسرق الاحتلال منك وسيلة الحياة الوحيدة، فهو لا يسرق فقط أداة نقل، بل يسرق إحساسك بالقدرة على النجاة".
ويشير إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بتدمير المدارس والمستشفيات والمنازل، بل يستهدف حتى وسائل التكيّف التي يبتكرها السكان، ومنها الحمير والعربات اليدوية، في محاولة لكسر الإرادة بشكل غير مباشر".
ويؤكد جودة أنّ "هذا ليس نهبًا عشوائيًا، فالاحتلال يريد تجفيف أيّ قدرة للسكان على الصمود، وبالتالي فهذه السرقات تُعدّ ضربة اقتصادية مباشرة لعائلات بأكملها لا تملك مصدر دخل سوى ما تنقله هذه الحيوانات".
وقد شنّ الاحتلال الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حربًا على قطاع غزة، أدت إلى مقتل (59219) شخصًا، وإصابة أكثر من (143045) بجروح متفاوتة، وفق بيانات وزارة الصحة بغزة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

