مخاض الولادة في خيام غزة... عذاب لم يرصد تحت الإبادة

مخاض الولادة في خيام غزة... عذاب لم يرصد تحت الإبادة

مخاض الولادة في خيام غزة... عذاب لم يرصد تحت الإبادة


09/02/2026

في خيمة مهترئة لا تقي من حر ولا برد، وعلى أرض رملية ملوثة بمياه الصرف الصحي في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، وضعت الشابة نسرين الشافعي مولودها الثاني داخل خيمتها.

لم تعتد الشافعي رفع صوتها في حياتها، ولم يكن ألم المخاض وحده ما أثقل أنفاسها، بل كان الخوف يزاحم الوجع، هل ستبقى على قيد الحياة؟ هل سينجو جنينها؟ وهل سيطلع الصباح بلا قصف؟

تقول الشافعي (23 عاماً)، النازحة وعائلتها من شمال قطاع غزة، وهي تضم طفلها حديث الولادة إلى صدر أنهكته المجاعة: "لم أتخيل يوماً أن ألد هكذا، بلا طبيب، بلا مستشفى، بلا دواء، بلا باب أغلقه عليّ." 

ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، وُلد في غزة (50) ألف طفل خلال عام 2025 بانخفاض يقدّر بـ 11% مقارنة بمعدلات ما قبل الحرب، وتم تسجيل أكثر من (4 آلاف و100 طفل) ولادة مبكرة نتيجة تعرّض الأمهات للضغوط وحرمانهنّ من الرعاية الصحية الأساسية، وتسجيل (616) حالة وفاة داخل أرحام أمهاتهم خلال 2025. ووُلد خلال العام نفسه (4 آلاف و900) طفل بأوزان منخفضة، بزيادة تجاوزت 60% مقارنة بالفترة السابقة للحرب.

ولادة بلا مستشفى

قبل الحرب كانت الشافعي تتابع حملها في عيادة حكومية، تعرف اسم الطبيبة وتاريخ زياراتها، ولكن اليوم، بعد تدمير المستشفيات ونزوحها القسري إلى جنوب القطاع، وجدت نفسها تلد في خيمة مشتركة مع ثلاث عائلات أخرى.

تتحدث عن اللحظات الأولى لولادتها: "بدأ الطلق عند الفجر، فحاولت أن أكون هادئة، لكنّ الألم كان مختلفاً، أقسى، وأطول، وكأنّه يعاقبني." 

وتوضح أنّها لم تحصل طوال شهرين على أيّ فحص طبي، ولا مكملات غذائية، ولا حتى على ماء نظيف بشكل منتظم.

وتتابع: "كنت أعرف أنّ جسمي ضعيف، وكنت أخاف من النزيف، ومن أن أموت ويكبر أطفالي أيتاماً." 

وتؤكد: "لم يكن هناك طبيب، والقابلة التي ساعدتني سيدة في الخمسين من عمرها، نازحة أيضاً، كانت تعمل سابقاً في مركز صحي دمّر كليّاً، وقد قالت لي: الله معنا، هذا كل ما نملكه الآن." 

وتصف الشافعي لحظة الولادة: "صرخت، ثم سكت فجأة حين سمعت انفجاراً قريباً، فخفت أن تكون هذه آخر لحظة في حياتي، كنت ألد تحت القصف، ولم تكن هناك أدوات تعقيم، وإنّما ماء بارد وقطعة قماش قديمة." 

أمومة تحت الإبادة

بعد الولادة نزفت الشافعي لساعات، ولم تصل أيّ سيارة إسعاف، بسبب انشغالها في ذلك اليوم بنقل مصابين من قصف مبنى قريب من الخيمة التي تتواجد في داخلها." 

ولا ترى الشافعي نفسها حالة فردية، وتوضح: "كل الخيام حولي فيها نساء حوامل، وكلنا ننتظر الدور، ليس للولادة، بل للموت، هناك نساء أجهضن بسبب الخوف والجوع، وأخريات فقدن أطفالهن بعد الولادة بأيام." 

وتؤكد: "لا أحد يوثق هذا، والعالم يرى القصف، ولا يرى النساء وهن يلدن في العراء، فهنا نلد بلا كرامة، بلا أمان، بلا حق، فأنا لا أعلم كيف سأحمي طفلي، لكنّي أنجبته رغم كل شيء، ربما هذه آخر مقاومة نملكها." 

الولادة داخل خيمة

تجلس شروق حماد (38 عاماً) على قطعة إسفنج بالية داخل خيمة نصبتها عائلتها على عجل بعد نزوحها القسري من شرق مدينة غزة في مخيم للنازحين بحي بدير البلح وسط قطاع غزة، لا شيء في الخيمة يوحي بالحياة سوى صوت أطفالها الخافت، أمّا ملامحها فمختزلة في التعب والترقب، بعد أن وضعت طفلها قبل أربعة أشهر، لكنّ ملامحها ما تزال عالقة في لحظة الولادة.

تقول حماد: "الطلق بدأ ليلاً، وكنت أعرف أنّ الوقت قد حان، لكنّي لم أفرح، وأوّل ما فكرت فيه: أين سألد؟ وكيف؟".

وتوضح: "لم يكن هناك خيار، الخيمة كانت المكان الوحيد، ففرشت بطانية على الأرض، وكنت أعدّ الثواني بين القذيفة والأخرى، فكلّ ألم كان يتداخل مع صوت القصف، ولم أكن أعرف: هل هذا طلق أم خوف؟".

وتتوقف حماد قليلاً، ثم تقول: "لم أخضع لأيّ فحص طبي طوال الشهرين الأخيرين من حملي، لا تحاليل، ولا صور، ولا متابعة، حتى أقراص المكملات الغذائية لم أجدها." 

وتتابع: "الماء كان شحيحاً، والنظافة شبه مستحيلة، كنت أعرف أنّ هذا خطر، وأيّ عدوى قد تقتلني أو تقتل الطفل، لكن لا أحد يسألنا إن كنا جاهزات للولادة هنا." 

وتضيف: "بقيت مستلقية على الأرض لساعات، وكنت أشعر أنّ روحي تخرج، قالوا لي: تحمّلي حتى الصباح، ربما نجد وسيلة لنقلك إلى أقرب مركز صحي، لكنّ الصباح جاء بلا إسعاف، ونجوت بالمصادفة، لا أكثر." 

وتبين حماد: "الولادة يجب أن تكون ذكرى جميلة، إلا أنني لا أستطيع تذكرها دون أن أبكي، فكلما بكى طفلي، أتذكر صوتي وأنا أصرخ خوفاً وألماً."    

وتؤكد: "ليس الألم بالولادة فقط، بل الإحساس بأنّي ألد بلا كرامة، فالحيوان يلد في مكان آمن، ونحن لم نمنح هذا الحق." 

أوضاع كارثية

ترى إخصائية النساء والولادة الدكتورة منى شلبي أنّ "وضع النساء الحوامل، وتحديداً اللواتي يعشن بالخيام في غزة، كارثي بكل المقاييس الطبية، فهن يعشن في ظروف لا تصلح للحياة، وفضلاً عن الحمل والولادة هناك نقص حاد في الغذاء، والأدوية، والمكملات، والفحوصات الدورية، وانعدام شبه كامل للرعاية التخصصية." 

تقول شلبي: "الحمل والولادة الذي يُعدّ حالة فيسيولوجية طبيعية تحوّل في غزة إلى حالة عالية الخطورة، بسبب تعرّض الكثير من النساء للنزيف، وتسمّم الحمل، والولادة المبكرة، والالتهابات، وفقر الدم الحاد، وسوء تغذية الأم والجنين، إضافة إلى غياب أيّ تدخل طارئ عند حدوث مضاعفات." 

وتوضح: "الفرق بين الولادة في الظروف الآمنة وغير الآمنة كالفرق بين الحياة والموت، ففي بيئة آمنة نراقب نبض الجنين، وضغط الأم، والنزيف، ونستطيع التدخل فوراً، لكن في الخيام الولادة تتم دون مراقبة، ودون أدوات، وأحياناً دون مختصين. والولادة داخل الخيام تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، كتعسّر الولادة، واختناق الجنين، والنزيف الحاد، وتمزق الرحم، وعدم القدرة على التعامل مع أيّ طارئ، وبالتالي ارتفاع وفيات الأمهات وحديثي الولادة  بشكل صامت." 

وتتابع: "غياب الفحوصات الدورية للحوامل يعني أننا نكتشف الخطر بعد وقوعه، لا قبله، فحالات مثل سكري الحمل، وارتفاع الضغط، أو تأخر نمو الجنين تمرّ دون تشخيص حتى تتحول إلى طوارئ قاتلة".

وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 شنت إسرائيل حرباً على غزة أسفرت عن مقتل أكثر من (71) ألف فلسطيني، وإصابة أكثر من (171) ألفاً آخرين.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية