
تمثل تجربة جبهة تحرير مورو الإسلامية في الفلبين واحدة من أكثر النماذج تعقيدًا في تاريخ الحركات الإسلامية المسلحة في جنوب شرق آسيا، حيث جمعت بين الخلفية الإيديولوجية المتأثرة بفكر الإخوان المسلمين، والتمرد المسلح طويل الأمد، ثم التحول التدريجي إلى العمل السياسي والمؤسسي داخل الدولة، دون الانفصال عن الإيديولوجيا.
منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين شكّلت الجبهة تعبيرًا عن شعور تاريخي بالغبن لدى مسلمي مورو في جنوب الفلبين، الذين تراجعت مكانتهم السياسية والديموغرافية خلال فترات الاستعمار الإسباني ثم الأمريكي، قبل أن يدخلوا في صدام طويل مع الدولة الفلبينية الحديثة. وبين العنف والتفاوض، وبين الخطاب الجهادي ومفاهيم الحكم الذاتي، أعادت الجبهة تعريف نفسها أكثر من مرة، إلى أن وصلت في العقد الأخير إلى التموقع الاضطراري كشريك سياسي في إدارة إقليم "بنجسامورو".
النشأة الإيديولوجية والصدام المسلح
تأسست جبهة تحرير مورو الإسلامية بوصفها امتدادًا لتيار إخواني انشق عن الجبهة الوطنية لتحرير مورو عام 1977، عندما قاد الشيخ سلامات هاشم مجموعة من الضباط احتجاجًا على تراجع القيادة آنذاك عن مطلب الاستقلال الكامل والاكتفاء بصيغة الحكم الذاتي. وجاء هذا الانشقاق في سياق تاريخي بالغ الحساسية، إذ كان مسلمو مورو قد تحولوا إلى أقلية مهمشة سياسيًا واقتصاديًا داخل الدولة الفلبينية.
أعلن سلامات هاشم التأسيس الرسمي للجبهة عام 1984 بعد فترة من التنقل خارج البلاد، متأثرًا بأدبيات الإخوان المسلمين، لا سيّما أفكار سيد قطب والمودودي. وقد انعكس هذا التأثر في خطاب الجبهة الذي جمع بين الدعوة والتنظيم السياسي والعمل المسلح، مع حضور واضح لمفاهيم الجهاد والتمكين وتطبيق الشريعة. وضمت النواة الأولى للجبهة خريجي الأزهر وعناصر ذات خلفيات وهابية وأخرى شاركت في الجهاد الأفغاني، وهو ما منحها طابعًا إيديولوجيًا متنوعًا داخل إطار إسلامي عام.
خاضت الجبهة منذ نشأتها مواجهات عنيفة مع الحكومة الفلبينية، عبر ذراعها العسكرية المعروفة باسم قوات "بنجسامورو" الإسلامية المسلحة، التي ضمت آلاف المقاتلين. ورفضت الجبهة اتفاقات التسوية المبكرة، بما فيها إنشاء منطقة حكم ذاتي إسلامية عام 1990، متمسكة بمطلب الاستقلال الكامل. وفشلت اتفاقات وقف إطلاق النار في تسعينيات القرن الماضي في إرساء سلام دائم، وأعلنت الجبهة في أكثر من مناسبة العودة إلى خيار الجهاد المسلح.
وابتداءً من أواخر تسعينيات القرن الماضي دخلت جبهة تحرير مورو الإسلامية مسارًا تفاوضيًا جديدًا مع الحكومة الفلبينية، بوساطة إقليمية ودولية، لعبت ماليزيا فيها دورًا محوريًا. وعلى الرغم من تعثر المفاوضات في مراحل عدة، فإنّها توّجت بتوقيع الاتفاق الشامل للسلام في آذار (مارس) 2014، وهو الاتفاق الذي أعاد رسم العلاقة بين الدولة والجبهة.
نصّ الاتفاق على إنشاء كيان سياسي جديد هو منطقة الحكم الذاتي "البنجسامورو"، مع ترتيبات دستورية وإدارية خاصة، وفتح الباب أمام نزع السلاح التدريجي وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع. وصادق البرلمان الفلبيني على القانون المنظم للإقليم عام 2018، ثم أقرّه سكان المنطقة في استفتاء كانون الثاني (يناير) 2019، وهو ما منح الاتفاق شرعية قانونية وشعبية.
ضمن هذا المسار خضع نحو (40) ألف مقاتل لبرامج تسليم السلاح بحلول عام 2022، بالتوازي مع إطلاق برامج تنمية وإغاثة واسعة بدعم حكومي ودولي. وأسست الجبهة وكالة بنجسامورو للتنمية كذراع مدنية لإدارة المساعدات وإعادة الإعمار، في محاولة للانتقال من منطق الحرب إلى منطق بناء المؤسسات.
التحول السياسي والعلاقات الإقليمية
مع بدء تنفيذ اتفاق السلام، اضطرت جبهة تحرير مورو للإعلان عن التحول تدريجيًا من حركة مسلحة إلى فاعل سياسي في جنوب الفلبين، والتنصل من الخطاب الجهادي لصالح لعب دور سياسي، وهو ما فجّر تناقضات داخل الحركة، وأدى إلى انشقاق التيار القطبي، بينما لعب الآخرون على وتر الانتهازية السياسية.
تولى زعيمها السابق الحاج مراد إبراهيم رئاسة الحكومة الانتقالية لإقليم "بنجسامورو"، جامعًا بين موقعه السياسي ورئاسته للجنة المركزية للجبهة. وشغل عدد من قياداتها مناصب وزارية وبرلمانية، في إطار نظام يمنح الجبهة (41) مقعدًا في البرلمان البنجساموري، وتدريجيًا أعطى مراد إبراهيم ظهره للحركات الإسلامية التي طالما تضامن معها في المحيط الآسيوي في الشرق الأقصى، وانشغل الإخوان ضمن جناحه بحالة النهم السياسي.
انتهازية وكمون سياسي
رغم تخليها الرسمي عن العمل المسلح، لم تتخلَّ الجبهة عن هويتها السياسية والإيديولوجية، وإن ادعت العكس من أجل المشاركة في السلطة، إذ تواصل نشاطها كمنظمة تسعى إلى تعزيز حضور الإسلام الإخواني في المجال العام عبر التعليم والتنمية والعمل الاجتماعي، ضمن الإطار الدستوري الفلبيني. ويعكس هذا التحول محاولة للتوفيق بين المرجعية الإخوانية التقليدية، مع ادعاء الالتزام بمتطلبات الدولة الوطنية.
على الصعيد الإقليمي، احتفظت الجبهة بعلاقات وثيقة مع محيطها الإخواني، لا سيّما في ماليزيا، عبر الحزب الإسلامي الماليزي (باس)، الذراع السياسية للإخوان، غير أنّ هذه العلاقات خضعت لإعادة ضبط بعد الاتفاق، في ظل سعي الجبهة إلى تقديم نفسها شريكًا مسؤولًا في مكافحة التطرف، والتميّز عن الجماعات الجهادية العابرة للحدود.
تكشف تجربة جبهة تحرير مورو الإسلامية عن مسار إخواني انتهازي، فقد انتقلت فيه الحركة من التمرّد المسلح إلى العمل السياسي، دون أن يعني ذلك قطيعة كاملة مع جذورها الإيديولوجية. فهي نموذج لحركة إخوانية تجيد المراوغة، حيث أعادت تعريف أدواتها وأهدافها استجابة لتحولات الداخل وضغوط الإقليم، محاولة تحقيق مكاسب سياسية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
