مواصي خان يونس... خيام نزوح غير آمنة بلا مقومات حياة

مواصي خان يونس... خيام نزوح غير آمنة بلا مقومات حياة

مواصي خان يونس... خيام نزوح غير آمنة بلا مقومات حياة


23/09/2025

في أقصى جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في منطقة "المواصي" غرب مدينة خان يونس، تتوزع آلاف الخيام العشوائية على امتداد الرمال، في مشهد يختزل مأساة إنسانية تتكرر كل يوم، حيث لا توجد بيوت، ولا ماء نقي، ولا كهرباء، ولا حتى أمن يحمي الأمهات والأطفال من تقلبات الليل، أو من رصاصات طائشة قد تخترق الصمت في أيّ لحظة.

وقد أعلنت الأمم المتحدة بلوغ عدد الفلسطينيين النازحين في غزة جراء الهجمات الإسرائيلية أكثر من (796) ألف شخص منذ منتصف آذار (مارس) الماضي، وأنّ ما يقرب من (17) ألف حالة نزوح سُجلت خلال أسابيع. 

وأوضحت نائبة المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة دانييلا غروس، في تصريح صحفي، أنّ 95% من النزوح القسري يحدث في مدينة غزة، وأنّ الناس يفرون من شرق المدينة إلى جنوبها وغربها هربًا من الهجمات الإسرائيلية.

وفي 8 آب (أغسطس) الماضي أقرت حكومة الاحتلال خطة طرحها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل تدريجيًا، بدءًا بمدينة غزة.

وفي 20 تموز (يوليو) الماضي قال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة "أوتشا": إنّ 88% من مساحة قطاع غزة البالغة حوالي (360) كيلومترًا مربعًا ويسكنها قرابة (2.3) مليون فلسطيني تخضع لأوامر إخلاء إسرائيلية تنطوي على تهجير قسري للفلسطينيين.

الخيمة ليست وطنًا

تحت أشعة الشمس، وعلى الرمال التي تشتد حرارتها وتلسع الأقدام العارية، تجلس الفلسطينية نور الشافعي (43 عامًا) أمام خيمتها المصنوعة من أقمشة ممزقة ونايلون مهترئ بمواصي خان يونس، وتقول بصوت خافت لا يكاد يُسمع: "نزحنا من حي النصر بمدينة غزة قبل شهر، ومنذ ذلك الحين ونحن نعيش هنا، لكن لا حياة في هذه الخيام، ولا نستطيع النوم من الخوف، ولا يوجد دواء لأطفالي، ولا حتى مرحاض نظيف".

وتضيف: "الوضع كارثي بكلّ المقاييس، والخيام قريبة من بعضها بعضًا بشكل خطير، ممّا يهدد بانتشار الحرائق والأوبئة، فلا توجد بنية تحتية، وكل شيء يتم بشكل بدائي، والمكان لا يصلح للعيش حتى ليوم واحد، فما بالك بشهور؟".

وتتابع: "طفلي مريض منذ أسبوع، وعندما ذهبت إلى النقطة الطبية الميدانية لعلاجه، تم إعطائي خافض حرارة فقط، دون إجراء أيّ فحوصات لحالته، حيث  يُترك المرضى بغزة  للموت البطيء".

وتوضح: "الخيام تمثل تحديًا لنا كنساء، فلا أبواب تُغلق، ولا أماكن آمنة للاغتسال أو تبديل الملابس، ولا خصوصية حتى للجلوس مع الأسرة".

وتؤكد الشافعي: "أخشى على بناتي أكثر ممّا أخشى على نفسي، فلا توجد قوات أمن، ولا شرطة، ولا حتى ضوء واحد في هذا الظلام الكبير".

بيئة خصبة للفوضى

لا تختلف هذه الحال لدى الفلسطيني أنس قاعود، الذي نزح من منطقة قيزان أبو رشوان شرقي خان يونس إلى منطقة المواصي غربًا، ويقول: "هذه ليست حياة، لا يوجد ماء، ولا كهرباء، ولا حمّامات، ولا دواء، حتى الموت هنا لم يعد مجانًا، بل يحتاج لصبر وانتظار طويل".

ويضيف قاعود (38 عامًا): "في كل ليلة تقريبًا، نواجه حوادث تهدد سلامة الناس، لكن لا توجد سلطة قادرة على التدخل، ونحن نحاول حماية أنفسنا بما استطعنا".

ويوضح: "مع غياب الشرطة وغياب الإنارة الليلية، تصبح خيام المواصي بيئة خصبة للفوضى، فتنتشر حالات سرقة متكررة، وتسلل غرباء إلى المنطقة ليلًا".

ويؤكد: "أصبحت والأهالي لا نستطيع النوم ليلًا إلا بعد وضع متاريس حول الخيام، وتوزيع الأدوار فيما بيننا للحراسة".

ويتابع قاعود: "الناس هنا لا يطلبون ترفًا، ولا يبحثون عن كماليات، ويريدون فقط سقفًا لا يسقط، وماءً لا يُمرض أطفالهم، وطعامًا لا ينقطع، وأمنًا يجعلهم ينامون دون قلق".

انتشار الأمراض المُعدية

يقول الشاب سيف الغرابلي (29 عامًا) الذي نزح وعائلته من حي الكرامة بمدينة غزة إلى مواصي خان يونس قبل عام: "الحياة صعبة في المواصي بسبب التكدس فيها، فلا توجد أيّ خدمات، أو مساعدات، وأواجه صعوبة في توفير مياه الشرب، والمياه الخاصة بالاستخدام اليومي شحيحة، وأضطر إلى الخروج مبكرًا، وقطع مسافات لأصطف في طابور طويل من أجل الحصول على غالون أو اثنين من المياه، وأحيانًا لا يصل إليّ الدور، إذ تنفد مياه الصهريج".

ويضيف الغرابلي الذي يعيش في خيمة مهترئة مع (5) أفراد على شاطئ البحر: "لم نعد نحتمل، فنحن لسنا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، والخوف الأكبر هو الشتاء القادم، فالمطر يعني الغرق، والبرد يعني المرض، والطين يعني كارثة بيئية وصحية".

ويؤكد: "لا مياه بالمواصى، ودورات المياه مشتركة، وفي ظروف سيئة جدًا، في حين تنتشر الأمراض الجلدية والهضمية بين الأطفال بسبب المياه الملوثة، والأوضاع المعيشية السيئة، ونقص الأدوية والمستلزمات الصحية".

الغرق في مياه البحر

ويوضح الغرابلي: "أعاني أشدّ المعاناة مع مياه البحر، فقد غمرت المياه الخيمة وتبللت الفرش والملابس، وقد دُمّرت خيمتي قبل (8) أشهر بسبب الأمواج القوية، وانهارت على رؤوسنا دون سابق إنذار".

ويؤكد: "أضطر  كثيرًا إلى استخدام مياه البحر أو المياه غير المعقمة لأغراض الشرب والاستحمام، ممّا أدى إلى انتشار واسع لحالات الإسهال، والطفح الجلدي، والتهابات العين بين أطفالي".

ويتابع الغرابلي: "أنا نازح من مدينتي، وليس لي مطالب سوى الحصول على مأوى آمن، وماء نظيف، وطعام، وكرامة إنسانية، وأماكن مخصصة للاستحمام والنظافة العامة".

أوضاع كارثية

يرى أستاذ القانون وحقوق الإنسان بكليّة فلسطين الدكتور أحمد شكشك أنّ "الوضع الإنساني في مواصي خان يونس كارثي بكلّ المقاييس، وآلاف النازحين يعيشون في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية، وهذا يشكّل انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان الأساسية، وعلى رأسها الحق في السكن الآمن والصحة والغذاء والماء النظيف".

ويضيف شكشك: "ما نشهده في خيام النزوح يُعدّ خرقًا فاضحًا لاتفاقيات جنيف، بالإضافة إلى المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تؤكد أنّ النازحين يجب أن يوفر لهم المأوى الآمن والعيش الكريم، حتى في ظروف الطوارئ".

ويوضح أنّ "الخيام غير آمنة على الإطلاق، وهي عرضة للعوامل الجوية، ولا توفر حماية من الأوبئة أو الاعتداءات أو حتى الحيوانات الضالة، إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف متزايدة من الاستغلال والعنف، خاصة ضد النساء والأطفال، في ظل غياب الرقابة والحماية المجتمعية".

ويؤكّد أنّ "القانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين وتوفير ملاذات آمنة لهم، وعدم توفير ذلك يُعدّ خرقًا واضحًا لهذه الالتزامات، وقد يرقى إلى جريمة حرب في بعض الحالات".

ويأسف لأنّ "المجتمع الدولي متقاعس إلى حدّ كبير، وهناك بيانات وشجب، لكن على أرض الواقع لا توجد إجراءات ملموسة كافية للضغط على الأطراف المتورطة وتقديم مساعدات عاجلة تتناسب وحجم الكارثة الإنسانية".

وتشنّ إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حربًا شرسة على قطاع غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من (65344) فلسطينيًا، وإصابة أكثر من (166795) بجروح مختلفة، وفق إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية