لماذا يعارض اتحاد الشغل التونسي مسار قيس سعيّد؟

لماذا يعارض اتحاد الشغل التونسي مسار قيس سعيّد؟


31/05/2022

مرحلة جديدة من التعقيد والانسداد تتجه نحوها الأزمة السياسية في تونس، بعد قرار الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد) رفضه المشاركة في الحوار الوطني وفق الصيغة التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد، بشأن تشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، ووصفه بأنّه "شكلي".

قرار المنظمة العمالية زاد المشهد تعقيداً، خصوصاً أنّ أغلب الأحزاب في تونس، في مقدمتهم حركة النهضة الإسلامية وحلفاؤها، فضلاً عن أصدقاء سعيّد، الذين تضرّروا من "إجراءاته الإصلاحية"، يعارضون مسألة المضي في إعلان جمهورية جديدة بعد تغيير الدستور، فيما كان الرئيس يعوّل كثيراً على دعم المنظمة الشغيلة باعتبار وزنها المهم في التوازنات السياسية والاجتماعية.

وكان سعيّد قد أصدر، في 25 تموز (يوليو) الماضي، قراراً بحل الحكومة، وتجميد عمل البرلمان، وهو ما عدّه حزب النهضة الإسلامي، الذي كانت له أكبر الكتل البرلمانية، "انقلاباً على الدستور وعلى الثورة"، بينما قال سعيّد إنّ إجراءاته "دستورية وضرورية لإنقاذ تونس من سنوات الشلل السياسي والركود الاقتصادي الذي تسبّبت فيه نخبة فاسدة تخدم مصالحها الخاصة".

موقف اتحاد الشغل يعيد خلط الأوراق

في خطوة غير متوقّعة، أكّد  اتحاد الشغل، وهو أكبر المؤسسات النقابية وأهمها في تونس، رفضه أيّ "حوار شكلي تحدّد فيه الأدوار من جانب واحد وتقصي فيه القوى المدنية والسياسية"، ورأى أنّ المرسوم المتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة "لم ينبثق عن تشاور أو اتفاق مسبق بين القوى الوطنية ولا يرتقي لتطلعات التونسيين"، وذلك وفق ما أعلنه المتحدث باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري.

بوعود: الاتحاد أكّد دائماً أنّه لا مجال للعودة لما قبل 25 تموز (يوليو)

ولأنّ الاتحاد يعدّ من بين أكبر الجهات السياسية الفاعلة في تونس، حيث إنّه ساهم في إنجاح الحوار الوطني الذي تم إقراره عام 2013 حين تأزم الوضع في البلاد إثر اغتيالات سياسية وأفضى إلى إقرار حكومة تكنوقراط، فقد مثّل موقفه عثرة في مسار تكوين الجمهورية الجديدة وتغيير الدستور، فيما اعتُبر بمثابة جرعة الأمل بالنسبة إلى المعارضة التي تسعى دون ثقل إلى إيقاف كلّ إجراءات 25 تموز (يوليو) 2021.

رغم موقف اتحاد الشغل ومواقف الأحزاب السياسية، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيّد مرسوماً، في 26 أيار (مايو) الحالي، يدعو التونسيين للتصويت في استفتاء على دستور جديد، وفق ما صدر في الجريدة الرسمية.

موقف منظمة الشغيلة من إجراءات قيس سعيّد رآها المحلل السياسي محمد بوعود مجرّد سوء تفاهم بين "قصر قرطاج" (مقرّ الرئاسة) وبطحاء محمد علي (مقرّ اتحاد الشغل) حول شروط التفاوض، لافتاً إلى أنّ الاتحاد لم يرفض قطعاً المشاركة في الحوار، حتى أنّه ترك الباب مفتوحاً، في حال تراجع سعيّد حول بعض شروط التفاوض، من حيث الشكل وبعض المضامين.

في خطوة غير متوقّعة، أكّد  اتحاد الشغل، وهو أكبر المؤسسات النقابية في تونس، رفضه المرسوم الرئاسي المتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة

وأضاف بوعود لـ "حفريات"؛ أنّ الاتحاد أكّد دائماً أنّه لا مجال للعودة لما قبل 25 تموز (يوليو)، أي إلى المشهد الذي كانت تقوده المنظومة السابقة (بقيادة حركة النهضة)، معتبراً أنّ الاتحاد لم يقبل تاريخياً التبعية بل أصرّ دائماً على الشراكة، وأنّه رفض الحوار الذي تتطابق نتائجه مع نتائج الاستشارة الوطنية (معلوم النتائج). 

وكان الرئيس التونسي قد أعلن إحداث لجنة للإعداد لمشروع تنقيح دستور "جمهوريّة جديدة"، عبر "حوار وطني"، استبعد منه الأحزاب السياسيّة، فيما صدر في الجريدة الرسميّة مرسوم رئاسي لإحداث هيئة وطنيّة مستقلّة تُسمّى "الهيئة الوطنيّة الاستشاريّة من أجل جمهوريّة جديدة"، تتولّى "تقديم اقتراح يتعلّق بإعداد مشروع دستور لجمهوريّة جديدة، على أن يُقدّم هذا المشروع إلى رئيس الجمهوريّة".

وكلّف سعيّد أستاذ القانون الدستوري القريب منه صادق بلعيد "مهمّة الرئيس المنسّق للهيئة الوطنيّة الاستشاريّة"، بحسب بيان لرئاسة الجمهوريّة، وهذا التكليف أثار، أيضاً، جدلاً في الأوساط السياسية، باعتبار بلعيد محسوباً على النظام القديم ولا يُعقل إشراكه في تكوين جمهورية جديدة، بحسب تقدير المعلّقين.

دستور بلا أحزاب

من جهةٍ أخرى، أكّد الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي؛ أنّ "الحوار لا يرتقي إلى حلّ المعضلة في البلاد، ولا يرسم مستقبلاً أفضل لها، وفيه تجاهل للمكونات السياسية الفاعلة في البلاد".

ومن بين الأحزاب التي استثناها الرئيس سعيّد من الحوار الوطني "حركة النهضة" ذات المرجعية الإسلامية وأكبر الكتل في البرلمان الذي حلّه الرئيس وأشدّ المعارضين له، التي تعدّ ما قام به "انقلاباً على الدستور والثورة".

القمودي: سيتمّ استثناء الأحزاب التي قادت مرحلة ما قبل 25 تموز (يوليو) لما سبّبته من أزمات للبلد وللشعب

هذا إلى جانب حزب التيار الديمقراطي، الذي كان من أبرز داعمي سعيّد، بعد إعلانه إجراءات 25 تموز (يوليو)، قبل تغيير موقفه وانضمامه إلى المعارضة، بسبب عدم أخذ مواقفه بعين الاعتبار من قبل سعيّد، فضلاً عن حركة الشعب التي لم تتخلَّ عن دعمها للرئيس منذ البداية، غبر أنّها لم تبدِ موقفاً من عدم تشريك الأحزاب في الحوار الوطني.

في مقابل ذلك، يرجّح بدر الدين القمودي، النائب القيادي في حركة الشعب (قومية) الداعمة لمسار 25 تموز (يوليو) أن تتم دعوة الأحزاب للمشاركة في الحوار الذي ستنبثق عنه جمهورية جديدة، مستبعداً أن يشمل القرار الأحزاب كافة.

الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، لـ "حفريات": الرئيس قيس سعيّد ماضٍ في مشروعه الذي يحاول فرضه بالقوّة، رغم المعارضة التي تتوسع ضدّه يومياً

وأوضح القمودي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّه سيتمّ استثناء الأحزاب التي قادت مرحلة ما قبل 25 تموز (يوليو) لما سبّبته من أزمات للبلد وللشعب، على أن تحدث تطوّرات في مسار تأسيس الجمهورية الجديدة خلال اليومين القادمين، بحسب تقديره.

ومنذ 25 تموز (يوليو) تشهد تونس مظاهرات أسبوعية تقريباً بين مؤيدة ومعارضة لسعيّد، والأحد الماضي، شارك أكثر من ألفي تونسي في أول تظاهرة تنظمها "جبهة الخلاص الوطني" التي شكّلتها مؤخراً خمسة أحزاب معارضة للرئيس قيس سعيّد.

احتجاجات متوقعة

من جهتها، قالت الأحزاب، التي تمّ استثناؤها من الحوار ومن المشاورات، إنّها ستقاطع التغييرات السياسية أحادية الجانب وتعهّدت بتصعيد الاحتجاجات ضدّها، وأكّدت هذه الأحزاب، من بينها التيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر، على ضرورة التصدي لقرار سعيّد باستبعادها من الإصلاحات السياسية الرئيسة، بما في ذلك صياغة دستور جديد، واتّهمته بالسعي إلى ترسيخ الحكم الاستبدادي.

الشواشي: الأحزاب المعارضة لن تكتفي بالتحرّكات الميدانية، بل ستقود خطوات حاسمة لإجبار سعيّد على التراجع عن المسرحية التي يقودها

وأكّد الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الرئيس ماضٍ في مشروعه الذي يحاول فرضه بالقوّة، رغم المعارضة التي تتوسع ضدّه يومياً، لكنّه لا يوليها أهمية، وقال الشواشي إنّ الأحزاب الاجتماعية والديمقراطية تستعدّ للتصعيد من خلال تحرّكات ستقودها في الأيام القادمة.

الشواشي أضاف أيضاً أنّ الأحزاب المعارضة لن تكتفي بالتحرّكات الميدانية، بل ستقود خطوات حاسمة لإجبار سعيّد على التراجع عن "المسرحية" التي يقودها، معتبراً أنّ الحوار الذي دعا إليه وشاركت فيه بعض الأطراف الاجتماعية "مغشوش" ومبني على مشروع شخصي وأحادي ولا يعبّر عن الديمقراطية.

وعلاوة على المأزق السياسي، تغرق تونس في أزمة اقتصادية خطيرة مع تباطؤ النمو وازدياد البطالة وتسارع التضخم الذي تفاقمه الحرب في الأوكرانية - الروسية والمديونية المفرطة التي دفعتها إلى طلب قرض جديد من صندوق النقد الدولي.

مواضيع ذات صلة:

تعديل الدستور التونسي.. لماذا ترفضه حركة النهضة الإخوانية؟

عن أية عواقب كارثية يتحدث محافظ البنك المركزي التونسي؟

فكر النهضة الإرهابي.. هل تطال حرائق الإخوان رئيس تونس؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية