لهذه الأسباب تحظر الحركات الجهادية الموسيقى

لهذه الأسباب تحظر الحركات الجهادية الموسيقى

لهذه الأسباب تحظر الحركات الجهادية الموسيقى


كاتب ومترجم جزائري
11/05/2024

ترجمة: مدني قصري


من المفيد ملاحظة الخطابات التي تبرر حظر الموسيقى واستخداماتها؛ لأنها تبني التصورات وتوجه التصرفات. فاليوم، يتخذ نقد الموسيقى الذي ينشره تنظيم داعش شكل إدانة للتجاوزات والرذائل في مجتمع الاستهلاك وصناعة التسجيلات؛ حيث إنّ الموسيقى تُتهم بأنّها تستخدم للتحكم، والإفساد وصرف الانتباه عن الحقيقة الدينية. فأولئك الذين يستمعون إليها هم "نجس، وفواحش، وأشرار بطبيعتهم"، في حين أنّ الذين يتوقفون عن الاستماع إليها، باستثناء الأناشيد الجهادية، يقتربون من "السلام الداخلي". وهذا ما يحلله الكاتب لويس فيلاسكو بوفلو.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

 

 

ولويس فيلاسكو بوفلو ( Luis Velasco-Pufleau) عالم
موسيقي. يعمل حالياً باحثاً بعد الدكتوراه في جامعة فريبورغ، وباحثاً مشاركاً في مؤسسة دار علوم الإنسان Fondation Maison des sciences de l’homme . يركز أبحاثه على القضايا السياسية والتاريخية والجمالية في الصوت والموسيقى، لا سيما في حالات الصراع وما بعد الصراع.

عندما استولى داعش على مدينة الرقة كان أحد التدابير الأولى التي اتخذها التنظيم حظر بثّ أي شكل من أشكال الموسيقى

عندما استولى تنظيم داعش على مدينة الرقة في كانون الثاني (يناير) 2014، كان أحد التدابير الأولى التي اتخذها التنظيم الإرهابي حظر بثّ واستماع أي شكل من أشكال الموسيقى، سواء كانت من التقاليد الغربية أو الشرقية. وأي شخص يجرؤ على كسر هذه القاعدة الجديدة يعاقَب بالموت.

قبل الرقة، واجه الموسيقيون في شمال مالي أيضاً الحظر على الموسيقى، والاضطهاد من قبل الجماعات الجهادية. في أوروبا والولايات المتحدة، استهدفت عدة هجمات مؤخراً قاعات للحفلات الموسيقية أو الأماكن التي يجتمع فيها الناس من أجل الموسيقى ومن خلالها.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

إنّ مسألة الرقابة على الموسيقى، وفكرة أن تكون الموسيقى حراماً (محظورة)، من قبل أيديولوجيا السلفية والجماعات الجهادية، مسألة ليست ظرفية بأي حال من الأحوال. لقد تم تطوير خطب كثيرة  لتبرير الرقابة على الموسيقى ومعاقبة من يستمع إليها. ما هي الأسباب التي طرحها اللاهوتيون السلفيون لحظر الموسيقى؟ ما هي القوى التي ستحملها الموسيقى في جوهرها بحيث يخاطر أولئك الذين يستمعون إليها بتعرّضهم للموت؟ لماذا تحتوي كل دعاية داعش الجهادية تقريباً على أغانٍ يمكن اعتبارها موسيقى؟

الدين والموسيقى

تاريخ الرقابة على الموسيقى أو الممارسات الموسيقية واسع للغاية، ولا يقتصر بأي حال على دين واحد أو نظام سياسي واحد. من اليونان القديمة إلى الديمقراطيات الليبرالية، بما في ذلك الهندوسية والمسيحية والإسلام واليهودية، يمكن القول إنّ جميع الأديان وأنواع الأنظمة السياسية قد حظرت مصنفات غنائية أو ممارسات موسيقية. في كثير من الحالات، اعتمد الحظر على المعتقدات، أو قوة التأثير الموسيقي على المشاعر الإنسانية، أو الخطر الذي قد يشكله على النظام الاجتماعي.

تاريخ الرقابة على الموسيقى أو الممارسات الموسيقية واسع للغاية ولا يقتصر على دين أو نظام سياسي واحد

فيما يتعلق بالعلاقة بين الإسلام والموسيقى، يقول علماء الموسيقى إنّ القرآن الكريم لا يعطي أي إشارة واضحة للموسيقى (التي يطلق عليها مصطلح "غناء"). لذلك، فإنّ حظر الموسيقى من قبل بعض التيارات الإسلامية لا يقوم على أي إجماع، ويستند إلى تفسيرات جدلية.

يحاول الخطاب الحالي حول حظر الموسيقى، المدعوم بشكل خاص من قبل الأيديولوجيا السلفية، أن يستمد شرعيته من هذه النصوص مع إهماله تماماً للنقاش المرتبط بها. بالفعل، القرآن الكريم لا يذكر الموسيقى (الغناء) بشكل صريح، لكن معارضيها - بما في ذلك تنظيم داعش - يعودون لتفسير الآية 6 من سورة لقمان، لتبرير وجهة نظرهم. فهم يربطون الموسيقى بـ "لهو الحديث" (أو "الكلمات غير المجدية") التي ذكرتها الآية: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ".

اقرأ أيضاً: كيف اختلفت رؤية الفقيه والفيلسوف للموسيقى؟

ثم إنّ الموسيقى تولّد المشاعر التي يمكن أن تشجّع الانخراط في صفوق الجهاديين. وهذا ضروري لفهم فعالية دعاية داعش. لقد أظهر بعض الباحثين كيف يمكن استخدام الأصوات كآليات للتعبئة "العاطفية" في زمن الحرب وهي تعمل "كقوى" للمساعدة في تشكيل وبلورة السلوك. وأيضاً يتم نشر الأناشيد الدينية الجهادية، مثل مقاطع الفيديو، بطريقة خام، على الإنترنت، ثم يتم نقلها ونشرها على نطاق واسع من قبل المتعاطفين مع تنظيم داعش، مما يجعلها في متناول الجميع. إنّها موضوع متميز في عمليات التطرف الذاتي عن طريق الاستهلاك الانفرادي لمحتوياتها على شبكة الإنترنت.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟

حظر الموسيقى من قبل بعض التيارات الإسلامية لا يقوم على أي إجماع

ومع ذلك، فإنّ تبرير حظر الموسيقى من قِبل الأيديولوجيا السلفية يستند أيضاً إلى "الآثار الضارة المفترضة التي قد تقع على الإنسان عند سماع الموسيقى. يعني مصطلح "السماع" أولاً وقبل كل شيء الاستماع السلبي للموسيقى، ولا يشير إلا ضمنياً إلى التعبير النشط للموسيقى والممارسة الموسيقية". يشير هذا المصطلح في المقام الأول إلى الموسيقى المقدسة والدينية، المعارض لمصطلح الغناء "الذي يعني الموسيقى المدنّسة والمتعلمة، ولكنه يشمل أيضاً الموسيقى الريفية". لقد ناضل بعض اللاهوتيين والفقهاء منذ القرن التاسع من أجل حظر الموسيقى على أساس الآثار الضارة المفترضة على السماع: فعلى المدى ستجعل الموسيقى المستمعَ يفقد السيطرة على عقله وسلوكه، وتؤدي به إلى الخضوع لعواطفه. فعلى تفعيل هذا الخطاب، مدعوماً بحجة فقهية بشكل خاص من الآية السابقة، تستند الحجج السلفية لتبرير حظر الموسيقى.

رقابة الموسيقى من قبل الأيديولوجيا السلفية

في العديد من الكتب والمئات من مقاطع الفيديو، خاصة على موقع يوتيوب، غالباً ما تتخذ الخطب السلفية التي تضفي الشرعية على الرقابة الكاملة على الموسيقى، شكْلَ النقدِ الصارم للتجاوزات الأخلاقية للعالم المعاصر أو المجتمع الاستهلاكي. ونظراً لأنّ الموسيقى قادرة على "غسل دماغ الأشخاص الذين يستمعون إليها"، فستكون هناك علاقة وثيقة بين الاستماع وبين الشرور، مثل النفاق والزنا والمخدرات والانتحار.

الحركات الجهادية تشجع على الاستماع إلى الأناشيد وهي أغانٍ ذكورية دون مرافقة موسيقية هدفها كسب التعاطف مع تلك التنظيمات

يرافق النقدَ الموسيقي أيضاً شرحٌ لعدم وجود آفاق مستقبلية للشباب: فالموسيقى ستكون إحدى أدوات نظام قائم، للحفاظ على النظام الاجتماعي القائم، ومنع أي تغيير سياسي أو اقتصادي، وتحويل الناس عما يعتبرونه ديناً أصيلاً. على سبيل المثال، سيسعى هذا النظام إلى جعل الناس "لا يطرحون أسئلة نقدية فيتم دمجهم في النظام، لغرض وحيد هو: أنا أحتفل وأكسب المال. لا مجال لأن أفكر. التكنولوجيا تخفي الحقيقة عنك. الموسيقى والأفلام والألعاب تخفي الحقيقة عنك".

تُتَّهم الموسيقى بأنّها "تشل وتخدّر أذهاننا بشكل مؤقت، كما تفعل المخدرات والأفيون والهيروين والكوكايين". فمن خلال قدرتها على التأثير علينا، قد تكون الموسيقى مسؤولة؛ لأننا نبتعد عن الحقيقة التي قدمها القرآن الكريم، فهي تُبعدنا عن الرؤية بوضوح، وتجعلنا نَقبل ونتبنى المجتمع الفاسد وغير العادل الذي نعيش فيه.

اقرأ أيضاً: شيطنة الموسيقى في إيران

يُشار إلى الموسيقى، تلك "الضجة الخلفية" التي تشجبها الأيديولوجيا السلفية، كواحدة من العقبات التي تحول دون الاستماع إلى كلمات النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك فإنّ عدم التوافق بين ما يقدمونه كإسلام حقيقي وما بين الموسيقى أمرٌ يعرضونه في المقام الأول بشكل منهجي: "إذا كنت تريد أن تكرس نفسك بإخلاص وبشكل كامل للإسلام، فإنّه يجب ألا يكون رأسك ممتلئاً بالموسيقى. هناك أشياء، إخواني وأخواتي، لا يمكن أن تتعايش معاً حقًا". هناك أمثلة كثيرة حول التعارض المفترض للموسيقى مع الإسلام، وما يسمى بالمؤامرة "الشيطانية" لصناعة التسجيلات، تتكرر في الكتب ومقاطع الفيديو. يُقال إنّ الأشخاص الذين يستمعون إلى الموسيقى يقعون في قبضته، وإنّ قلوبهم غارقة في "أشياء سيئة". مع قلوبهم الفاسدة، يُنظر إلى هؤلاء الناس على أنّهم شرٌّ بطبيعتهم، على عكس النقاء الذي يميز مجموعة المؤمنين.

اقرأ أيضاً: لماذا يعادي الإسلامويون الموسيقى؟

تقترح الأيديولوجيا السلفية تغيير العادات، والتوقف عن الاستماع إلى الموسيقى كحل بسيط، وفي متناول الجميع، لتحقيق سلام داخلي يسمح لكل واحد بإيجاد معنى للحياة والاقتراب من الإسلام الحقيقي. يندرج هذا التبسيط مع رؤية شمولية، تزمّتيّة متشدّدة ومعيارية للوجود الإنساني، والتي يكون فيها كل ما هو مُمتع للجسم مشبوهاً ويجب حظره. ومع ذلك، فإذا كان الاستماع إلى الموسيقى محظوراً؛ فإنّ الأئمة السلفيين، وكذلك الجماعات الجهادية، يشجعون الاستماع إلى الأناشيد، وهي أغانٍ ذكورية دون مرافقة موسيقية فلا تُعتبَر موسيقى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://msc.hypotheses.org/210



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية