كيف تجاوز عنترة بن شدّاد مركّبات الشعور بالنقص؟

كيف تجاوز عنترة بن شدّاد مركّبات الشعور بالنقص؟

مشاهدة

25/01/2022

ما من إنسان وُجِد على وجه هذه البسيطة، إلا وكواه الشعور بالنقص لسبب أو لآخر؛ فبعضنا يكتوي بالحرمان الاقتصادي، وبعضنا يتقلّب فوق نيران التفسّخ العائلي، وبعضنا لم يحظ بالجمال أو الأناقة أو الوسامة المرجوّة، وبعضنا يسكنه الخوف الدائم من الإقدام على الخطوة المناسبة في الوقت المناسب. ومن نافل الحديث القول بأنّ لكل ضرب من ضروب الشعور بالنقص أعراضاً وردود أفعال، كما أنّ هناك تفاوتاً ملحوظاً في كيفية التعبير عن هذا الشعور من شخص لآخر. وعلى العموم فهناك من اختاروا الاستكانة التامة لهذا الشعور وارتضوا بأن يكونوا ترجمات رديئة للدونية وانعدام التقدير للذات، وهناك من أصرّوا على الارتفاع بأنفسهم عمّا يشدّهم إلى القاع ويبعدهم عن ملامسة المُثُل العليا التي يطمحون إليها، فكانوا بذلك خير أمثلة لكيفية تجاوز آلامهم وأحزانهم.

اقرأ أيضاً: لماذا اختفت دواوين القبائل العربية الثمانون؟

وإن كان ثمة مختبر نفسي إيجابي مشى على قدمين، ضارباً مثلاً أعلى في التجاوز الإيجابي لمركّبات الشعور بالنقص فهو عنترة بن شدّاد (525-608م)؛ فارس فرسان العرب بلا منازع، سيفاً وخُلُقاً وشعراً وعشقاً. ومع أنّ مقاربة شخصية عنترة بن شدّاد من منظور النقد الثقافي السيكولوجي، تعد مغامرة كبيرة – نظراً لما يحيط بها من هالة أسطورية كبيرة، رشّحته ورشّحت سيرته لتبوّؤ المركز الأول في الأدب الشعبي، وبلغت به درجات اختراق حدود الزمان والمكان، فإذا به يغادر العصر الجاهلي ويقود جيوش الإسلام، ويطوّح برؤوس أعدائه من الفرس والرومان- إلا أننا لن ندّخر وسعاً لإعادة هذه الشخصية إلى أرض الواقع مرتين؛ مرة حينما كان عبداً ومرة حينما صار بطلاً!

عنترة نموذج مذهل في تجاوز الشعور بالنقص والدونية وعدم تقدير الذات بسبب لونه وفقره وعبوديته

وأما حينما كان عبداً؛ فقد اصطلى بعار التحدّر من جارية حبشية مشقوقة الشفتين وجاء نسخة منها، ما جعل والده الذي كان سيّدًا من سادات عبس يسارع إلى إلحاقه بزمرة رعاة الإبل وخدم القبيلة. وحيث إنّ العرب في العصر الجاهلي كانوا يحجمون عن تحرير أبنائهم الأحباش من نير العبودية إلا إذا لاحت منهم لائحة غير معهودة، فإن شدّاداً لم يتردّد في استنهاض همة ابنه في لحظة خوف وقلق جرّاء تعرّض القبيلة لهجوم مباغت من طيء، فما كان من الابن الذي كان يتحيّن هذه الفرصة على الأرجح، إلا أن ارتقى فجأة من مصاف الرعاة والخدم والعبيد إلى مصاف الأبطال المغاوير، بجولة واحدة من جولات شجاعته الفائقة التي تكرّرت وتكرّرت حتى صارت أشبه بحال ثابت.

ومع أنّ هذه الفرصة التي اغتنمها عنترة دون تردّد، تمثّل رفّة الفراشة التي غيّرت مجرى حياته إلى الأبد، إلا أنّ الدافع العميق الذي دفع به لاجتراح ما اجترح، هو حبّه الشديد لابنة عمّه عبلة التي مثّلت - دون ريب- المحرّك الرئيس لوعيه وسلوكه، ولتفانيه في أن يغدو المثل الأعلى في نظرها، حتى يكون جديراً بحبّها له وقبولها الزواج منه.

عنترة نموذج مذهل من حيث اطّراد النّسق الشخصي الأخلاقي مع النّسق الشعري الإبداعي. فهو موضع إجماع الرّواة والنقّاد القدامى على شجاعته وفروسيته وشاعريته العالية

لم يتوقّف عنترة بن شدّاد عن حب عبلة حتى مات؛ رغم أنه لم يتزوّجها، ولم يتوقّف عن التحلّي بمكارم الأخلاق حتى مات؛ رغم أنه صار بطلاً يحقّ له ما لا يحقّ لغيره، ولم يتوقّف أيضاً عن قول الشعر المضمّخ بالجمال والحكمة والمروءة؛ حتى حجز لشعره مقعداً بين مقاعد القصائد العشر الأوائل في تاريخ الأدب العربي، ولم يسمح لنفسه مرة واحدة بالاستسلام لمشاعر الحنق والمرارة التي لا بدّ أنها اجتاحته جرّاء ما قاساه في طفولته وجرّاء حرمانه من عبلة؛ رغم كل ما حقّقه لعبس من انتصارات. ويكفيه أننا نستحضره الآن ونستحضر معه المآثر التالية:

أولاً: هو نموذج مذهل في تجاوز الشعور بالنقص والدونية وعدم تقدير الذات بسبب لونه وفقره وعبوديته، خلافاً للحطيئة والأعشى اللذين فشلا فشلاً ذريعاً في تجاوز مركّبات نقصهما.

اقرأ أيضاً: لماذا نحب قراءة الكتب الرديئة؟

ثانياً: هو نموذج مذهل في الإخلاص لحبّه الأول والمستحيل، حتى عدّه بعض الدارسين أصلاً من أصول الحب العذري عند العرب.

ثالثاً: هو نموذج مذهل في أخلاقه العملية؛ لأنه يغشى الوغى ويعفّ عند المغنم، ولا يدّخر وسعاً في الثناء على أقرانه من الأبطال الذين جندلهم في ساحة المعركة، وإذا شرب لم يهدر مروءَتَه، ولا يمدّ بصره لجاراته ونساء أصدقائه، ولا يتردّد في دفع المهر للنساء اللّواتي غنمهن في المعارك ثم تزوجهن! إنه فارس بسيفه وبسلوكه إلى درجة أن (وِلْ ديورانت) وهو يكتب قصة الحضارة، لم يستطع تجاوزه وهو يُفرد الفروسية بين الشرق والغرب بفصل من فصول كتابه المشهور. بل إنّ قصته الشعبية الخيالية استحوذت على عناية بعض المستشرقين، فترجموها كاملة ودرسوها وقارنوا بينها وبين الأدب الفروسي في الغرب.

رابعاً: هو نموذج مذهل من حيث اطّراد النّسق الشخصي الأخلاقي مع النّسق الشعري الإبداعي. وعلى كثرة المثالب التي يمكن أن نقع عليها لجلّ الشعراء والفرسان في العصر الجاهلي، فإنّ عنترة – إنساناً وشعراً- موضع إجماع الرّواة والنقّاد القدامى على شجاعته وفروسيته وشاعريته العالية.

خامساً: هو نموذج مذهل في التعبير الشعري عما ينتابه من أفكار وأحاسيس عميقة، سواء حينما يفتتح معلّقته الخالدة بسؤال فلسفي ومعرفي ووجودي عميق:

هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ

أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ

أو حينما يشتاق لعبلة في ذروة المعركة:

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ   وَالرِّمَاحُ  نَوَاهِلٌ

مِنِّي وبِيضُ  الْهِنْدِ  تَقْطُرُ  مِنْ دَمِي

فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ  السُّيُـوفِ  لأَنَّهَا

لَمَعَتْ  كَبَارِقِ ثَغْرِكِ  الْمُتَبَسِّـمِ

أو حينما يهدم الحاجز الوجودي بينه وبين حصانه، ويخاطبه بوصفه إنساناً يعاني ويتألم:

فازوَرّ من وقْعِ القنا بلبانهِ

وشكا إليّ بعَبْرةٍ وَتَحَمْحُمِ

لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اشتَكى

وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي

فهل نستغرب بعد ذلك إصرار الناس على ينسبوا للرسول – صلى الله عليه وسلم- إشادته به؟!




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية