
حين يحاول الرضيع باسل ماضي، البالغ من العمر عشرة أشهر، البكاء لا يستطيع أن يصدر أيّ صوت، فعيناه الغائرتان وبشرته الشاحبة تروي قصة أمعاء خاوية تؤلمه؛ فهو بالكاد تناول شيئًا من الطعام منذ أسابيع.
ومع مواجهة قطاع غزة مجددًا نقصًا حادًا في الغذاء والماء وحليب الأطفال نتيجة الحصار الإسرائيلي والقصف العسكري المستمر، يُعدّ باسل واحدًا من بين العديد من الأطفال الفلسطينيين الذين أنهكت أجسادهم بفعل الجوع وسوء التغذية.
وتجلس والدة الطفل أسماء بمستشفى النصر للأطفال بغزة، وتنظر بيأس تحسن حالة ابنها، وقلبها مثقل بالألم والعجز عن تخفيف معاناته، فهو يعاني من إرهاق شديد، وهزال، وفقر دم، نتيجة سوء التغذية الحاد.
"الطفل باسل، بعينين غائرتين وبشرة شاحبة، لا يبكي من الجوع فقط، بل لأن جسده أنهكه الحرمان من الغذاء منذ أسابيع."
وأكدت وزارة الصحة في غزة أنّ "العدد الإجمالي لمن تُوفّوا من الجوع وسوء التغذية ارتفع إلى (127)، منهم (85) طفلًا".
ووفقًا لأحدث النتائج التي توصلت إليها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا)، يعاني طفل من كل (5) أطفال في مدينة غزة من سوء التغذية، مع تزايد الحالات يومًا بعد يوم.
كما وجد شركاء الأمم المتحدة العاملون في مجال التغذية أنّ ما يقرب من (5) آلاف من أصل (56) ألف طفل دون سن الخامسة، خضعوا لفحص سوء التغذية في الأسبوعين الأولين من شهر تموز (يوليو) في محافظات خان يونس ودير البلح وغزة، يعانون من سوء تغذية حاد.
"تجلس أسماء، والدة باسل، في مستشفى النصر، تنظر إليه بيأس، عاجزة عن تخفيف ألمٍ سببه الجوع وفقر الدم والهزال."
وأشار نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق إلى أنّ هذا يمثل نسبة مذهلة بلغت 9%، وهي زيادة عن 6% في حزيران (يونيو)، و2.4% في شباط (فبراير).
وأضاف فرحان حق أنّ عدد حالات المواليد الموتى في غزة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ (220) حالة خلال الفترة بين كانون الثاني (يناير) إلى حزيران (يونيو) من العام الجاري.
تناول الخبز اليابس
قالت أسماء لـ (حفريات): "طفلي يستيقظ كل ليلة باكيًا من شدة الجوع، لكنني لا أجد ما أطعمه، كل ما أستطيع أن أقدمه له هو بضع قطع من الخبز اليابس المغمّس بالماء، وحتى هذا أصبح نادرًا".
وتخشى والدة الطفل أن يصبح ابنها رقمًا جديدًا في قائمة الأطفال الذين لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية والجفاف خلال الأيام الماضية بقطاع غزة.
"طفل من كل خمسة أطفال في غزة يعاني من سوء تغذية، والرقم يتزايد يومًا بعد يوم مع اشتداد الحصار."
وتابعت أسماء حديثها: "لا يوجد أرز أو خضروات أو طحين، وإذا توفرت هذه المواد في السوق، فأسعارها خيالية، ولا نستطيع شراءها".
وممّا زاد الطين بلة، إصابة والدة الطفل باسل في الغزو الإسرائيلي الأخير على جباليا بجروح متوسطة، ولم تعد قادرة على إرضاعه.
فقر دم حاد
وعلى سرير آخر قريب من الطفل باسل، يرقد الطفل خالد حسونة البالغ من العمر (18) شهرًا، وهو يعاني من فقر دم حاد ناتج عن سوء التغذية، وقال والده أحمد لـ (حفريات): "المرض يجتاح جسد طفلي الصغير بلا رحمة، لا أعرف كيف أتحمل بكاءه المؤلم".
"قالت أسماء: 'أطعم طفلي الخبز اليابس المغمّس بالماء، وحتى هذا لم يعد متوفرًا'، وعيونها تفيض وجعًا وقهرًا."
ولم يكن حسونة الطفل الوحيد المريض في عائلته، فقد أُصيب اثنان من إخوته الثلاثة بالتهاب الكبد الوبائي "أ" بسبب شربهم مياهًا ملوثة، ويتساءل والده بحسرة: "ما ذنب الأطفال في هذه الحرب؟ لماذا عليهم أن يناموا ويستيقظوا وهم جياع؟".
وأضاف: "لم نحصل على أيّ نوع من الخضروات أو المياه النظيفة أو الطحين منذ أشهر، في شباط (فبراير) 2024 اضطررنا لأكل أعلاف الحيوانات وأوراق الشجر، نأمل ألّا نعود إلى تلك المرحلة، فالجوع يدمّرني ويدمّر أطفالي".
منذ يومين بلا طعام
وكانت عائلة الفلسطيني تامر مصبح (45) عامًا، من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، من بين العائلات التي اضطرت خلال الفترة الماضية لأكل الأعشاب وعلف الحيوانات لتبقى على قيد الحياة خلال المجاعة الكبيرة التي ضربت مدينة غزة وشمالها في آذار (مارس) 2024".
وأضاف مصبح لـ (حفريات): "السيناريو يعاد مرة أخرى حاليًا، أعيش وعائلتي مجاعة حقيقية، ومنذ يومين لم نتناول سوى الماء فقط، حتى بدأت ملامح الإرهاق تظهر بوضوح على وجوهنا".
"الطفل لا يعرف السياسة، لا يريد سوى أن يأكل، يتنفس، يعيش، بينما العالم يراقب جريمة إبادة صحية بصمت قاتل."
وقال مصبح: "نحن على قيد الحياة، لكننا لسنا بخير"، وهو يرقد حاليًا بجانب طفليه، محمد (4) أعوام، وأحمد (6) أعوام، في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي للأطفال، لتلقي العلاج من فقر الدم الحاد، بعد أن ازداد وضعه وعائلته سوءًا يومًا بعد يوم".
وأضاف مصبح: "الأسواق انتعشت لبضعة أيام، ودخلت بضائع ومنتجات متنوعة ولكنّها محدودة، وقد حذّر من أنّ "الأزمة عادت مجددًا بفعل التضييقات الإسرائيلية على دخول المساعدات".
وجبة طعام واحدة باليوم
وفي حي الشيخ رضوان بمدينة غزة أصبحت الأسواق شبه خالية من المواد الغذائية والبضائع، ويقول علاء الحسني، البالغ من العمر (37) عامًا، ويعيش في الحي، لـ (حفريات): "أزور السوق يوميًا بحثًا عن أيّ شيء لعائلتي، لكنّ الأسعار مرتفعة جدًا، وهي تفوق استطاعتي المالية على شرائها".
وأضاف: "تعاني طفلتي نور، البالغة من العمر عامًا واحدًا، من مشكلات في الجهاز الهضمي منذ ولادتها، وتحتاج إلى نوع خاص من حليب الأطفال لتستقر حالتها، إلا أنّ هذا النوع لم يعد موجودًا على الإطلاق، ومع تدهور حالتها، بدأ جسدها يضعف ويهزل بشكل واضح".
"الموت لا يأتي من القصف فقط، بل من الجوع، من تراجع المناعة، من أمراض بسيطة لا تجد علاجًا أو مضادًا حيويًا."
وأوضح: "نتناول وجبة واحدة فقط في اليوم، وأحيانًا نمتنع عن أكل الخبز لنوفره للأيام القادمة، وعندما تتوفر الخضروات، تصبح أسعارها بعيدة عن متناول اليد".
وأضاف الحسني: "العديد من الخضروات اختفت من الأسواق تمامًا، والمعلبات تباع بأسعار تفوق قيمتها الأصلية بعشرين مرة، وهو أمر يستحيل على معظم السكان تحمله".
الموت في عيون الأطفال
يرى الدكتور محمد خضر، استشاري حديثي ولادة في مستشفى النصر للأطفال، أنّ "الوضع الصحي للأطفال حديثي الولادة في ظل المجاعة الحالية، هو مأساوي بكل ما تعنيه الكلمة، فنحن لا نتحدث فقط عن نقص في الغذاء، بل عن كارثة إنسانية متكاملة، والأطفال يصلون إلينا بأوزان أقلّ من الطبيعية، معظمهم مصابون بسوء تغذية حاد، وهناك من لا يتجاوز وزنه كيلوغرامًا واحدًا، وهذا الوزن لا يكفي لمقاومة أيّ عدوى أو حتى البقاء على قيد الحياة".
"قال د. محمد خضر: 'نستقبل أطفالًا بأوزان أقل من كيلوغرام، لا يستطيعون مقاومة أيّ عدوى أو البقاء أحياء.'"
وأضاف خضر خلال حديثه لـ (حفريات): "أبرز ما نراه هو الهزال الشديد، وضمور العضلات، وانتفاخ في البطن بسبب سوء الامتصاص، وجفاف حاد، وتراجع ملحوظ في النشاط العصبي، وبعض الأطفال لا يبكون من شدة الضعف، وهذا مؤشر خطير على أنّ أجهزة أجسامهم تتوقف تدريجيًا عن العمل".
وأوضح :"في بداية الحرب كان الأطفال يصلون متأثرين من آثار الحرب النفسية ونقص الرعاية، الآن نحن نتعامل مع جيل كامل يولد داخل مجاعة، الأمهات أنفسهن يعانين من فقر التغذية، ممّا يعني أنّ حليب الأم، إن وجد، لا يحتوي على أيّ قيمة غذائية حقيقية، وأغلب المواليد الجدد لا يجدون حليبًا ولا حاضنات، ولا حتى كهرباء لتشغيل أجهزة التنفس".
"الأسواق في غزة شبه خالية، والخضروات نادرة، أما المعلبات فتباع بأسعار تفوق قيمتها الأصلية بعشرين مرة."
ويؤكد: "توفي عدد من الأطفال وحديثي الولادة بسبب أمراض يسهل علاجها مثل الإسهال أو التهاب رئوي بسيط، لكن بسبب المناعة المنخفضة جدًا وعدم توفر التغذية أو المضادات الحيوية، يموتون خلال أيام".
ويضيف: "نحن بحاجة يوميًا إلى حليب طبي خاص بالحالات الحرجة مثل (Nutriprem أو Infatrini) لكن لم يصلنا منه شيء منذ شهور، هناك علب حليب منتهية الصلاحية نحاول استخدامها كحل أخير، لنحاول إبقاءهم على قيد الحياة".
وقد وجّه الطبيب خضر رسالة للمجتمع الدولي وأحرار العالم بأن "ينقذوا أطفال غزة، فهذه ليست مجرد حرب، إنّها إبادة صحية، الطفل لا يفهم ما السياسة، هو فقط يريد أن يتنفس، أن يأكل، أن يعيش، ويجب وقف هذه الكارثة، نحن نخسر مستقبلًا كاملًا أمام أعيننا".
"أُجبرت عائلات في غزة على أكل الأعشاب وأعلاف الحيوانات للبقاء أحياء، بينما الجوع يُطاردهم في كل زاوية."
وتحاصر إسرائيل غزة منذ فترة طويلة، وبات نحو (1.5) مليون فلسطيني من نحو (2.2) مليون في القطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.
ومنذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 تشنّ إسرائيل حرب إبادة جماعية في غزة خلفت أكثر من (202) ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على (9) آلاف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_0.png.webp?itok=SL0FoY8v)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)