
في شوارع مدينة غزة يبدو الركام أعلى من مستوى الرصيف، والحجارة تقول ما لم يعد للكلمات طاقة على قوله، لكن وسط هذا المشهد القاسي بدأ بعض السكان ينظرون إلى الركام ليس فقط كذكرى مؤلمة، بل كمصدر رزق جديد فرضته الظروف.
وتعيش غزة تحوّلاً اقتصادياً غير مسبوق مع اتساع رقعة الدمار الذي خلفته الحرب وبلوغ حجم الركام أكثر من (61) مليون طن، حسب تقديرات الأمم المتحدة.
وفي ظل انهيار البنية التحتية وغياب فرص العمل وارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 83%، اتجه آلاف السكان إلى ابتكار مصادر بديلة للدخل من قلب الأنقاض عبر جمع الحديد والأخشاب وقطع السباكة والإلكترونيات التالفة وإعادة تدويرها أو بيعها.
هذا التحوّل الذي بات يُعرف محليّاً بـ "اقتصاد الركام"، أصبح يمثل شريان حياة، ولو بشكل مؤقت، لفئات واسعة فقدت منازلها وأعمالها، وأسهم في خلق سوق جديدة قائمة على إعادة استخدام ما تبقى من المواد داخل القطاع المحاصر.
ويُشكّل هذا الواقع تطبيقاً عمليّاً لجوهر الاقتصاد الدائري، وهو نموذج اقتصادي يقوم على إعادة استخدام الموارد بدل إهدارها، وتحويل النفايات إلى مواد يمكن إدخالها في دورة إنتاج جديدة.
وفق تحليل أجراه مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية لبيانات تموز (يوليو) 2025، فإنّ نحو (193) ألف مبنى تعرّض للدمار أو الأضرار، إضافة إلى (213) مستشفى و(1029) مدرسة، وهو ما جعل البنية التحتية المدنية في أدنى مستوياتها منذ عقود.
وتتزامن هذه التحولات مع انهيار اقتصادي غير مسبوق وثقته منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، فقد أشار تقريرها إلى أنّ الناتج المحلي الإجمالي في غزة انخفض بنسبة 83% مع نهاية 2024 مقارنة بالعام السابق.
وتراجع نصيب الفرد إلى (161) دولاراً سنوياً، أي أقلّ من نصف دولار يوميّاً، وهو من أدنى المعدلات عالميّاً، وبات اقتصاد غزة يشكل 13% فقط من حجمه عام 2022، مع فقدان الاقتصاد الغزي 87% من قيمته، ليعود نصيب الفرد إلى مستويات ما قبل (22) عاماً، مسجلاً بذلك واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية الموثقة في العالم خلال العقود الأخيرة، وفق تقرير "أونكتاد".
هذا الركام كان بيتي، واليوم هو رزقي
على أطراف منطقة التركمان بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، يجلس الفلسطيني صدقي النجار (45 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال، يعمل منذ أشهر في جمع الحديد والنحاس من البيوت المدمرة على أنقاض منزله المدمر.
يقول النجار: "بيتي كان هنا، ولم يعد منه إلا الجدران المائلة، وخلال الأيام الأولى كنت أبحث عن أيّ شيء يمكن إنقاذه من أغراضي، لكنني لاحظت أنّ الحديد المنتشر يمكن بيعه، ومن هنا بدأت الفكرة."
يحمل الرجل قطاعة حديد صغيرة، ويكمل: "في البداية كنت أعمل على تنظيف بيتي فقط، لكنّ الجيران بدؤوا يطلبون مساعدتي، فأصبحت أزيل الركام وأجمع المعادن، ثم أبيعها لمعامل صغيرة ما زالت تعمل، هذا عمل شاق لكنّه رزق."
ويوضح: "العمل لا يحتاج معدات كثيرة، لكنّها مهنة خطرها أكبر من أدواتها، أبدأ صباحاً بفرز الحجارة عن الحديد، وأجمع الأسلاك النحاسية من بين بقايا الأجهزة المحترقة، ثم أضغطها وأبيعها، وفي يوم جيد قد أحصل على (40 أو 50) شيكلاً (15 دولاراً أمريكيّاً)، وفي أيام أخرى لا أحصل إلا على القليل."
مهنة خطيرة
ويضيف النجار: "أيّ مبلغ مهما كان بسيطاً يعني طعاماً للأطفال، فأنا لم أتوقع أن أعمل في هذا المجال، لكنّ الحرب جعلتنا نتعلم كل شيء."
وعندما سألناه عن أصعب ما يواجهه، قال بلا تردد: "الخطر، فالركام قد ينهار وأحياناً نجد ذخائر غير منفجرة، لكننا لا نملك خياراً آخر، فالناس هنا تحاول أن تعيش، حتى من تحت الحجارة."
ويتابع وهو يشير إلى شابين يساعدانه: "هذان الشابان كانا يعملان مدرّسين قبل الحرب، اليوم يجمعان معي الحديد، نحن نصنع عملنا بأيدينا، لأنّه لا أحد سيأتي لينقذنا."
ويضيف النجار: "هناك طلب متزايد على الحديد والخردة، فالتجار يشترون كل شيء، حتى القطع الصغيرة لها قيمة، وبعض المعامل تستخدمها لإنتاج مواد بديلة للإعمار المؤقت."
العمل بين الركام
يقول الشاب منصور شتيوي من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، الذي عمل قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة نجاراً صغيراً لصناعة أبواب ونوافذ البيوت: "الحياة كانت صعبة، لكنّها كانت مستقرة إلى حد ما، ولم أتخيل يوماً أنّ منزلي سيصبح مجرد ركام، وأنّ عملي سيختفي بالكامل."
ويضيف شتيوي (28 عاماً): "في الأيام الأولى كنت أحاول فقط إزالة الركام عن بيتي لتتمكن عائلتي من الدخول والخروج، لكن مع مرور الوقت لاحظت وجود الحديد والأسلاك النحاسية بين الأنقاض، فبدأت بجمعها لبيعها، وهكذا تحولت الفكرة من تجربة شخصية إلى مصدر رزق يومي."
ويوضح: "أبدأ يومي خلال ساعات الصباح بالفرز، وفصل الحجارة عن المعادن، ومن ثم جمع النحاس من الأجهزة المحترقة، وفرز الحديد، ثم أقوم ببيع كل شيء لتجار خردة محليين أو معامل صغيرة، وأحصل على (80) شيكلاً في اليوم (24 دولاراً أمريكيّاً)، وفي أيام أخرى أقلّ، فلا يوجد هناك خيار آخر."
ويؤكّد شتيوي: "العمل خطير جدّاً، والركام قد ينهار فجأة، وهناك أحياناً ذخائر لم تنفجر، لكننا تعلمنا كيف نكون حذرين، فالحياة هنا لا تنتظر أحداً، وعلينا أن نتصرف."
ويتابع: "هذا العمل ليس دائماً، لكنّه حاليّاً يضمن لنا الطعام اليومي ويخفف الضغط عن الأسرة، وهذا الركام الذي دمر بيوتنا أصبح مادة للعمل، ونحن نخلق حياة من قلب الدمار."
ويبيّن شتيوي وهو ينفض الغبار عن ملابسه: "نحن في غزة لا ننتظر المساعدات، ونحاول دائماً أن نقف على أرجلنا، حتى لو بدأنا من الركام، المهم أن نعيش بكرامة."
مصدر مهم للدخل المحلي
يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "فكرة تحويل الركام والمخلفات في غزة إلى مشاريع استثمارية قابلة للاستدامة هي فكرة مجدية، فتحويل نفايات البناء والمخلفات العضوية والمواد القابلة لإعادة التدوير إلى موارد، يقلل التكاليف البيئية ويوفر المواد المحلية."
ويضيف جودة: "يمكن لقطاع إعادة التدوير أن يصبح مصدراً مهمّاً للدخل المحلي، وأن يخلق فرص عمل للعاطلين، لكنّه نادراً ما سيصبح المصدر الرئيسي وحده دون تنويع الاقتصاد، فدوره عملي في تحسين سلاسل الإمداد وتقليل الواردات ورفع كفاءة الموارد."
ويوضح: "في ظروف الحصار وارتفاع تكاليف الاستيراد قد تكون تكلفة المواد المعاد تدويرها أقلّ من الاستيراد، خصوصاً بعد احتساب الرسوم والنقل والانتظار، لكنّ هذا يعتمد على كفاءة المعالجة ووجود سلاسل لوجستية منخفضة التكلفة."
ويؤكد جودة أنّ "قطاع الاستثمار في ركام المنازل المدمرة عادة ما يكون كثيف العمالة في المراحل الأولية كعمليات الجمع والفرز وتشغيل معدات بسيطة، وبالتالي يمكنه خلق فرص عمل للشباب والعاطلين بحسب حجم المشروع، ويتيح توفير وظائف تقنية جديدة كتشغيل الآلات، وأعمال الصيانة، واختبارات الجودة."
وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 إبادة جماعية بغزة، خلفت أكثر من ((68 ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

