
مختار الدبابي
أعادت الحكومة العراقية فتح نقاش بالغ الأهمية حول مستقبل الأمن والاستقرار في البلاد عندما أعلنت الانتهاء من إعداد مشروع قانون “الوقاية من التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب”، في خطوة تهدف إلى الانتقال من منطق ملاحقة النتائج إلى معالجة الأسباب التي تنتج العنف والتطرف قبل تحولهما إلى تهديدات أمنية مباشرة.
قوبل المشروع بحفاوة كبيرة محليا وخارجيا لأن العراق يحتاج إلى مقاربة فكرية ذات بعد استراتيجي لتفكيك التطرف واستعادة صورة البلد الذي قام لعقود على فكرة المواطنة. لكن هناك تحفظات بشأن هذا المشروع ليس بسبب محتواه ولكن بسبب الغاية من ورائه: هل الهدف فتح الباب أمام دولة المواطنة أم إضفاء الشرعية على نظام حكم طائفي يرفع فكرة الإرهاب لتثبيت نفسه وتحصين مصالحه بشيطنة المكونات الأخرى.
من حيث المبدأ، تبدو المقاربة التي عرضتها اللجنة العراقية لمكافحة التطرف العنيف متقدمة مقارنة بالسياسات التقليدية التي ركزت لعقود على الحلول العسكرية والأمنية وحدها. فالتجربة العراقية، كما تجارب عديدة في المنطقة، أثبتت أن هزيمة التنظيمات المسلحة في الميدان لا تعني بالضرورة القضاء على البيئة الفكرية والاجتماعية التي تسمح بظهورها من جديد. ما يزال تنظيم داعش يطل برأسه في عمليات متفرقة في العراق وسوريا، وقد تكون حالة الكمون الحالية تهيؤا لمرحلة أكثر عنفا لتنظيم لا يؤمن سوى بالعنف.
لكن نجاح أي مشروع لمكافحة التطرف لا يتوقف على النصوص القانونية وحدها، بل يرتبط بالسؤال الأكثر تعقيدا: هل الدولة نفسها محايدة تجاه أشكال التطرف المختلفة أم أنها تتسامح مع بعضها وتحارب بعضها الآخر؟ هل هناك مشروع وطني عراقي مدني لمواجهة المجموعات المذهبية التي تفرض نفسها بالقوة على العراقيين باسم الدين والطائفة وبعضها تحت مظلة الديمقراطية وحكم الأغلبية. هل تقدر حكومة تحتكم مشروعيتها إلى الطائفية أن تنهض بهذه المهمة الصعبة والمعقدة، والتي يؤشر النجاح فيها إلى دخول العراق عصر التغيير؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في العراق الذي عانى من أكثر من شكل من أشكال العنف الأيديولوجي والطائفي خلال العقود الماضية. فالإرهاب لا ينشأ في الفراغ، بل يتغذى عادة على الانقسامات والهويات المغلقة والشعور بالتمييز والإقصاء. وكلما تحولت الدولة إلى طرف في الصراع الهوياتي، تراجعت قدرتها على لعب دور الحكم الجامع بين المواطنين. العراق شهد بعد غزو 2003 حربا أهلية بعناوين طائفية بين السنة والشيعة من جهة وداخل كل طائفة على حده، داخل الشيعة وبين السنة أنفسهم، ما يجعله في حاجة إلى مقاربة أشمل تقوم على تفكيك الطائفية من أجل مواجهة التطرف. الطائفية التي تستدعي معارك التاريخ هي الحاضن الفعلي للتطرف.
التطرف في جوهره لا يُقاس بالهوية المذهبية أو الدينية، بل بمنظومة الأفكار والسلوكيات التي تقوم على إلغاء الآخر وفرض الرأي بالقوة. وإذا كان الإرهاب يمثل التعبير العملي والعنيف عن هذه المنظومة، فإن الطائفية تمثل التربة الثقافية والفكرية التي تسبقه وتبرره وتوفر له المشروعية.
يشار إلى أن إحدى الإشكاليات التي واجهت العديد من السياسات العربية في مكافحة الإرهاب أنها تعاملت مع الظاهرة بصورة انتقائية. فقد جرى التركيز على تنظيمات معينة وتصنيفها كتهديد إرهابي، بينما تم التغاضي عن أشكال أخرى من التطرف لأنها تنتمي إلى معسكرات سياسية أو مذهبية قريبة من السلطة أو تحظى بحماية سياسية.
من هذه الزاوية، يصعب الحديث عن مواجهة جادة للتطرف إذا جرى اختزاله في تنظيمات مثل داعش أو القاعدة، بينما يتم التعامل مع خطابات التحريض والكراهية والطائفية الصادرة عن جماعات أخرى باعتبارها أمرا مقبولا أو مبررا سياسيا. فالفارق بين التطرف الداعشي والتطرف الذي تمارسه جماعات طائفية مسلحة في العراق ليس فارقا نظريا كبيرا. كلاهما ينطلق من قناعة امتلاك الحقيقة المطلقة، وكلاهما يسعى إلى فرض رؤيته على المجتمع، وكلاهما ينظر إلى الخصوم باعتبارهم أعداء ينبغي إخضاعهم أو إقصاؤهم. كلاهما يمارس العنف باسم المذهب والدين.
لهذا السبب، فإن أي استراتيجية حقيقية للوقاية من التطرف يجب أن تقوم على مبدأ المساواة أمام القانون ورفض جميع أشكال العنف الأيديولوجي دون استثناء. فالدولة التي تدين خطابا متشددا في جهة وتتسامح مع خطاب مشابه في جهة أخرى تفقد جزءا كبيرا من مصداقيتها وقدرتها على التأثير.
كما أن نجاح مكافحة التطرف يرتبط بطبيعة النموذج الذي تقدمه الدولة نفسها. فالدولة ليست مجرد أجهزة أمنية ومؤسسات إدارية، بل هي أيضا منظومة قيم ورسائل سياسية وثقافية. وإذا كانت هذه الرسائل تعزز الانقسام المذهبي أو تمنح أفضلية لهوية معينة على حساب بقية المواطنين، فإنها تساهم بشكل غير مباشر في إنتاج المناخ الذي يزدهر فيه التطرف.
وهنا تبرز أهمية حياد الدولة دينيا ومذهبيا. فالحياد لا يعني العداء للدين أو تجاهل الخصوصيات الثقافية للمجتمع، بل يعني أن تكون مؤسسات الدولة فوق الانتماءات الفرعية، وأن تتعامل مع المواطنين على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء الطائفي أو المذهبي. وعندما يشعر المواطن أن حقوقه مرتبطة بصفته مواطنا لا بعضويته في جماعة دينية أو مذهبية، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات المغلقة التي تشكل أحد أهم مصادر التطرف.
وفي هذا السياق، يطرح البعض تساؤلات مشروعة حول قدرة أي دولة تتبنى سياسات أو تشريعات ذات طابع طائفي واضح على تقديم نفسها كنموذج جامع لكل المواطنين. فكلما اقتربت الدولة من تبني رؤية مذهبية محددة في التشريع أو الإدارة أو توزيع النفوذ، ازدادت صعوبة إقناع الفئات الأخرى بأنها دولة الجميع وليست دولة فئة بعينها. نشير هنا بالأساس إلى مدونة الأسرة التي جاءت استجابة
إن الدولة العادلة هي السلاح الأكثر فعالية في مواجهة التطرف. فهي تسحب البساط من تحت أقدام المتشددين عندما تضمن المساواة بين المواطنين، وتوفر فرصا متكافئة للجميع، وتحمي الحريات الفردية، وتفرض القانون على الجميع دون تمييز. في مثل هذا المناخ يصبح خطاب الكراهية أقل جاذبية، وتفقد الجماعات المتطرفة قدرتها على استقطاب الأتباع بحجة الدفاع عن المظلومين أو حماية الهوية.
مشروع قانون الوقاية من التطرف العنيف يمكن أن يشكل خطوة إيجابية ومهمة في العراق إذا كان جزءا من رؤية وطنية شاملة تعالج جذور المشكلة لا مظاهرها فقط، وتتعامل مع جميع أشكال التطرف بمعيار واحد بعيدا عن الحسابات المذهبية والسياسية. لكن نجاحه سيظل موضع شك ما دامت البيئة السياسية التي أنتجت الانقسام الطائفي ما تزال قائمة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%206_6_2.jpg.webp?itok=_sm2csZJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA_0.jpg.webp?itok=l8I7owh-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_1_3_2.jpg.webp?itok=wVTZl-Tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9_0.jpg.webp?itok=y_kqqx3d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1466250_0_3_0.jpg.webp?itok=jGgVVbdn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)