كندا: كيف استغل الإخوان أجواء الحرية لتوظيف الخطاب الديني سياسياً؟

كندا: كيف استغل الإخوان أجواء الحرية لتوظيف الخطاب الديني سياسياً؟

مشاهدة

17/11/2020

وضعت أدبيات الإخوان الأولى، استراتيجية عمل التنظيم الدولي في المهجر، كدرب من دروب الجهاد الأكبر، بحسب توصيف سيد قطب، في كتابه معالم في الطريق، للهيمنة على الحضارة الغربية من الداخل، ومن ثم عمل التنظيم الدولي للإخوان على تكوين مراكز قوى في أوروبا وأمريكا الشمالية، تحت مسمى الدعوة ونشر الإسلام، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي.

سعى الإخوان لتأسّيس مركز ثقل في كندا وجماعات ضغط عبر المراكز والمدارس الإسلامية والجمعيات الخيرية والمساجد

 سعى الإخوان نحو الاستقرار في كندا، ومحاولة تأسّيس مركز ثقل جديد، وتكوين جماعات ضغط من خلال المراكز والمدارس الإسلامية والجمعيات الخيرية، وكذلك المساجد ودور تحفيظ القرآن، لإيجاد غطاء شرعي لجمع التبرعات، واستقبال التمويلات، ونشط التنظيم في كندا بشكل مكثف منذ أواخر القرن الماضي، وذلك لقربها من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، من جهة، واستجابة قوانينها لاستراتيجية التمكين وشروط تحققها من جهة أخرى، وعليه شرع الإخوان في تكوين عدد من المراكز الإسلامية، كما نشطت أذرع الجماعة داخل اتحادات الطلاب، وسائر المؤسسات التي تقدم خدماتها للمسلمين، مع الترويج لخطاب إسلاموي مسّيس تماماً.

استراتيجية الدعوة في خدمة السياسة

انطلق الخطاب الإخواني في الأراضي الكندية الباردة، حاملاً كل مثالب الإسلام السياسي، وفق رؤية يرى الدكتور وجيه قانصو، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، أنّها "تطرح كل خطايا الأيديولوجيا الإسلامية، كوسيلة لإستلام السلطة، في تجاهل واضح لكون الإسلام أرضيّة أخلاقية لأيّ نشاط إنساني، سواء كان اقتصادياً أم سياسياً، وقاعدة روحية ضابطة للسلوك".

تأسست الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية وكندا "إيسنا" في العام 1963

ويؤكد قانصو لـــ"حفريات" أنّ جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان، "مازالت تطرح عناوين بلا قيمة معرفية، كمسائل الخلافة وإقامة دولة الإسلام، وللأسف فإنّ العقل العربي الإسلامي لم يتعامل بشكل إيجابي مع طرح، علي عبد الرازق، الذي نبه إلى أنّ الإسلام لا علاقة له بالسياسة بالمعنى المباشر، فسادت المقولات التي تسيّس الإسلام، ثم تطور هذا التسييس إلى هذا المنحى العنيف الذي جرت صياغته بواسطة الإخوان، بهدف استلام السلطة".

نشطت أذرع الجماعة داخل اتحادات الطلاب والمؤسسات الخدمية الإسلامية مع الترويج لخطاب إسلاموي مسّيس تماماً

ويطرح، قانصو، إشكالية استغلال الإخوان لأجواء الحرية في الغرب، مؤكداً أنّ "صناع القرار هناك لم يلتفتوا بجدية إلى الخداع الذي مارسته الجماعة، لأنّ هذه الفسحة من الحرية ساعدت الإخوان على تكوين منصات وقواعد سياسية، لتعميم نشاطهم والقيام بالتعبئة وكسب الأتباع، بعيداً عن مراقبة السلطة لهم، وهذا الأمر لم يلتفت إليه الغرب في البداية، باعتبار أنّ السماح للتيارات السياسية الإسلامية بممارسة نشاطها، هو نوع من التعبير عن التسامح والحرية، لكن بعد فترة طويلة، وتجارب دفعوا ثمنها غالياً، تبين أنّ هناك استغلال لهذه الحريات، وأنّ الإخوان قاموا بتوظيف الخطاب الديني لصالح الخطاب السياسي.

كندا "نموذجاً" للتغول الإخواني في المجتمع

 كندا هي ذلك النموذج الكاشف لمدى انتهازية الإخوان، واستغلالهم أجواء الحرية؛ سعياً نحو التمكين، حيث كوّن التنظيم الدولي عدة مراكز وهيئات تابعة، أبرزها على الإطلاق منظمتا إيسنا وماك.

تأسست الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية وكندا "إيسنا" (Islamic Society of North America - ISNA) في العام 1963، بولاية أنديانا، ونشطت في كندا بشكل متسارع، حتى أصبحت تسيطر على أكثر من 80% من المساجد بها، وسيطرت على توجهات الرأي العام الإسلامي في كندا، بشكل منحها قدرة كبيرة على الحركة والتأثير.

قانصو: جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان مازالت تطرح عناوين بلا قيمة معرفية

وفي خريف العام 2018، جمدت السلطات الكندية أموال منظمة إيسنا، كما وضعت مصلحة الدخل القومي الكندي عليها غرامة مالية قدرها 430 ألف دولار، بعد أن أفادت تحقيقات خاصة بتدقيق الحسابات، أنّ المنظمة وفرت موارد لدعم تنظيمات سياسية مسلحة في منطقة كشمير، قدرت بنحو 136 ألف دولار.

من جهة أخرى، تهيمن الرابطة الإسلامية في كندا ماك (The Muslim Association of Canada (MAC على المجال الديني بشكل كبير، من مساجد ومعاهد دينية ودور تحفيظ القرآن، ويرأسها الإخواني جمال بدوي، حيث تسيطر على عدة مساجد في منطقة تورنتو الكبرى، وما حولها من مدن، وكذلك المساجد في كبيك وألبرتا ومينيتوبا ونوفا شكوشا وبريتش كولومبيا، وأيضاً مساجد مقاطعة اونتاريو وكيتشنر، والعاصمة أوتاوا.

شعار الرابطة الإسلامية في كندا "ماك"

خرجت بعض الأصوات في الداخل الكندي، لتحذر من تنامي المد الإخواني، مطالبة بإغلاق هذه المنظمات والجمعيات التابعة لها، ومنتقدة صمت الحكومة الكندية على أنشطتها، ومطالبة في الوقت ذاته بتحقيقات موسعة، لمعرفة مدى تغلغلها في الداخل الكندي، حيث طالب المحلل السياسي الكندي، لي هاردينج، في تقرير له بمركز فرونتير للسياسة العامة، الحكومة الكندية أن تسير على خطى فرنسا؛ لكشف مدى الخطر الذي يمثله الإخوان، وكشف جهات تمويلهم.

نشطت الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية وكندا بشكل متسارع حتى أصبحت تسيطر على أكثر من 80% من مساجدها

في هذا السياق يؤكد الدكتور وائل صالح، المدرس المشارك بمعهد الدراسات الدولية بجامعة كيبك بمونتريال، أنّ "النخب المسلمة السُنيّة في كندا، تتميز بتعدد مرجعياتها وأشكال التدين الرئيسة فيها؛ مشيراً في حديثه لــــ"حفريات"، إلى "ثلاث منها هي: الإصلاحية، والإسلاموية، والليبرالية الإنسانوية، مؤكداً أنّ كل شكل من أشكال التدين يقدم نموذجاً نظرياً، فلسفياً، سياسياً، دينيًا وأخلاقيًا مختلفًا للكنديين ذوى الإيمان والثقافة المسلمة، وحالة التوتر بين هذه التيارات الثلاثة التي تعيش عليها وتغذيها جماعة الإخوان، ساهمت في توليد الكثير من التحديات مثل الاندماج، التعددية الدينية، العيش معاً، التطرف والعنف باسم الإسلام، رهاب الإسلام، التي يواجهها المسلمون في كندا اليوم".

ويقول صاحب كتاب "المسلمون في كندا وتحديات العيش معا"، أنّ "الإسلاموية ليست هي التيار الذى يمثل غالبية المسلمين في كندا، ولكنّها التيار الأكثر تنظيماً، والأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام الكندية، وفي النقاشات حول المسلمين"، ويستهدف الإخوان من ذلك عدة أهداف يرتبها صالح، كالتالي:

أولًا:  تحقيق مصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ثانيًا: العمل كجماعة ضغط لصالح التنظيم الدولي وأهدافه الجيوسياسية.

 ثالثًا: شيطنة الأنظمة العربية.

رابعًا: تجييش مواطني الدول العربية ضد دولهم الوطنية.

وعن مدى وعي الجهات الحكومية لخطر الإخوان، يقول صالح إنّها تدرك ذلك بلا جدال، "ولكن في بلد يمثل فيه المسلمون نحو (٣.٦٪) من مجموع السكان، وفي ظل وجود مراقبة حثيثة للمساجد، للتعامل الفوري مع أيّ خطاب يحض على العنف، فإنّ أغلبية متخذي القرار لا يرون خطورة ملحة وآنية لتلك الجماعة، خصوصاً بعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، وتشديد الرقابة على سفر الشباب الذي له تاريخ في التطرف إلى تركيا.

العام 2018 جمدت السلطات الكندية أموال منظمة إيسنا بعد ثبوت دعمها تنظيمات سياسية مسلحة في كشمير

وأكد صالح أنّ شبكتين إسلاميتين وهما الرابطة الإسلامية الكندية (ماك)، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (إيسنا) يشتبه في أنّهما تمولان الجماعات الإرهابية، وأنّهما أصبحتا أكبر من أكبر مالكي المباني التي تضم مساجد ومدارس إسلامية في كيبيك؛ "حيث  تمتلكان معاً ممتلكات تضم سبعة أماكن للعبادة، وأربع مدارس خاصة في "مونتريال" و"شيربروك" "وتروا ريفيير"، مما لفت انتباه السلطات إليهما، ولقد وجد مكتب التحقيقات دعاية أصولية في مسجدين يقعان تحت سيطرة الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (إيسنا)، كما تلقت المدارس الابتدائية التي تشغل المباني المملوكة لهذه المنظمات أكثر من 5 ملايين دولار، على شكل منح من وزارة التعليم في مقاطعة كيبك فقط للسنوات الدراسية 2009-2010 إلى 2012-2013".

واستحوذت ماك كما يؤكد، صالح، على مبنيين لها في وسط مدينة مونتريال ، مقابل 4.7 مليون دولار، وفقًا لوثائق قدمتها شرطة الخيالة الكندية الملكية IRS ، "فلقد تبرعت الهيئة العامة لسوق المال بحوالي 300 ألف دولار أمريكي إلى صندوق الإغاثة الدولي للمنكوبين والمحتاجين - كندا (IRFAN) تم إرسال 14.6 مليون دولار منها إلى حماس (المصنفة إرهابية أخرى بحسب كندا)  بين عامي 2005 و 2009، و في العام 2011 ، ألغت هيئة الإيرادات الكندية  Revenue Canada الوضع القانوني لمعاملة هذا الصندوق كمؤسسة خيرية، وأعلنته الحكومة الفيدرالية العام 2014 منظمة إرهابية". 

الصفحة الرئيسية