من سرق أنوار التسامح في المجتمع المصري؟

724
عدد القراءات

2017-11-02

تعليق صغير شديد الهامشية ربما لا يذكره أحد الآن، يوثق لحظة كاشفة في تاريخ التنوير على ضفاف النيل. الأمر يقتضي رحلة قصيرة إلى القرن التاسع عشر، بين فلاحي مصر في الصعيد.
في خريف عام 1910، وأثناء الاستعمار البريطاني للبلاد، وتحديداً في شهر آذار (مارس)، جاء الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت إلى القاهرة ليلقي خطاباً في جامعتها، حاول خلاله أنْ يكون ودوداً عبر استخدام آيات قرآنية وأمثال شعبية باللغة العربية في سياق حديثه، ليمرر رسالته إلى الجمهور الحاضر من المصريين، وكان أهم ما قاله بشأن مطالب الشارع المصري في الاستقلال: "إنّ عملية تدريب أمة من أجل تجهيزها بنجاح لتحقيق الواجبات التي يتطلبها الحكم الذاتي هي مسألة لا يمكن إنجازها في عقد أو عقدين من الزمن، بل تحتاج إلى أجيال. ثمة أغبياء يعتقدون أنّ منح دستور على ورق، يسبقه إعلان رنان، يمكنه في حد ذاته أن يمنح سلطة الحكم الذاتي لشعب ما، بيد أنّ الأمور لا تسير على هذا النحو أبداً، فليس بمقدور أحد أن يعطي شعباً حكماً ذاتياً.. أنتم تعرفون القول العربي المأثور إنّ الله يساعد الذين يساعدون أنفسهم (...) إنّ الصفة الرئيسية التي يجب على أي شعب التحلي بها هي التريث وعدم التسرع في الاستحواذ على سلطة غالباً ما سيساء استخدامها، بل اتباع خُطى بطيئة وثابتة وحازمة لتنمية تلك الصفات الجوهرية التي بها فقط يمكن للناس أن يحكموا أنفسهم، كحب العدل، والتعامل بصدق، وروح الاعتماد على النفس، والاعتدال".

وللصدفة، فقد أعقبت زيارة روزفلت مقتل رئيس الوزراء المصري المسيحي بطرس باشا غالي، لأسباب سياسية تتعلق بعلاقته مع سلطات الاحتلال، على يد طبيب صيدلي وطني شاب يدعى إبراهيم ناصف الورداني، والذي قال بعد القبض عليه إنه قتله؛ لأنه "خائن لوطنه"، فلم يكن للأمر أي بعد طائفي حينذاك، لكن روزفلت لم يفوت الفرصة ليرسل للمصريين المطالبين بالاستقلال رسالة مبطنة مفادها أنّ عليهم تعلم التسامح الديني قبل المطالبة بحق بلادهم، وقال: "لدينا، في الفيليبين (التي كانت خاضعة آنذاك للاحتلال الأمريكي)، مسلمون ومسيحيون، ونحن لا نقبل ولو للحظة واحدة أي اضطهاد من جانب طرف للآخر، أو أي تمييز من قبل الحكومة فيما بينهم، أو عدم تقديم العدالة ذاتها لكل منهما، ومعاملة كل رجل منهم حسب قدره كرجل، والتعامل معه كما يتطلب سلوكه ويستحق".
حين عاد روزفلت لوطنه بعد ذلك، وصف المصريين بأبشع التعبيرات العنصرية وقال لأحد الصحافيين في الولايات المتحدة: "كان ينبغي عليكم أن تروا وجوه أولئك (الزنوج) وأنا أعنفهم (واستخدم تعبير كان يستخدمه البيض لإهانة السود في الولايات المتحدة وهو Fuzzy Wuzzies، لوصف المصريين). كانوا يتوقعون أنْ أقوم بتوزيع الحلوى عليهم، ولكنني قدمت لهم العصا الغليظة، وعندها أخذوا يتلوون، يا عزيزي، يتلوون".

روزفلت  خاطب المصريين: كي تمتلكوا قراركم بأيديكم، عليكم أن تتعلموا التسامح والاعتدال وتقبّل الآخر منّا أولاً

كان خطاب روزفلت باكورة تدشين أفق في اللغة التي سيتعامل بها العالم منذ ذلك الحين، ليس مع المسلمين في مصر فقط، وإنما المسلمين في العالم كله، طوال القرن العشرين لتتفاقم وتصل إلى ذروتها مع القرن الحادي والعشرين، خطاب مفاده: "أنتم مراهقون وما زلتم بحاجة إلى النضج كي تمتلكوا قراركم بأيديكم، عليكم أن تتعلموا التسامح والاعتدال وتقبّل الآخر منا أولاً"، وللمفارقة فهؤلاء المسلمون الذين جاء الاستعمار ليعلمهم التسامح، يحكي أحدهم، وهو خلف بن المثنى، في القرن الثاني الهجري وتحديداً في البصرة بالعراق، أنه كان هناك مجلس يجتمع فيه من لا يعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة، وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو (وهو سني)، والحميري الشاعر (وهو شيعي)، وصالح بن عبد القدوس (وهو زنديق ثنوي)، وسفيان بن مجاشع (وهو خارجي صُفري)، وبشار بن برد (وهو شعوبي خليع ماجن)، وحماد عجرد (وهو زنديق شعوبي)، وابن رأس الجالوت (وهو يهودي)، وابن نظير المتكلم (وهو نصراني)، وعمر بن المؤيد (وهو مجوسي)، وابن سنان الحراني (وهو صابئي)، كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار. وبالطبع في نفس الوقت لم يكن ممكناً بأي حال أن يقام مجلس مثل هذا في أوروبا، إلا ربما لمحاكمة كل هؤلاء وحرقهم.
ومن هنا تطرح عبارات روزفلت في عام 1910 سؤالاً عن هل حقاً كان المصريون في ذلك الوقت بحاجة إلى دروس غربية في التسامح الديني؟ بالتفتيش في إجابة حول هذا السؤال سنبدأ في سرد ذاكرتنا التنويرية، والتي تشتمل على فقرة عابرة كتبتها امرأة بريطانية جاءت وعاشت في صعيد مصر قبل الاحتلال البريطاني، لتتنفس الهواء النقي بعد إصابتها بمرض السل، بدلاً من هواء عاصمة الضباب وكتبت رسائل احتوت على ملاحظاتها القيمة بشأن الثقافة والدين والعادات في مصر.

حين عاد روزفلت لبلاده، وصف المصريين بأبشع التعبيرات العنصرية وقال لأحد الصحافيين في الولايات المتحدة "إنهم زنوج"!

وثّقت لوسي دوف جوردون في رسائلها لحظة تنويرية ربما يراها البعض بعيدة للغاية في واقعنا المعاصر فقالت: "إن أهالي قرية ببا في بني سويف ومعظمهم من المسلمين، انتخبوا جرجس القبطي عمدة لهذه البلدة، ويظهر أن المسلمين والأقباط على وئام تام، ويوجد في ببا ثلاث عشرة أسرة مسيحية مقابل عدد كبير جداً من المسلمين، ومع ذلك اختاروا جرجس عمدة لهم، وكانوا يقبلون يده طائعين، بينما كنا نمر في طرقات القرية".

في الواقع وبخلاف ما قاله روزفلت، لا يبدو من توثيق لوسي دوف جوردون لتلك اللحظة التنويرية في تاريخ صعيد مصر، أنّ حديث الرئيس الأمريكي ومن بعده جيش من المفكرين والسياسيين عن أن المسلمين في مصر وغيرها من البلدان الإسلامية كانوا مراهقين يحتاجون لدروس في التسامح والاعتدال الديني، صائباً إلى حد بعيد.

الواقع أنّ تلك البلدان ومنها مصر، التي استُعمرت فيما بعد، كانت تشق طريقها الذاتي والمختلف نحو التقدم والمواطنة القائمة على رغبة العيش بسعادة وتحقيق الذوات، وهو ما عكف بعد ذلك مجموعة من كبار المؤلفين والمنظرين على توضيحه وتوثيقه، وربما كان أهمهم على الإطلاق بيتر جران صاحب كتاب "الجذور الإسلامية للرأسمالية (مصر 1760 - 1840)"، والذي وضح فيه كيف أنّ مدافع الاستعمار حين جاءت أجهضت نواة النهضة والتنوير التي حملتها شرائح الطبقات الوسطى والتجار في القرن السابع عشر والثامن عشر، فقد استطاع جران في سفره ذائع الصيت أنْ يرصد جذوراً بازغة للرأسمالية والتطور في القرنين المذكورين، ويكفي ها هنا فهم الطابع الاقتصادي للمرحلة لفهم إمكانية تطور المجتمع ككل، فيذكر المؤرخ الاقتصادي الهولندي جان دي فريز، في كتابه حديث الإصدار نسبياً (كامبرديج 2008) "الثورة الصناعية: سلوك المستهلك والاقتصاد المنزلي، 1650 حتى الوقت الحاضر" أن "التجربة الاقتصادية المصرية في زمن المماليك والعثمانيين تعتبر من أهم مظاهر ثورة تكثيف الإنتاج التي مهدت لقيام الثورة الصناعية الأولى، فالعمل والإنتاج اليدوي من المنزل في الريف المصري كان أول من وضع عملية الإنتاج المنزلي على خريطة الصناعة الوطنية".
البحث في ذاكرة تنوير منطقتنا في بعض الأحيان، لا يكون مضيئاً فحسب لسنوات قادمة محاطة بالضباب، وإنما أيضاً وفي حالات كثيرة مشابهة لما وصفته لوسي دوف جوردون في قرية ببا، يكون نوراً صادماً وموجعاً لأنه قد يدفع للتساؤل: "من الذي سرق كل تلك الأنوار"؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: