
في تاريخ الحركات الإسلامية السياسية تبقى جماعة الإخوان المسلمين المثال الأوضح على التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات الدينية والمشروعات السياسية. فمنذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي على يد حسن البنا سعت الجماعة إلى تقديم نفسها كحركة إصلاحية تجمع بين الدعوة والدولة، لكنّها في الواقع حملت مشروعًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية إلى فكرة "الأمّة الإسلامية" العابرة للدول والحدود.
هذا التصور جعلها في صدام مستمر مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي تقوم على المواطنة والمساواة واحتكار الدولة للعنف الشرعي. فالإخوان، في جوهر فكرهم لم يؤمنوا بالدولة باعتبارها كيانًا جامعًا للمواطنين، بل أداة لتحقيق غاية عقدية هي "التمكين" و"الخلافة".
ومن هنا كان فكر حسن البنا نواة لمشروع يرى في الدولة الوطنية مجرد مرحلة انتقالية، وفي الدستور عقدًا مؤقتًا، وفي السياسة وسيلة لتطبيق ما يسمّيه "الحاكمية الإلهية"؛ والنتيجة أنّ الجماعة كلما اقتربت من السلطة، اصطدمت بالوطن نفسه.
الدولة الوطنية في فكر حسن البنا... بين الرفض والمراوغة
لم يحتلّ مفهوم الدولة الوطنية موقعًا جوهريًا في فكر مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، بل كان بالنسبة إليه محطة عابرة على طريق إقامة ما سمّاه "النظام الإسلامي الشامل". لم يؤمن البنا بالدولة القُطرية الحديثة القائمة على مبدأ المواطنة والمساواة، بل اعتبرها كيانًا مؤقتًا لا يكتسب شرعية حقيقية إلا بقدر خدمته لمشروع أوسع، هو مشروع "الخلافة الإسلامية" الذي رآه الغاية النهائية للحركة الإسلامية.
لقد نظر البنا إلى الدولة الوطنية باعتبارها نتاجًا "استعماريًا" مصطنعًا قسم الأمّة إلى كيانات ضعيفة متناحرة، واعتبر قيامها بعد سقوط الخلافة العثمانية نتيجة مباشرة لتآمر القوى الغربية، لذلك سعى إلى نزع الشرعية عنها عبر خطاب مزدوج: علني إصلاحي يوحي باحترام الدولة القائمة، وباطني تنظيمي يهدف إلى اختراقها من الداخل وتفريغها من مضمونها.
هذا الازدواج يعكس خللًا بنيويًا في فهم البنا لطبيعة الدولة الحديثة، إذ لم يتعامل معها كعقد اجتماعي ينظّم العلاقة بين المواطنين على أساس المساواة، بل كأداة لتطبيق العقيدة وتمكين الجماعة. فبدل أن يسعى إلى إصلاح الدولة، أراد ابتلاعها وتحويل مؤسساتها إلى أدوات تنفيذية للمشروع الإخواني. وهكذا نشأ داخل فكر الجماعة تصور يضع "الجماعة فوق الدولة" و"البيعة فوق الدستور"، لتتحول الشرعية الدينية إلى بديل عن الشرعية الدستورية، والولاء التنظيمي إلى بديل عن الانتماء الوطني.
هذا التشوّه البنيوي في فهم الدولة جعل الجماعة في حالة صدام دائم مع فكرة الوطنية السياسية الحديثة. فبدل أن تسهم في ترسيخ قيم المواطنة، ظلت أسيرة لفكرة "الأمّة الدينية" التي تتجاوز الحدود والجغرافيا، لكنّها في الوقت نفسه تضعف الهوية الوطنية وتلغي مفهوم المواطنة. ومن ثم فإنّ مشروع حسن البنا لم يكن مشروع إصلاحٍ وطنيٍ بقدر ما كان مشروعًا لتفكيك الدولة الحديثة وإعادة تشكيلها على أسس عقدية تمنح التنظيم سلطة مطلقة باسم الدين.
بين الخلافة والوطن... مشروع بلا ملامح
يُعدّ المشروع الإخواني أحد أكثر المشاريع الإسلامية السياسية إثارة للجدل، فقد حاول منذ تأسيسه الجمع بين الدعوة الدينية والعمل السياسي دون أن ينجح في بناء تصور متماسك لمفهوم الدولة الحديثة. فالشعار الشهير "الإسلام هو الحل" ظل أقرب إلى شعار تعبوي عاطفي منه إلى برنامج سياسي واقعي قابل للتطبيق.
من الناحية النظرية، عجز الفكر الإخواني عن تحديد موقع الدولة الحديثة ضمن منظومته الفكرية، فظلّ متأرجحًا بين مثالية "الخلافة" التي تمثل رمزًا روحيًا متعاليًا، وضرورة "الدولة القُطرية" التي يرفضها لكنّه يضطر للتعامل معها. هذا التناقض البنيوي جعل رؤيتهم للسلطة قائمة على مبدأ السيطرة لا المشاركة، إذ ينظر الإخوان إلى الدولة كوسيلة لتحقيق مشروعهم العقائدي لا كغاية لخدمة المواطنين.
ولم يكن فكر الجماعة يومًا معنيًا بتأسيس مؤسسات مدنية تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، بل كانت الغاية النهائية دومًا "التمكين" لا "الشراكة". لذلك لم يكن غريبًا أن يتعاملوا مع مؤسسات الدولة باعتبارها أدوات ينبغي السيطرة عليها من الداخل. كل وزارة أو نقابة أو جامعة أو وسيلة إعلامية كانت بالنسبة إليهم ميدانًا للتمكين التنظيمي، لا ساحة لخدمة الصالح العام.
تجربة الإخوان في الحكم بعد 2011 كشفت بوضوح هذا التناقض. فعندما وصلوا إلى السلطة لم يسعوا إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية، بل حاولوا استنساخ نموذج الجماعة داخل بنية الدولة. لم يكن هدفهم إصلاح المؤسسات، بل إخضاعها للولاء التنظيمي. فاستبدلوا مفهوم "الدولة للمواطنين" بمفهوم "الدولة للمؤمنين"، واعتبروا الفوز في الانتخابات تفويضًا إلهيًا يمنحهم شرعية مطلقة فوق الدستور.
أمّا الديمقراطية، فقد كانت بالنسبة إليهم أداة تكتيكية للوصول إلى الحكم، لا قيمة مبدئية تقوم على التعددية وتداول السلطة. استخدموا آلياتها حين خدمتهم، ثم تخلوا عن جوهرها حين شعروا بالتمكين. وعندما واجهوا المعارضة، استدعوا خطاب المظلومية التاريخية وادّعوا أنّهم "ضحايا" وليسوا شركاء في السلطة، مكررين بذلك النمط ذاته من التقية السياسية والمراوغة الفكرية الذي طبع مسيرتهم منذ نشأتهم الأولى.
الدولة عند الإخوان... من عقد اجتماعي إلى بيعة إيديولوجية
إنّ أزمة المشروع الإخواني لا تتجلى فقط في فشلهم في إدارة السلطة، بل في عجزهم الجوهري عن فهم طبيعة الدولة الحديثة نفسها. فالدولة في فكرهم ليست مؤسسة قانونية قائمة على المساواة، وإنّما هي كيان إيماني يستمد شرعيته من الانتماء العقائدي. المواطنة عندهم مشروطة بالإيمان، والسياسة محكومة بالولاء التنظيمي، والحقوق مرتبطة بالانتماء إلى الجماعة لا بالانتماء إلى الوطن.
من هنا يمكن فهم كيف تحوّل التنظيم إلى بديل عن الدولة، وكيف أصبحت "البيعة" للجماعة أعلى من احترام الدستور. فالإخوان لا يرون في الدستور مرجعية ملزمة، بل مجرد وسيلة مرحلية قابلة للتجاوز متى تعارضت مع "المرجعية الشرعية" كما يحددونها هم. وهكذا تحوّل الدين إلى مظلة تبرر الاستبداد التنظيمي، وتحول مفهوم "الحاكمية" الذي طرحه سيد قطب لاحقًا إلى أداة لتكفير الدولة والمجتمع واحتكار الحديث باسم الله.
لقد كانت تجربة الإخوان في مصر بعد 2011 نموذجًا صارخًا لهذا الفهم المغلوط. فبدل أن ينفتحوا على القوى الوطنية الأخرى، انغلقوا داخل دائرة الولاء التنظيمي، وتبنّوا خطابًا إقصائيًا يستمد شرعيته من مفهوم "الفرقة الناجية" لا من قيم التعددية والمواطنة. ولأنّهم لم يدركوا جوهر الدولة باعتبارها عقدًا اجتماعيًا بين المواطنين، تعاملوا مع مؤسساتها كما لو كانت غنيمة شرعية، ففقدوا بسرعة ثقة المجتمع الذي حملهم إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.
إنّ إخفاق الإخوان لا يمكن اختزاله في فشل سياسي عابر، بل هو إخفاق فكري عميق في إدراك طبيعة السلطة والدولة والإنسان. فبينما تقوم الدولة الحديثة على فكرة الحقوق والمساءلة، يصرّ الإخوان على تحويلها إلى "بيعة إيديولوجية" تعلو فيها طاعة المرشد على احترام القانون. وهكذا تحوّل المشروع الإخواني من مشروع إصلاح ديني مزعوم إلى منظومة مغلقة لتبرير السيطرة باسم الدين، وهو ما أدى في النهاية إلى سقوطه المدوّي عندما اصطدم بالواقع السياسي والاجتماعي للدولة الوطنية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
