كيف اختلفت الأديان في نظرتها للمال والثروات؟

2356
عدد القراءات

2018-06-07

تحقيق: خالد بشير


تفاوتت الأديان في نظرتها للثروة والأموال والموقف من جمعها، وسبل وغايات إنفاقها؛ حيث حمل كل منها ملامح وسمات وقواعد خاصة للتعامل معها، من أوامر ونواه ومستحبات. وكما تطورت المجتمعات البشرية عبر تاريخها، بما في ذلك من تطور لأنظمة الاقتصاد، فإنّ الأديان كذلك تطورت في تعاملها ونظرتها للثروة والمال؛ من لحظة تقديم القرابين في العَراء وعلى مذابح المعابد الوثنية، إلى الجمعيات الخيرية في أشكالها المعاصرة واعتمادها في التمويل على أموال التبرعات والصدقات من المؤمنين.
هل الخير في جمع المال والزيادة فيه؟
لم تحمل الأديان والمعتقدات ما قبل الإبراهيمية ملامح لنظرة عامة وموقف متكامل من المال، وذلك يعود بشكل أساسي إلى تأخر ظهور الملكية الخاصّة، ومن ثم الأموال في صيغتها النقدية، باعتبارها قابلة للاكتناز وتجميع الثروات منها، قياساً إلى طول التاريخ البشري؛ حيث اقتصرت المعتقدات على الدعوة لإنفاق أقدار محددة من الممتلكات الطبيعية المحيطة، وفي مناسبات خاصّة، بحيث كان الربط حاضراً بين فكرة التضحية بجزء من الممتلكات والثروة في مقابل نيل رضا الآلهة ودفع غضبها وعقابها، ومع تطور الحضارات ظهرت المعابد الدينية كما في حضارة ما بين النهرين وعند الإغريق والرومان، والتي تم تخصيص جانب من النفقات لرعايتها وعمارتها.

مثلت الرهبنة البوذية أولى الدعوات الكبرى للزهد في متاع الحياة فتفرغ  للعبادة في أديرة معزولة

اليهودية.. دعوة للاستزادة في إطار الجماعة
ومع ظهور التوراة، النصّ الديني لأول ديانة إبراهيمية، بدأت تظهر لأول مرة ملامح رؤية وقواعد دينية لتعامل المؤمن مع الثروة؛ حيث وضعت التوراة تصوراً للتاريخ يقوم على اعتبار الإنسان مستأنفاً لعملية الخلق التي بدأها الربّ، وهي بذلك لم تعطِ قيمة سلبية للحياة في هذا العالم؛ فالإنسان لم يولد في الخطيئة، والاستمتاع في هذه الحياة ليس أمراً منكراً أو مكروهاً، وإنما دعت اليهودية أتباعها للتمتع بالحياة، ولكن هذه الدعوة لم تأتِ على المستوى الفردي، وإنما هي تدعو لذلك في إطار القوم والجماعة، والتي هي الجماعة اليهودية المنحدرة من نسل يعقوب وابنه اسحق؛ حيث تدعو وتبشر التوراة بإقامة بني يعقوب مملكتهم والتي تجعلها بمثابة الشرط والغاية لإتمام الخليقة وإنهاء التاريخ، ونجد ذلك صريحاً في نبوءات دانيال في سفر دانيال، وقوله: "والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي ملكوته ملكوت أبدي وجميع السلاطين إياه يعبدون ويُطيعون" (الإصحاح السابع، 27).

وما يعنينا هنا هو الإشارة إلى غياب المنظور الزُهدي الداعي إلى التقلل من متاع الحياة وحرمان النفس من الثروة، وهي النظرة المخالفة التي سادت لدى أديان أخرى عديدة، واشتهرت في الأديان الآسيوية، كما نجد في البوذية والتي كانت من أولى الديانات الكُبرى الداعية للتقلل والانسحاب من العالم الخارجي والاتجاه نحو الاعتناء والانشغال بعالم النفس الداخلي، وهو ما نراه في ولادة الرهبانية البوذية قبل غيرها.

مثلت الرهبنة البوذية أولى الدعوات الكبرى للزهد في متاع الحياة

المسيحية.. المملكة في السماء
وبالانتقال إلى المسيحية، ثاني الديانات الإبراهيمية، نجد أنفسنا أمام تحول كبير في النظرة إلى العالم الدنيوي مقارنةً بالمنظور اليهودي، فقد أكد المنظور المسيحي على فكرة كون البشر مولودين في الخطيئة الأولى، كما أكدت نصائح المسيح لأتباعه على ضرورة اجتناب الحياة الدنيا والدعوة إلى إهمال شأنها والاهتمام بالحياة الآخرة التي أكد أنها هي الملكوت الحق الذي يَعِد أتباعه به، ومن ذلك قوله: "بِع أملاكك وأعط ثمنها للفقراء وتعال اتبعني. فلم يقبل الشاب، فقال يسوع: يعسر أن يدخل غني ملكوت الله، ولَدخول الجمل في ثقب إبرة أيسر من دخول الأغنياء ملكوت الله" (متى، الإصحاح 19، 21-22)، وقوله: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يوحنا، 18، 36)، وهكذا فإن المسيحة نقلت المملكة اليهودية الموعودة في نهاية الزمان وجعلتها في العالم الآخر.

اعتبر جون كالفن بأن المسيحي النشيط هو الذي يخدم الله وإخوانه من خلال عمله ونشاطه

ويمكن قراءة النظرة المسيحية للحياة والدعوة للانسحاب منها والتقلل من متاعها باعتبارها رد فعل وانعكاساً لما كان سائداً من مظاهر الترف والثراء الفاحش في زمن المسيح؛ حيث كانت الامبراطورية الرومانية آنذاك قد بلغت أوجها وأطبقت ملكها على كامل حوض البحر المتوسط، فجاءت المسيحية لتدعو إلى الانسحاب من الحياة والانضباط والزهد، وقد تبلورت هذه النظرة في الإطار الكاثوليكي في أشد صورها؛ حيث نشأ عن الكاثوليكية نموذج صارم من الرهبانية يقوم على اعتزال الحياة تماماً في أديرة منعزلة، فيهمل الرهبان أجسادهم ويقسون على أنفسهم ويحرمونها من كل متاع، وذلك كنوع من التوجه نحو الاهتمام بالعالم الروحاني فقط والذي هو المدخل إلى الملكوت السماوي الذي دعا المسيح أتباعه إليه، وبذلك فإنّ المنظور الكاثوليكي قد تأسس على هذا الفصل التامّ الصارم بين الروح والجسد، وهو ما انتهى بالدعوة إلى إهمال الجسد لحساب تزكية الروح، وبالتالي الدعوة للزهد وعدم الاكتراث بالثروة والمال.

هجر الرهبان المسيحيون العالم الدنيوي وتفرغوا للعبادة في أديرة معزولة

المسيحي النشيط
وقد ظلّ هذا المنظور سائداً طوال قرون حتى ظهرت حركات الإصلاح خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر والتي احتجت على الفاتيكان معقل الكاثوليكية، لتعرف وتتبلور لاحقاً في إطار الكنيسة البروتستانتية (الاحتجاجية)، والتي اتجهت منذ بدايتها إلى الاختلاف التام مع المنظور الكاثوليكي للحياة الدنيا، فدعت إلى منظور جديد يقوم على اعتبار العمل فعلاً تعبدياً؛ حيث اعتبر المصلح كالفن بأنّ المسيحي المؤمن هو "المسيحي النشيط" الذي يخدم الله وإخوانه من خلال عمله ونشاطه، وأنّ هذه الخدمة هي الطريق للملكوت السماوي، وهكذا تم تجاوز التعارض الكاثوليكي بين العمل الدنيوي والملكوت الأخروي.
وقد بلور عالم الاجتماع الألماني الشهير، ماكس فيبر، أطروحة كاملة تبحث في المعتقدات البروتستانتية، ذهب فيها إلى اعتبار أنّ البروتستانتية هي الأساس الذي مهد لقيام الرأسمالية، وذلك في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"؛ حيث رأى بأنّ الفكر البروتستانتي قد انعكس على حركة المال والتجارة في البلدان التي انتشر فيها بداية من ألمانيا وإنجلترا، وفيما بعد في أوساط المهاجرين إلى العالم الجديد في أمريكا الشمالية. وبذلك فإنّ البروتستانتية وما تفرّعَ عنها كانت بمثابة ثورة على المنظور الكاثوليكي للحياة، نتج عنها اتجاه الأتباع نحو الاهتمام بالعالم الدنيوي المحيط بهم، بما في ذلك من جمع للمال والثروة.

اعتبر جون كالفن بأن المسيحي النشيط هو الذي يخدم الله وإخوانه من خلال عمله ونشاطه

الإسلام.. المال رزق ونعمة إلهية
وكان الاسلام؛ ثالث الديانات الإبراهيمية، أقربَ إلى المنظور البروتستانتي الأخير، وإن كان قد سبقه بقرون عدّة، فلم يتجه الإسلام إلى ما ذهبت إليه المسيحية الكاثوليكية من التفريق التام بين عالم الروح والجسد بل إنّ الإسلام تأسس على الجمع والتأليف بينهما، كما نجد في الحديث: "وفي بضع أحدكم صدقة"؛ فهو يجعل الشهوة والمادة سبيلاً للأجر والثواب، وقد تأكد ذلك مع التشديد على عدم تشريع الرهبانية، كما جاء في قوله: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" (الحديد، 27).
وقد تكرر في القرآن اعتبار المال والثروة بمثابة رزق ونعمة من الله، ينبغي شكره عليها، كما في قوله: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله" (البقرة، 172)، فهذه الثروات والممتلكات ليست مذمومة ولا مدنسّة، إنما هي منح وعطايا من الإله، وقد دعا إلى إظهار النعم، فقال: "وأما بنعمة ربك فحدث" (الضحى، 11)، وقال النبي: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وإن كان الإسلام قد شدد في النهي عن التبذير والإسراف، فقال:"إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" (الإسراء، 27)، كما يذهب الإسلام إلى اعتبار الرزق والعطاء بمثابة استخلاف من الله، ومن ذلك قوله:"وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" (الحديد، 7).

اتجه الإسلام نحو تثبيت نسك التضحية وأوجبه في مناسك الحج في العاشر من ذي الحجة

كما دعا الإسلام إلى السعي في طلب الرزق، فقال: "واسعوا في مناكبها وكلوا من رزقه" (المُلك، 15)، وأكد على ضرورة العمل وإتقانه فجاء في الحديث: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، ونهى عن الاتكال وسؤال الناس، فقال: "اليد العُليا خير من اليد السفلى"، وبذلك يتضح لنا كيف أنّ الإسلام خالف المنظور المسيحي، فلم يعارض أبداً مبدأ العمل وطلب الرزق وجمع الثروة، وأكد على عمارة الأرض، ونهى عن الإفراط في التعبد والزهد، وهو ما كان ظاهراً منذ بداية الإسلام، فنجد عدداً من صحابة الرسول، عليه السلام، من أصحاب الثروات، بدءاً بزوجته خديجة، وأقرب الصحابة كأبي بكر وعبد الرحمن بن عوف.
القرابين.. الأشكال الأولى للإنفاق
كانت الدعوة للإنفاق من الممتلكات والثروة حاضرة منذ المعتقدات الدينية الأولى، وقد تمثلت في الأديان ما قبل الإبراهيمية بشكل أساسي في مشهد تقديم القرابين والتضحية، فكانت الجماعة تحضر أثمن ما تملك وتقوم بتقديمه كقرابين للآلهة، طلباً لنيل رضاها ونيل الخير والرحمة منها، ودفعاً لبلائها وعقابها، وذلك اعتقاداً منهم بتحكمها بقوى الطبيعة، فعند الشعوب الزراعية المعتمدة على تساقط المطر، كما في حوض المتوسط، ارتبط طقس الافتداء وتقديم القربان بحالات الجفاف وانحباس المطر، وهو ما نجده في المعتقدات الفينيقية والكنعانية، وعند شعوب الحضارات النهرية كان يتم تقديم القرابين لتفادي حالات الطوفان، كما نجد في قربان "عروسة النيل" عند الفراعنة.
وقد بدأ تقديم القرابين بذبح الحيوانات، ثم بلغ ذروته مع تقديم القرابين البشرية، والتي اعتبرت بمثابة أصدق تأكيد على استعداد الجماعة للتضحية بأثمن ما تملك في سبيل نيل رضا الآلهة. ويُسعفنا اللفظ العربي "القربان" في فهم الدلالة والمغزى المقصود منه، فهو تقرب من الآلهة وطلب لرحمتها.
وقد تعددت التفسيرات في سبب الربط بين إسالة الدماء وتحقيق الحاجات، ومن ذلك الاتجاه الأنثروبولوجي الذي يجد في مشهد الولادة أصلاً وتفسيراً لذلك؛ حيث ربط البشر بين الخصب والعَطاء وبين إسالة الدماء، وهو ما تطوّر إلى الربط بين تقديم القربان وطلب الخير واتقاء الشر.

تقديم القرابين البشرية عند الفينيقيين

تقديم القربان البشري عند شعب الازتيك لإله الشمس

الأديان الإبراهيمية.. تجاوز القرابين
لم تتجه الأديان الإبراهيمية، بداية من اليهودية، نحو القطع التام مع طقوس القرابين، فقد أقرّ العهد القديم بفكرة التضحية واعتبر أنها لا بد أن تكون من الحيوانات خاصّة، ونجد ذلك في قصة قايين وهابيل (قابيل وهابيل): "قايين قدم من ثمار الأرض قرباناً للرب. وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانِها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر" (تكوين، 4، 3-5)، حيث تؤكد القصة أنّ الرب تقبل القربان الحيواني ولم يتقبل القربان المقدم من ثمار الأرض. وكذلك ذكر العهد القديم رضا الرب بعد قيام نوح بتقديم الذبائح من الحيوانات التي ركبت معه السفينة بعد نهاية الطوفان، قال: "وتنسّم الرب رائحة الرضا" (التكوين، 8، 21).
ومن أهم ما حملته الأديان الإبراهيمية من تطوير وتعديل في القرابين كان الاتجاه اليهودي نحو إنهاء القرابين البشرية، كما جاء في قصة افتداء اسحق بالكبش، بعد أن عزم إبراهيم على ذبحه: "ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه. فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم. فقال: هأنذا. فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني. فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه" (التكوين، 22، 10-13).

لوحة: الملاك يوقف إبراهيم عن ذبح ابنه

حيث اعتبرت هذه الحادثة بمثابة انتهاء عصر القرابين البشرية كما أقرّت الأديان الإبراهيمية، وهو ما أكدت عليه المسيحية أيضاً بطريقتها، حين اعتبرت أنّ حادثة صلب المسيح هي الافتداء البشري الوحيد، والذي قدمه الرب حين افتدى بالابن من أجل تخليص البشرية من الخطيئة. في حين تابع الإسلام ما ذهب إليه العهد القديم، واستحضر من جديد قصة إبراهيم وابنه، وإن كان الاختلاف هو جعل اسماعيل في مكان إسحاق، كما جاء في قوله: "وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم" (الصافات: 104-107).
كما اتجه الإسلام نحو تثبيت نسك التضحية، وأوجبه في مناسك الحج في العاشر من ذي الحجة، في يوم عيد الأضحى الذي يرتبط بذبح الأضاحي عند المسلمين، كنوع من المحاكاة وإعادة التمثيل لحادثة افتداء اسماعيل. وإضافة إلى الأضحية ثبت عن النبي سنة تقديم "العقيقة"، والتي تتشابه في الغاية منها مع القرابين في الأديان القديمة؛ فهي تقدم عند قدوم مولود أو امتلاك وسيلة ركوب أو شراء منزل جديد، وذلك طلباً لدفع الضرر عنه وطلباً من الله لحفظه وصونه، وقد أكد النبي، عليه السلام، هذه الغاية في الحديث: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الاذى".

اتجه الإسلام نحو تثبيت نسك التضحية وأوجبه في مناسك الحج في العاشر من ذي الحجة

تطوّر في أشكال الإنفاق
وكان من أهم ما تطور مع الأديان الإبراهيمية هو الاتجاه نحو ابتكار أشكال جديدة من الإنفاق؛ حيث ظهرت مع اليهودية لأول مرة زكاة الأموال، والتي هي عبارة عن دفع نسبة محددة من الثروة لغاية أداء نسك ديني، وقد جاء بيانها في العهد القديم: "وكل عشر الأرض من حبوب الأرض وأثمار الشجر فهو للرب؛ قُدُسٌ للرب" (لاويين، 27، 30)، و"وأما كل عشر البقر والغنم فكل ما يعبر تحت العصا يكون العاشر قدساً للرب" (لاويين، 27، 32). وقد خصصت الشريعة اليهودية الأموال من أجل الإنفاق على الهيكل وسدنته من "اللاويين"، إضافة إلى جزء مخصص لأصحاب المناصب الدينية وآخر خاص بإطعام الحجاج وضيافتهم.

تابع الإسلام اليهودية والمسيحية، فشَرَع الزكاة وأوجبها وجعلها من أركان الدين الخمسة

أما الديانة المسيحية فقد خلت من التشريعات بما في ذلك الزكاة، ولكنها ذكرت إنفاق المال في سياق دعوتها لأداء الخير ونشر المحبة والسلام؛ حيث جاء الإنفاق في المسيحية تحت مسمى الصدقات، والتي دعا المسيح أتباعه لإنفاقها في عدة مواضع من العهد الجديد، كقوله: "وأما أنت فمتى صنعت صدقةً فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك. لكي تكون صدقتك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يُجازيك علانية" (متى، 6، 3-4). وقد ربطت المسيحية هذه الصدقات - كما فعل الخير- بنيل الأجر والثواب في الآخرة، وهو المنطق الذي تأسست الفلسفات الأخلاقية الحديثة على مخالفته ونقده، كما نجد عند كانط ونيتشه، واتجاههما نحو التأكيد على انطلاق الفعل والخُلُق الإنساني من دوافع ذاتية خاصة دون انتظار أجر ومُقابل.
وقد تابع الإسلام اليهودية والمسيحية، فشَرَع الزكاة وأوجبها وجعلها من أركان الدين الخمسة، كما دعا إلى الإنفاق في سبيل الله وبذل الصدقات، انطلاقاً من اعتبار المال بمثابة نعمة ورزق من الله وثروة استخلف الله عباده فيها، ما يوجب عليهم شكره من خلال الإنفاق منها في أوجه الخير، قال: "وآمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" (الحديد، 7).

يرى نقاد أنّ المصارف الإسلامية لا تختلف من حيث الجوهر والنتيجة عن عمل نظيرتها المعتمدة للفوائد

وقد اختلفت الزكاة في الإسلام عنها في اليهودية، في وظيفتها والغرض منها وتفاصيل أدائها؛ حيث صار لها في الإسلام وظيفة ودور اجتماعي، فقد نصّ القرآن على مصارف محددة للزكاة، وذلك في قوله: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل والعاملين عليها..." (التوبة: 60)، وبالتالي فقد حملت هذه المصارف أبعاداً اجتماعية بحيث أصبح الهدف من الزكاة هو تحقيق التكافل الاجتماعي وجسر الهوة بين الأغنياء والفقراء، وإعانة الفقراء والمساكين، ومداولة الأموال بين أفراد المجتمع، كما جاء في حكمة توزيع الفيء: "لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" (الحشر، 7)، وبالتالي منع اكتناز وتكديس الثروات عند فئات دون غيرها، كما قال: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" (التوبة، 34).
كما جاءت الدعوة في القرآن إلى تخصيص نسبة (الخُمس) من الأموال التي يتم اغتنامها في الحروب لله ورسوله، قال: "واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول"، وقد تطورت هذه النسبة إلى أن تحولت عند المسلمين الشيعة إلى تشريع ثابت تجاوز الحروب والغنائم،  وفي ذلك يقول مرتضى العسكري في كتابه (معالم المدرستين): "هذه الآية وإن كانت قد نزلت في مورد خاص، ولكنها أعلنت حكماً عاماً وهو وجوب أداء الخمس من أي شيء غنموا لأهل الخمس. ولو كانت الآية تقصد وجوب أداء الخمس مما غنموا في الحرب خاصة، لكان ينبغي أن يقول عز اسمه: واعلموا أن ما غنمتم في الحرب". ويُقسّم الخمس عندهم إلى نصفين: نصف للمحتاجين، والآخر يسمى "سهم الإمام"، والذي يُدفع إليه في عصر الحضور، وفي عصر الغيبة يُدفع إلى المراجع الدينية الذين هم في مقام النائب للإمام.
المال المحرّم
وقد اشتملت الشرائع الدينية على تحريم أنواع معينة من الأموال تبعاً لطرق اكتسابها، وهو ما نجده في اليهودية التي نصت على تحريم الربا عند التعامل به بين اليهود، في حين أباحته عند التعامل مع الغرباء: "لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي يباركك الرب إلهك" (تثنية 23: 19-20).
وخلافاً لذلك اتجهت المسيحية إلى تأكيد التحريم بشكل قطعي وفي جميع الحالات، فقد جاء في سفر المزامير: "السالك بالكمال، والعالم بالحق والمتكلم بالصدق في قلبه. فضته لا يعطيها بالربا ولا يأخذ الرشوة على البري" (15، 2-5)، وفي سفر حزقيال: "الإنسان الذي كان باراً وفعل حقاً وعدلاً. لم يعط بالربا ولم يأخذ مرابحة، وكف عن الجور وأجرى العدل. حياة يحيا يقول السيد الرب" (حزقيال 18، 5-9).

اختلفت الزكاة في الإسلام عنها في اليهودية في وظيفتها والغرض منها وتفاصيل أدائها

وقد أدت إباحة اليهودية لأتباعها التعامل بالربا مع الغرباء، وتحريم المسيحية له، إلى نشوء أدوار خاصة باليهود في أوروبا، حيث أصبحوا مختصين بالإقراض المقترن بالفائدة (الربا)، وهو ما تطور عنه لاحقاً نشوء البنوك بصيغتها الحديثة، والتي كان لليهود منذ نشأتها حضور مسيطر فيها، وهو ما أدى إلى مراكمة عدد نسبة منهم الثروات، وما أدى لاحقاً إلى تأجيج المعاداة ضدهم.
أما في الإسلام، فقد نصّ القرآن على تحريم أشكال عدة من المال، كأكل أموال اليتيم، والميسر (القمار)، كما حَرّم الربا في مواضع عدة، كقوله: "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا" (البقرة، 275)، وقوله: "وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون بها وجه الله فأولئك هم المُضعفون" (الروم: 39). وقد أدى هذا التحريم اليوم إلى ظهور مصارف "إسلامية" حاولت إيجاد طرق وأساليب للالتفاف على المعاملات المعتمدة على الفائدة، من خلال تطوير الصيغة الشرائية المعروفة بـ "المرابحة"، في حين يرى العديد من النقاد أنها ظاهرة رأسمالية ولا تختلف من حيث الجوهر والنتيجة عن عمل نظيرتها المعتمدة للفوائد.

رسم كاريكاتيري يعبر عن شكلية اختلاف المصارف الإسلامية عما سواها

وهكذا فقد تباينت الأديان في نظرتها للمال وما أقرته من تشريعات ووصايا بخصوصه، فاختلفت في جوانب وتشاركت في أخرى، وقد استطاعت الأديان مواكبة التطورات والتحولات الاجتماعية، واليوم توجد مؤسسات وجمعيات ذات صيغ وأشكال معاصرة تقوم على تطبيق هذه التشريعات الدينية، من وزارات الأوقاف إلى صناديق الحج والزكاة واستثمار أموال الأيتام، إلى الجمعيات الخيرية، وكثيراً ما يتم توظيف مثل هذه المؤسسات لأهداف سياسية واقتصادية، سواء من قبل حركات وجماعات أو من قبل الدول؛ حيث تزداد الحاجة اليوم لإعادتها إلى دورها ورسالتها الأساس المتعلقة بنشر الرحمة والعدالة في العالم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: