
محمد الصالحين الهوني
سواء انتهت المواجهة بين الجمهورية الإسلامية وإدارة واشنطن باتفاق يجرّد طهران من برنامجها النووي والصاروخي، أو بضربة أميركية لا تتوقف قبل تحطيم بنيتها الإستراتيجية، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة. والسؤال لم يعد ما إذا كان النظام الإيراني سيبقى، بل أي ملامح ستتشكل في غيابه، وكيف ستنعكس على العالم العربي الذي عاش أربعة عقود تحت وطأة نفوذ طهران.
المشهد المقبل لا يقتصر على سقوط نظام سياسي، بل على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط برمته، مع تداخل الحسابات الداخلية الإيرانية مع التوازنات الإقليمية والدولية، التي ستنتج واقعًا جديدًا لا يمكن التنبؤ به بسهولة، لكنه سيكون حاسمًا في تحديد مستقبل المنطقة لعقود قادمة.
الاحتمال الأول يتمثل في انتقال داخلي عبر المعارضة التقليدية. الملكيون، الذين يستفيدون من الحنين الشعبي إلى عهد بهلوي، ومجاهدو خلق الذين يملكون قواعد خارجية، يطرحون أنفسهم كبدائل محتملة. لكن الانقسامات الداخلية وضعف القاعدة الشعبية يجعلان هذا السيناريو هشًا، أقرب إلى حلم سياسي منه إلى واقع قابل للتحقق. تجربة المعارضة الإيرانية في المنفى تشبه إلى حد بعيد معارضات عربية لم تستطع أن تتحول إلى بديل فعلي عند سقوط الأنظمة، حيث بقيت عاجزة عن ملء الفراغ، تاركة الساحة لقوى أخرى أكثر تنظيمًا أو أكثر قدرة على فرض نفسها بالقوة.
تجربة المعارضة الإيرانية في المنفى تشبه إلى حد بعيد معارضات عربية لم تستطع أن تتحول إلى بديل فعلي عند سقوط الأنظمة، حيث بقيت عاجزة عن ملء الفراغ
الاحتمال الثاني هو النموذج العراقي، أي تفكيك الدولة وإعادة بنائها عبر تدخل خارجي بقيادة الولايات المتحدة أو تحالف دولي. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان مشهد بغداد عام 2003، حين سقط النظام المركزي ليحل محله نظام ضعيف، متعدد القوى، تسيطر عليه الفصائل المسلحة، ويعاني من فراغ أمني طويل الأمد. بالنسبة إلى العرب، هذا السيناريو يعني عراقًا جديدًا على حدود الخليج، وربما نسخة إيرانية من “العراق ما بعد صدام”، بكل ما يحمله من فوضى وتدخلات وصراعات داخلية، وهو ما سيضاعف التحديات الأمنية والاقتصادية لدول الجوار، ويجعل الاستقرار الإقليمي أكثر هشاشة.
الاحتمال الثالث هو ثورة من الداخل. الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة قد تتحول إلى ثورة شاملة، تؤدي إلى انهيار تدريجي للنظام تحت ضغط الشارع، وتفتح الباب أمام قوى مدنية جديدة. لكن الخطر يكمن في أن الحرس الثوري قد يستولي على المرحلة الانتقالية بالقوة، ليعيد إنتاج النظام بوجه مختلف، تتضاءل فيه النزعة الأيديولوجية الدينية لصالح العسكر. بالنسبة إلى العرب، هذا السيناريو يعني أن إيران مضطربة، لكنها أقل قدرة على تصدير نفوذها، وهو ما قد يخفف الضغط عن العراق ولبنان واليمن، لكنه لا يضمن استقرارًا طويل الأمد، بل ربما يفتح الباب أمام مرحلة من التوترات الداخلية التي تنعكس على المنطقة.
الاحتمال الرابع هو تفكك الدولة إلى كيانات إقليمية. إيران دولة متعددة القوميات: فرس، أذريون، أكراد، عرب، بلوش. انهيار النظام المركزي قد يطلق نزعات انفصالية، ويعيد رسم الخريطة السياسية والجغرافية. هذا السيناريو، وإن بدا بعيدًا، يحمل تداعيات خطيرة على المنطقة العربية: حدود جديدة، صراعات إثنية، وربما موجات لجوء ضخمة نحو الخليج والعراق، إضافة إلى احتمال نشوء كيانات ضعيفة تصبح ساحات نفوذ للقوى الكبرى، ما يجعل المنطقة أكثر عرضة للتدخلات الخارجية.
الاحتمال الخامس هو استمرار الحرس الثوري بواجهة جديدة. حتى لو سقط النظام الديني، قد يبقى الحرس الثوري القوة الفعلية المسيطرة، مع واجهة سياسية جديدة أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. هذا السيناريو يعني أن النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن سيستمر، لكن بوجه مختلف، ربما أقل صدامية وأكثر قدرة على التكيف مع الضغوط الدولية. بالنسبة إلى العرب، هو استمرار للمشكلة، لكن بأدوات جديدة، قد تجعل المواجهة أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
انعكاسات هذه السيناريوهات على المنطقة العربية ستكون عميقة. في الخليج العربي، تراجع النفوذ الإيراني سيفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، ربما تشمل تعاونًا أوثق مع الولايات المتحدة وأوروبا. في العراق ولبنان واليمن، ضعف الفصائل المرتبطة بإيران سيتيح إعادة التوازن السياسي، لكنه يحمل خطر الفوضى إذا لم يتم ملء الفراغ بسرعة. إسرائيل ستعتبر سقوط النظام الإيراني انتصارًا إستراتيجيّا، وقد تدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة مع العرب، بينما الولايات المتحدة وأوروبا ستسعيان لضمان ألا تتحول إيران إلى دولة فاشلة أو ساحة نفوذ صيني – روسي، وهو ما يضع المنطقة أمام تنافس دولي جديد قد يعيد رسم التحالفات.
لكن التحديات تبقى هائلة. السيناريو الأكثر خطورة هو انهيار مفاجئ يقود إلى حرب أهلية أو صراع إثني – طائفي، مع تدخل خارجي متعدد من أميركا وروسيا والصين يتنافس على النفوذ. الفراغ الأمني قد يخلق بيئة خصبة لظهور جماعات متطرفة جديدة، وهو ما سيعيد إلى الأذهان مشهد ما بعد سقوط بغداد عام 2003، لكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيدًا. في هذه الحالة، لن يكون العرب أمام فرصة لإعادة التوازن، بل أمام خطر أن يصبحوا ضحايا فراغ أمني يبتلع المنطقة بأسرها.
الخلاصة أن الشرق الأوسط بعد نظام “آيات الله” لن يكون نسخة محسّنة من الحاضر، بل خريطة جديدة تتأرجح بين فرصة تاريخية للاستقرار وخطر الفوضى العارمة. العرب، أكثر من غيرهم، سيكونون في قلب هذه التحولات، إما شركاء في إعادة التوازن، أو ضحايا فراغ أمني يهدد وجودهم السياسي والاقتصادي.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام الإيراني سينهار، بل كيف ستتم إدارة ما بعد الانهيار، ومن سيملك القدرة على ملء الفراغ، وما إذا كانت المنطقة ستتعلم من دروس العراق وسوريا واليمن، أم ستكرر الأخطاء نفسها في نسخة جديدة من الفوضى. وفي كل الأحوال، فإن ما سيحدث في طهران لن يبقى في طهران، بل سينعكس على كل عاصمة عربية، من بغداد إلى بيروت، ومن الرياض إلى القاهرة، ليحدد ملامح الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

