من "الجماعة" إلى "الاختيار": كيف كسرت الدراما هيبة الإخوان

من "الجماعة" إلى "الاختيار": كيف كسرت الدراما هيبة الإخوان

من "الجماعة" إلى "الاختيار": كيف كسرت الدراما هيبة الإخوان


22/02/2026

في عام 2010 عُرض مسلسل "الجماعة" من تأليف وحيد حامد، وهو عمل درامي تناول سيرة مؤسس التنظيم حسن البنا، مستندًا إلى وثائق وشهادات تاريخية حول نشأة التنظيم وجرائمه في الفترة من 1928 إلى 1948.

أثار المسلسل غضب الجماعة بشدة، فقد خرج المرشد العام آنذاك محمد بديع مهاجمًا العمل، واصفًا إيّاه بأنّه تشويه متعمّد. حيث مثّل العمل سابقة لافتة، إذ لم يسبق أن وُضعت سيرة مؤسس التنظيم في إطار درامي جماهيري بهذا الوضوح، وهو ما جعل التنظيم في حالة من الارتباك، مع تحوّل النقاش حول نشأته وجرائمه إلى قضية جماهيرية مفتوحة.

لكنّ ما حدث مع المسلسل لم يكن حدثًا منعزلًا، بل كان امتدادًا لعلاقة متوترة وطويلة الأمد بين الجماعة والفنون. فمنذ نشأة التنظيم ساد داخله رؤية تنظر إلى السينما والمسرح والموسيقى باعتبارها ترفًا وانحرافًا أخلاقيًا. وكان هناك دائمًا حذر من الصورة، ومن الخيال، ومن المساحات الحرة التي لا تخضع للصرامة التنظيمية.

الفن كتهديد 

حين قدّم وحيد حامد قراءة درامية لشخصية حسن البنا، لم يكن فقط يسرد وقائع، بل فكّك الهالة. حوّل الرمز إلى إنسان قابل للنقاش، والتاريخ إلى مادة للتحليل، لا إلى سيرة مقدّسة. وهنا يكمن جوهر الأزمة؛ التنظيم لا يخشى النقد السياسي بقدر ما يخشى كسر الصورة الذهنية. الفن خطير لأنّه لا يرفع صوته بالشعارات، بل يتسلل إلى الوجدان، أمّا التنظيم، فلا يجيد سوى الشعارات.

بعد كشف المستور وإظهار الجانب الإجرامي للتنظيم إلى العامة، سعت الجماعة إلى إنتاج عمل درامي يقدّم روايتها الخاصة عن حسن البنا، بطولة الممثل السوري رشيد عساف، يقدّمه بصورة دعوية مثالية. لكنّ المشروع لم يكتمل، وتوقف لاحقًا مع خروج الجماعة من السلطة عقب أحداث 30 حزيران/يونيو. والمفارقة أنّ فكرة تقديم مسلسل، رغم ما تحمله أدبيات التنظيم من تحفظات تجاه الفنون، يكشف عن براغماتية واضحة؛ إذ تتراجع الاعتراضات النظرية حين تتقدم المصلحة التنظيمية، ويصبح توظيف الأدوات الفنية مباحًا متى خدم إعادة تشكيل الصورة الذهنية. وفي حال خروج العمل إلى النور، كان سيبوء بالفشل تمامًا، لأنّه لن يكون أكثر من خطبة مطوّلة، دون توظيف حقيقي لأدوات السرد والإبداع الفني التي تجعل العمل ممتعًا وجاذبًا؛ والدليل على ذلك أعمال الممثل ذي الميول الإخوانية، حسين صدقي، مثل فيلم الشيخ حسن (1952)، التي لم تنجح في أن تصبح جزءًا من أيقونات السينما المصرية، وفشلت في الصمود أمام اختبار الزمن، حتى أصبحت نسيًا منسيًا.

الفنانون كخصوم 

من اللافت أنّ الوسط الفني كان أحد أكثر المجالات التي لم تستطع الجماعة اختراقه؛ نتيجة فشلها في إنتاج مبدعين، لذلك تحول هذا الفشل إلى هجوم وتشويه للفن والفنانين خاصة الذين تصدوا لهم بأعمال تظهر الجانب القبيح للتيارات المتاجرة بالدين، مثل عادل إمام الذي واجه حملات هجوم وتشويه ضارية بسبب أدواره التي انتقدت هذه التيارات، مثل فيلم "الإرهابي" 1994، وكذلك الكاتب وحيد حامد الذي استخدم الدراما أداة تفكيك فكري لأفكار هذه الجماعات في أعمال، مثل "مسلسل العائلة"1994، وفيلم "طيور الظلام" 1995، وفيلم "دم الغزال" 2005. وقد استخدم عادل إمام الكوميديا في تفكيك الخطاب المتشد، فالسخرية تُسقط الهيبة، وتجعل الرمز قابلاً للضحك.

وأيضًا وحيد حامد الذي أطلق رصاصات فنية أصابت بنية التفكير، وأظهرت السياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه هذه الأفكار، وبالتالي أسقط عنها  أيّ قدسية.

وشملت محاولات الجماعة للسيطرة على الفن فرض الحجاب على الممثلات، وتشويه سمعة الفنانين عبر الوصم المجتمعي بأنّهم منحلون، إلى جانب تقديم عروض مالية مغرية لإقناع بعض الفنانين بالاعتزال. ورغم أنّهم نجحوا في تجنيد عدد من الفنانين، فإنّ كثيرًا منهم، وخاصة المثقفين، وقفوا في وجه هذه الحملات، محافظين على استقلاليتهم وإبداعهم. وكانت هذه المحاولات مدفوعة برغبتهم في جعل الفن وسيلة تحت سيطرتهم، لا أداة تستخدم ضدهم.

الدراما ساحة مواجهة

لاحقًا، جاءت سلسلة "الاختيار" بأجزائها الثلاثة لتوثّق جانبًا من العمليات الإرهابية التي استهدفت الجيش والشرطة والمدنيين في مصر خلال العقد المنصرم، مقدّمةً معالجة درامية استندت إلى وقائع حقيقية، لكنّها صيغت بلغة فنية قادرة على النفاذ إلى وجدان الجمهور. وقد جسّد العمل شخصية الشهيد أحمد المنسي بوصفه رمزًا للفداء الوطني، فترسّخت صورته في الوعي الجمعي أيقونةً للتضحية والشجاعة، بينما تحوّل هشام عشماوي إلى تجسيد لمعنى الخيانة والانحراف.

ومع الجزء الثاني تكرّست المعادلة ذاتها في شخصية الشهيد محمد مبروك، ضابط الأمن الوطني الذي كشف مخططات التنظيم، فغدا رمزًا للوفاء، في مقابل صورة الضابط الذي وشى به، والذي مثّل دراميًا نموذج السقوط الأخلاقي والخيانة.

ومع الجزء الثالث، انتقل التركيز  إلى دوائر صنع القرار داخل مؤسسات الدولة، حيث تناول العمل كيفية تعاطي القيادات مع المرحلة التي أعقبت وصول مرسي العياط إلى الحكم، كاشفًا عن طبيعة التحديات التي واجهتها الدولة في إدارة أزمة مركّبة سياسيًا وأمنيًا في ظل مواجهة مفتوحة مع جماعة إرهابية سعت إلى إسقاط الدولة من الداخل، هنا تجسدت الدولة دراميًا ككيان يقاتل من أجل بقائه وتماسكه.

لم يكن تأثير "ثلاثية الاختيار" قائمًا فقط على سرد الأحداث أو إعادة تمثيلها، بل في قدرتها على تنظيم الوقائع داخل إطار درامي محكم. فقد أعاد ترتيب التفاصيل المتناثرة في سياق متماسك، ممّا سهّل على الجمهور فهم تعقيدات المرحلة واستيعاب أبعادها المختلفة. ويظهر ذلك في طريقة كتابة السيناريو، حيث اعتمدت الحلقات على تصاعد درامي، وبناء شخصيات عبر مواقف تكشف دوافعها. وهنا تتجلى قوة الدراما  كحرفة فنية. 

مع نجاح مسلسل "الاختيار"، لم يكن غضب التنظيم مجرد ردّ فعل اعتيادي، بل بدا لأول مرة كأنّه يفقد السيطرة على الشارع، إذ بدأت روايته تفقد مصداقيتها لدى أنصاره. وأثبتت الدراما قدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، وهو ما جعل التنظيم يشعر بأنّ قبضته على الرأي العام لم تعد كما كانت.

لماذا يعجزون عن اختراق الفن؟

الفن يقوم على التساؤل وتعدد الرؤى، ويزدهر في بيئة تسمح بالحرية، أمّا التنظيمات العقائدية، فتعتمد على الانضباط الصارم وإعلاء منطق اليقين على الشك، وإذا اضطرت للتعامل مع الفن، فإنّها تتعامل معه كأداة دعائية لا مساحة للتعبير، فتغيب الروح ويحلّ الخطاب المباشر. وقد بدا ذلك واضحًا في المحاولات الفنية البائسة التي خرجت من منصاتهم الإعلامية خارج مصر؛ حيث جاءت ساذجة وركيكة وسطحية، أقرب إلى بيانات وخطابة منها إلى عمل فني يلمس الوجدان.

تحولات الدراما  في تناول  التطرف

منذ مسلسل "الجماعة" حتى "الاختيار" حدث تحول نوعي في طريقة تناول الدراما لملف الإرهاب. ففي أعمال سابقة كان التركيز ينصبّ غالبًا على العناصر المنفذة أو الشخصيات التي انجرفت إلى التطرف، دون الاقتراب المباشر من الرؤوس المؤسسة أو المنظّرين الذين صاغوا الفكرة.

 غير أنّ مسلسل "الجماعة" كسر هذا الحاجز، حين نقل المواجهة إلى مستوى آخر، فاقترب من المؤسس نفسه، لم يعد الإرهابي مجرد شاب مخدوع، بل ظهرت البنية الفكرية التي أنتجته. ومع "الاختيار" تطور المسار أكثر، إذ ظهرت القيادات التي أدارت المشهد من الخلف.  

هذا التحول كان إيجابيًا؛ لأنّه ركز على السبب لا النتيجة، فالدراما حين تجرؤ على الاقتراب من رأس الأفعى تضيء الطريق لفهم للأفكار والإيديولوجيات التي تولّد الإرهاب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية