مبادرة مسجوني الإخوان.. ما الذي يكشفه الجدل حولها؟

مبادرة مسجوني الإخوان.. ما الذي يكشفه الجدل حولها؟

مشاهدة

24/08/2019

أثارت دعوة بعض المسجونين من الإخوان لمبادرة تستهدف إطلاق سراحهم، المزيد من الجدل في قواعد الجماعة، التي تشهد انشقاقات تبدو الأكبر في تاريخها الذي امتدّ لتسعة عقود.
المبادرة التي تضمّنت تعهّد أفرادها بترك فكرة السياسة نهائياً، وعدم التصدي لأيّ مشروع سياسي والاكتفاء بممارسة الحياة بشكل طبيعي، خرجت عبر رسالة من السجون المصرية، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، دون أن تعلّق عليها الجماعة، كعادتها مع كلّ مبادرة تخرج بما يخالف قناعات قياداتها بالسجون؛ حيث اتهمت الرسالة تلك القيادات بوضوح بأنّهم لا يسعون لحلّ الأزمة ولا يملكون أيّة رؤية للحلّ.

اقرأ أيضاً: منظمة إخوانية تخدع سياسيين بألمانيا بمبادرة تبرعات
ورغم أنّ منابر إعلامية مقربة من الجماعة شككت في المبادرة، أو الرسالة التي أكّد أصحابها أنّها تجسّد لسان حال 90% من سجناء الإخوان، وتتحدث عن قرابة 350 معتقلاً، يضاف إليهم ألف من المسجونين الذين خرجوا لجلسات المحاكمة أو الامتحانات (أي 1350 معتقلاً)، متسائلين كيف يتسنى لمثل هذا العدد أن يجتمع مع بعضه؟ وكيف يتوافقون على تلك الصياغة التي تفتقر إلى الكثير من القواعد وآداب جماعة الإخوان المسلمين التي حفلت في الآونة الأخيرة بمشاهد الاتهامات المتبادلة باختلاسات وسرقات وتلاسن!

أثارت دعوة بعض مسجوني الإخوان لمبادرة تستهدف إطلاق سراحهم المزيد من الجدل في قواعد الجماعة

الرسالة التي يمكن الاطلاع عليها عبر بعض منتديات الجماعة الخاصة، تلخص ما يدور الآن داخل الصف الإخواني وتشرح طبيعة الجدل الدائر داخلها؛ ففي أحد المنشورات، تعليقاً عليها، تساءلت كاتبته في سخرية عن سلوك قيادات الإخوان وتخلّيهم عن قواعد الجماعة، مستنكرة ما قاله محمود حسين، أمين عام الجماعة، في لقاء على قناة الجزيرة: "في يقيني؛ هذه الرسالة المسربة صناعة أمنية"، معلقةً "واخدلي بالك أنت من "يقيني" دي."
وتنقل عن حسين أيضاً: "نحن لن نتراجع خطوة للوراء فيما يخص المصالحة مع النظام، ومَن أراد أن يتبرأ من جماعة الإخوان فليتبرأ"، وجملته الأهم، كما تقول، "نحن لم ندخلهم السجن، ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان"، وتعلق: "للحظة حسيت إن الجملة دي منطقية جداً، وإن فعلاً اختيار الدخول لجماعة الإخوان هو اختيار عقلاني تماماً، ومفيش حد بيجبر حد عليه، لدرجة إني قررت أعلق على الجملة دي وشايفاها منطقية جداً".

اقرأ أيضاً: أحداث الزاوية الحمراء.. عندما رقص الإخوان على أطلال المذبحة
نحن هنا أمام حالة نقاش تجري منذ أعوام، وفي أعقاب فضّ اعتصام رابعة صنعت دوائر من الأسئلة، التي لن تطرح إجاباتها سوى إدانات حاسمة لتلك القيادات، وهو ما يتضح في الفقرات التالية لحوار كاتبة المنشور مع أعضاء المنتدى؛ حيث تواصل قائلة: "افتكرت فعلاً إن الإخوان كانوا بيربونا على السمع والطاعة، مينفعش تكون بتقولي الثبات والجهاد والاعتصام حتى الممات، والموت في سبيل الله، وحتى عودة الشرعية، وعمال توعد وتفرش الأرض ورد تحت تأثير قال الله وقال الرسول، والسمع والطاعة والثواب والعقاب والتعزير والطرد من جنة الإخوان، وبعدين تقول أصل والله محدش قالكم خليكم، فمينفعش تكون عمال توجهنا روحوا عند المنصة روحوا عند الحرس الجمهوري، روحوا رابعة، روحوا النهضة، وسالب الناس كل إرادتها"؛ نحن هنا أمام إدانة صريحة لمناهج التربية داخل الجماعة ولطريقة التنشئة التي تمثل قوام الفكرة الإخوانية ولسلوك الجماعة في أعقاب ثورة 30 يونيو.

اقرأ أيضاً: صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا
"وبعدين تقول أصل محدش قالهم، ده غير طبعاً نظام الترتيب والترقي داخل الجامعة والجندية والطاعة العمياء يلي أنت بتربي الناس عليها"، ثم تتطرق كاتبة المنشور إلى سلوك التنظيم مع كلّ من يختلف مع القيادات أو التنظيم مستنكرة ما فعله التنظيم معهم، وهو أمر بالغ الأهمية، يجسر الفجوة بين مَن اختلفوا مع التنظيم وغادروه، ومَن بدؤوا في طرح الأسئلة التي ستقودهم إلى مغادرة الجماعة، واكتشاف حقيقتها.
"والتشهير بيلي بيطلع والطعن في دينه وأخلاقه وشرفه، وده كان يا ما بيحصل بس مش موضوعنا دلوقت، وبعدين تقول أصل محدش قالهم! بس لقيت مخي بيسأل برضو: طب ما كده إحنا كنا مبنفكرش ومسلمين مخنا تماماً ليهم ولاغيين عقلنا !لقيت إن معظمنا كان كده فعلاً ويلي كان بيحاول يختلف كان مصيره بيبقى سواد السواد".
وتتابع الكاتبة: "بس كمان الإخوان بيسلبونا عقولنا بضغوط دينية واستدلالات السيرة، وحصرنا في منهج معين عشان منفكرش برّاه".

منابر إعلامية مقربة من الجماعة شككت في المبادرة وأنّها تجسّد لسان حال معظم سجناء الإخوان

تبدو الجملة الأخيرة غاية في الأهمية، وتعرّي موقف المؤسسة الدينية الرسمية التي لم تقدم قراءات بديلة للدين تعصم هؤلاء من الوقوع فريسة للاستدلالات الباطلة "فمينفعش تجيبني وتحشدني من الأقاليم وتقعد تسخني وتغذي دماغي وقلبي بخطابات عنترية وتدعوني للثبات عشان النصر أو الشهادة، وتقول أصل محدش جبركم، وحتى ولو محدش جبرنا يا سيدي، فمن باب حتى المروءة والشجاعة والنبل إن ناس كانت ماشية معاك المفروض تبقى راجل وتدافع عنهم، دا أي شلة صحاب لو واحد صاحبهم اتخانقوا هما مش طرف في الخناقة، يدخلوا يدافعوا ويتخانقوا معاه، وبعدين من الأصل بقى كمان، لو حتى كل المعتقلين يلي في السجون دول كلهم مش إخوان فانت مسؤول عنهم بشكل مباشر، لأنك أنت سبب الأزمة يلي هما فيها، فكلامك دا كان ينفع لو كانت التحركات بتاعة الناس عفوية، ومحدش قالهم انزلوا بس بما انك كنت بتحشد الناس حشد وبتدفعهم دفع مباشر، فأنت المسؤول."

اقرأ أيضاً: اللامركزية عقيدة إخوانية غذاؤها الفراغ والفوضى

"ولما تيجي دلوقت تتخلى عن المسؤولية دي يبقى تستحق كل دعوة من مظلوم يدعيها عليك، الاختيار الحقيقي اللي اختاروه الشهداء والمعتقلين إنهم يقولوا للظالم "لا"، معلش أنا كده شقيت الصف العظيم المتماسك والقوي الهُمام"؛ تكشف الفقرة السابقة ضحالة تصور قواعد الجماعة لطبيعة الصراع السياسي وكأنها تختزله في مشادة بين شخصين أو جماعتين.
ولم تنسَ كاتبة الرسالة في النهاية أن تقطع الطريق على المزايدين من الصف والقيادة مذيلة رسالتها بتلك الجملة؛ "ملحوظة: أنا زوجي استشهد في رابعة".
يبدو أنّ تلك الرسالة تؤكد أنّ قواعد الإخوان تغادر السكرة لحساب الفكرة، التي ستقودهم قطعاً لاكتشاف حقيقة هذا التنظيم، وأنّ ما يجرى داخل قواعد الجماعة أكبر بكثير مما تحاول خداعنا به منابر الخارج، التي أضحت مجرد "مصدر استرزاق" يحافظ أصحابها عليها لمصالحهم الخاصة.


الصفحة الرئيسية