كيف أعادت الحرب على غزة الروح إلى الإسلام السياسي في أوروبا؟

كيف أعادت الحرب على غزة الروح إلى الإسلام السياسي في أوروبا؟

كيف أعادت الحرب على غزة الروح إلى الإسلام السياسي في أوروبا؟


31/08/2026

تكشف بيانات المفوضية الأوروبية الحالية أنّ بعض الدول الأعضاء تربط بصورة مباشرة بين الإجراءات الأمنية الاستثنائية وبين تداعيات الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران. فالدنمارك، على سبيل المثال، بررت استمرار ضوابط حدودية مؤقتة بمخاطر تتصل بالإرهاب والتطرف، وبإمكان وقوع هجمات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية في سياق الصراع، إلى جانب تهديدات أخرى مرتبطة بالجماعات الجهادية. وهذا التطور مهم بالنسبة إلى عدة دول أوروبية، على رأسها ألمانيا. فالأزمة لم تعد تُقرأ باعتبارها "حدثاً بعيداً يقع في الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الداخلي الأوروبي".

عودة الإسلاموية

يقول المحلل السياسي المختص في شؤون الإرهاب والمقيم في ألمانيا، ميار شحادة،  في تصريحات خصّ بها (حفريات): "قبل الحرب مع إيران كانت حرب غزة قد أعادت بالفعل ملف الإسلاموية إلى واجهة السياسة الأوروبية، ولم تكن الحرب مجرد أزمة خارجية بالنسبة إلى العواصم الأوروبية، بل تحولت إلى قضية داخلية من خلال التظاهرات والاحتجاجات في الجامعات، وحملات المقاطعة، والاستقطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، والارتفاع الكبير في المخاوف المتعلقة بمعاداة السامية، والتوتر بين المجتمعات المختلفة، بجانب حوادث العنف المتفشية ضد اليهود بعدة مناطق والاعتداءات على مراكزهم الدينية".

ولا يعني ذلك، والحديث للمصدر ذاته، أنّ الاحتجاج على الحرب في غزة دليل على الإسلاموية؛ فهذا خلط سياسي وقانوني لا يصمد أمام الواقع. لكن من وجهة نظر الأجهزة الأمنية، فإنّ بيئات الاستقطاب الواسع تخلق أيضاً فرصة للشبكات الإيديولوجية كي تتوسع وتستقطب وتقدّم نفسها باعتبارها الممثل السياسي أو الديني للجماعات الغاضبة. وهنا تظهر إحدى أخطر النتائج السياسية للحرب: تحويل المأساة الإنسانية إلى رأس مال رمزي تعبوي يتم توظيفه وحشده سياسياً ومذهبياً.

وبحسب ما يشير شحادة، فالمنظمات ذات البنية الإيديولوجية لا تحتاج دائماً إلى اختراع الأزمة، يكفي أن توجد أزمة كبرى لكي تعمل على تفسيرها وتأطيرها وإعادة إنتاجها داخل خطاب سياسي يخدم أهدافها. بالتبعية، يمكن فهم القلق الأوروبي من أن تتحول حرب غزة ومثلها حرب إيران إلى فرصة لتوسيع قاعدة التأثير لدى تيارات الإسلام السياسي، خصوصاً بين الشباب، عبر الجمع بين خطاب المظلومية، والهوية، والقضايا الدولية، والاتهام الدائم للمؤسسات الغربية بازدواجية المعايير. ولهذا أصبحت أوروبا أكثر حساسية لمسألة التمييز بين الاحتجاج المشروع وبين البنية التنظيمية التي تحاول استثمار الاحتجاج. إذ إنّ غزة قد خلقت حالة تعبئة واستقطاب، بينما أدخلت الحرب الإيرانية أوروبا في حسابات أمنية مباشرة تتعلق بإمكان انتقال المواجهة إلى خارج الشرق الأوسط".

تقاطع مستويات الخطر

وهنا تتقاطع ثلاثة مستويات من الخطر، وفق ما ألمح المصدر ذاته؛ بداية الخطر الجهادي المباشر، فقد تستغل التنظيمات الإرهابية التصعيد الإقليمي للتحريض أو تنفيذ هجمات ضد أهداف غربية أو يهودية أو إسرائيلية. ثم خطر الوكلاء والشبكات العابرة للحدود، فالصراع مع إيران يعيد إلى الواجهة مسألة النفوذ الإيراني في أوروبا، وشبكات الدعم والتمويل والارتباطات السياسية والدينية، وأخيراً خطر التعبئة الإيديولوجية، وهو المجال الذي يهمّ ملف الإخوان والإسلاموية بصورة خاصة، حيث يمكن للأزمات المتلاحقة أن توفر بيئة مناسبة لتوسيع خطاب الهوية والمظلومية واستقطاب شرائح جديدة. والمحصلة؛ أنّ أوروبا أصبحت تتعامل مع الشرق الأوسط ليس باعتباره مصدراً منفصلاً للأزمات، بل باعتباره مولداً مستمراً لتحديات الأمن الداخلي. هذا التغير في الإدراك السياسي يمكن أن يكون أحد أهم أسباب تشدد السياسات خلال المرحلة المقبلة.

في السابق كان من الممكن الفصل نسبياً بين مكافحة الإرهاب في الداخل والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط. أمّا اليوم، فإنّ الحروب نفسها تنتج تداعيات داخل المدن الأوروبية على عدة مستويات؛ منها احتجاجات، ومخاطر أمنية، وحملات تضليل، واستقطاب، وتهديدات ضد الجاليات، وتنافس بين شبكات إيديولوجية على استثمار الأزمة، لا سيّما مع منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الافتراضية والحيز اللّامرئي في الشبكات الرقمية.

ويرجح شحادة أن تتجه المرحلة المقبلة بصورة أكبر إلى السؤال عن علاقة التمويل الخارجي بالنفوذ السياسي. فالحكومات الأوروبية أصبحت أكثر حساسية، ليس فقط تجاه التمويل القادم من دول أو جهات إسلامية، بل تجاه مفهوم النفوذ الخارجي بصورة عامة، سواء تعلق بروسيا أو الصين أو إيران أو شبكات إيديولوجية عابرة للحدود. وهذا يعني أنّ ملف الإسلاموية قد يدخل في إطار أوسع هو حماية السيادة السياسية للدولة من التأثيرات الأجنبية والشبكات غير الرسمية".

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل بيئة أمنية شديدة التعقيد على المستويين الجيوسياسي والجيواستراتيجي، الأمر الذي فرضته الحرب الروسية على أوكرانيا، وتصاعد عمليات التجسس والتخريب والتضليل المتهمة فيها موسكو من قبل الغرب، ثم تصاعد المخاوف المرتبطة بالنفوذ الإيراني داخل أوروبا، بالتوازي مع تداعيات حرب غزة والحرب مع إيران. 

تأثير التطرف على طبيعة الحياة

في تموز/يوليو 2026 ناقشت إحدى لجان البرلمان الأوروبي موضوع "تأثير التطرف الإسلامي على طريقة الحياة الأوروبية"، وتركز النقاش، وفق الموقع الرسمي للبرلمان، على تأثير المنظمات المرتبطة بالإسلام السياسي، بما فيها جماعة الإخوان، وعلى التمويل الأجنبي غير المرغوب فيه، وما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات أو عقوبات إضافية على مستوى الاتحاد الأوروبي.

فالاتحاد الأوروبي نفسه أصبح ينظر إلى "التدخل الأجنبي" باعتباره تهديداً واسعاً للديمقراطية، سواء جاء من دول أو جهات أو شبكات غير حكومية.

وفي حزيران/يونيو 2026 عملت لجنة خاصة في البرلمان الأوروبي على مقترحات لتعزيز ما يُسمّى "درع الديمقراطية الأوروبي"، مع التركيز على التدخل الأجنبي والتهديدات الهجينة والتضليل. وتندرج هذه المقاربة ضمن مسعى أوروبي لبناء قدرات أكثر تنسيقاً لحماية العملية السياسية والمؤسسات الديمقراطية من التأثيرات الخارجية.

فأوروبا لا تقول إنّ جماعة الإخوان تمثل خطراً مماثلاً لروسيا أو الصين أو إيران، وفق شحادة، مضيفاً أنّه لا توجد سياسة أوروبية موحدة تضع هذه الأطراف في خانة واحدة، لكنّ الأداة التي يجري تطويرها لمواجهة التدخل الخارجي يمكن أن "تنطبق جزئياً على الشبكات الإيديولوجية العابرة للحدود، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتمويل الخارجي أو العلاقات غير الشفافة أو محاولات التأثير السياسي".

ويختم حديثه قائلاً: "في آب/أغسطس 2026 أعلنت هيئة حماية الدستور الألمانية إطلاق خط ساخن لمساعدة أشخاص فرّوا من روسيا والصين وإيران، بسبب مخاطر المراقبة والترهيب وحتى محاولات الاختطاف أو الاغتيال التي قد تطالهم داخل ألمانيا. في حين تأتي الخطوة بالتزامن مع جهود برلين لتعزيز صلاحيات أجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية لمواجهة تزايد التهديدات السيبرانية والهجينة والعمليات التي تنفذها قوى أجنبية داخل الأراضي الألمانية، والدلالة السياسية اللافتة هنا أنّ برلين لم تعد تنظر إلى النفوذ الخارجي باعتباره مجرد تجسس تقليدي، وإنّما باعتباره نشاطاً يمكن أن يمتد إلى الجاليات، والإعلام، والمنظمات، والفضاء الرقمي، وحتى استهداف المعارضين المقيمين داخل البلاد. وكانت عدة تقارير في الفترة ذاتها قد تحدثت عن اكتشاف مخبأ أسلحة قرب برلين يُشتبه في ارتباطه بعمليات روسية، في وقت كانت فيه السلطات الألمانية تحقق في مؤامرات تخريب واغتيال مرتبطة بأجهزة روسية".

وقد أقرّت الحكومة الألمانية مشروعاً لتوسيع قدرات أجهزة الاستخبارات في مواجهة "القوى الأجنبية" والتهديدات الهجينة، بما في ذلك الهجمات السيبرانية والتضليل والتخريب. وأشارت السلطات إلى أنّ هذه المخاطر تتزايد، في ظل حاجة ألمانيا إلى تطوير قدراتها الذاتية في جمع المعلومات ومواجهة العمليات المعادية، الأمر الذي يوضح أنّ مفهوم "حماية السيادة" أصبح أكثر اتساعاً في ألمانيا، فهو لا يتعلق فقط بحماية الحدود أو البنية التحتية، بل بحماية المجتمع والمؤسسات من شبكات التأثير التي تمتلك القدرة على العمل من الخارج والداخل في آنٍ واحدٍ.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية