
تمثل ظاهرة استقطاب القاصرين واليافعين للانخراط في التطرف والتعبئة المتشددة أحد أخطر التحديات الأمنية والاجتماعية التي يواجهها العالم المعاصر. إنّ خطر التطرف لا يقتصر على الفئات البالغة، بل يستهدف شريحة الأطفال والمراهقين بشكل ممنهج ومدروس، مستغلًا هشاشتهم النفسية وعدم اكتمال نضجهم المعرفي.
ويكمن مفتاح فهم هذه الظاهرة في التفاعل المعقد بين العوامل النفسية التي تدفع القاصر للبحث عن الهوية والانتماء، والعوامل الاجتماعية المتمثلة في التهميش أو التمرد الكامن، والبيئة الحاضنة الجديدة التي وفرتها الثورة الرقمية. لقد أصبح الإنترنت، بكل ما فيه من منصات تواصل وألعاب وغرف دردشة مشفرة، الساحة الرئيسية التي تعمل فيها التنظيمات المتطرفة بكفاءة عالية، حيث تستغل حاجة اليافع للبطولة وتغذي غضبه الداخلي وتحوّله إلى إيديولوجية قتالية موجهة. إنّ تسليط الضوء على كيفية نجاح هذه الجماعات في اختراق الفضاء الرقمي واستغلال نقاط ضعف هذه الفئة العمرية الحساسة بات أمرًا ضروريًا لفهم طبيعة التهديد ووضع استراتيجيات فعالة لمكافحة هذا التجنيد المتسارع.
معضلة استقطاب القاصرين واليافعين نحو التطرف وانخراطهم في مسارات التعبئة المتشددة تحتاج إلى دراسة معمقة وبحث دقيق قائم على المعاينة الميدانية وتحليل البيانات. ومع ذلك يمكن إرجاع الظاهرة بشكل عام إلى مجموعة من الأسباب المتضافرة يقف في طليعتها عامل الإنترنت والبيئة الرقمية. لقد بات معلومًا أنّ التنظيمات المتطرفة استثمرت الفضاء السيبراني استثمارًا منظمًا ومكثفًا منذ زمن طويل لخدمة أجنداتها التجنيدية. لم يعد الاستقطاب قاصرًا على الفئات العمرية المتقدمة أو الشباب، بل امتد ليطال بشكل مقلق الأطفال قبل سن البلوغ واليافعين، وهو ما يجعل هذه الفئة شديدة التعرض لكل أشكال التعبئة والاستقطاب عبر الشبكة العنكبوتية المفتوحة.
تكمن الهشاشة في طبيعة مرحلة ما قبل البلوغ وبداية اليفاع، التي تتسم بالاندفاع وتقلب المزاج والبحث عن الإثارة. في هذه الفترة الحرجة يكون الفرد في طور تشكيل قناعاته الأساسية التي تحدد هويته، خصوصًا فيما يتعلق بالانتماء، والمعتقدات الدينية، والمكانة الاجتماعية. هذه الأسئلة الوجودية تولد حالة من القلق والبحث المضطرب عن إجابات واضحة ومطلقة، وهو ما تستغله المجموعات المتشددة ببراعة. فالمتطرفون يقدّمون أنفسهم كجماعة ذات هدف سامٍ و"حقيقة نهائية"، موفرين لليافع، الذي قد يعاني من العزلة الاجتماعية أو التهميش الأسري، شعورًا فوريًا بالانتماء والقوة والهوية المُحددة سلفًا. يتم هذا الشحن الفكري والتجنيد بسهولة فائقة، سواء عبر الإنترنت في مجموعات الدردشة الخاصة، أو في الألعاب الإلكترونية متعددة اللاعبين، أو داخل محيطهم الاجتماعي الضيق.
وهناك بُعد نفسي عميق لا يمكن إغفاله في تحليل هذه الظاهرة. فاليافع غالبًا ما يمرّ بحالة من البحث عن الذات المترافق مع الطيش أو ما يمكن تسميته بالعنف الداخلي الكامن. هذا العنف ليس بالضرورة عنفًا ماديًا، فقد يكون شعورًا عميقًا بالتمرد على الواقع، أو غضبًا صامتًا من المعايير الاجتماعية أو الأوضاع السياسية والاقتصادية.
يبدأ القاصر بالبحث عن طروحات وتصورات إيديولوجية أو فكرية متطرفة تغذي هذه الحالة النفسية المضطربة وتوفر له تفسيرًا جذريًا للمشاكل التي يراها أو يشعر بها، بالإضافة إلى قناة لتوجيه طاقته. وهنا يأتي دور التنظيمات المتشددة التي تتبنّى هذا الميل النفسي وتوجهه ببراعة وفق خطابها الذي يُمجد العنف ويصوره كأداة بطولية لتحقيق العدالة أو التغيير. هذا التحويل للتمرد الداخلي إلى إيديولوجية قتالية يمنح اليافع شعورًا بالقيمة والغاية، وهو ما يفتقده في حياته العادية.
وتكمن الخطورة في العجز المعرفي والنقص في النضج الإدراكي الذي تتسم به هذه الفئة العمرية. لم يبلغ القاصر بعد مستوى النضج الكافي للتحليل المتعمق والنقد البناء، كما أنّ قدرته على التمييز بين الأولويات وامتلاك الآليات الضرورية لاتخاذ قرارات سليمة تظل محدودة. هذا النقص في التفكير النقدي يجعلهم عرضة بشكل خاص للاستقطاب من خلال محتوى مصمم لتجاوز المنطق، والتركيز على الشحن العاطفي المباشر والتحريض. ويتم تسخيرهم في أعمال قد تكون خطيرة دون إدراك حقيقي لأبعادها الأخلاقية والقانونية والإنسانية.
وتوازي سهولة الاستغلال هذه ظواهر تكنولوجية أخرى، حيث يُلاحظ أنّ تأثير بعض الألعاب الإلكترونية العنيفة قد يسهم في تطبيع العنف ودفع الأطفال نحو الإيمان به كحلٍّ فعالٍ للمشاكل. هذا التطبيع السلوكي والنفسي يخدم التنظيمات المتشددة، إذ يجدون أرضية ممهدة لاستغلال الميل النفسي نحو العنف، وإن كان ذلك بأساليب أكثر خطورة وفعالية في التجنيد والتعبئة الإيديولوجية ضمن البيئة الرقمية اللّامحدودة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

