كتابٌ يقتلُ قارئه

كتابٌ يقتلُ قارئه

كتابٌ يقتلُ قارئه


15/06/2026

ترجمة عبود الجابري

يُعَدُّ كتابُ "ظلالٌ من جدرانِ الموتِ/ Shadows from the Walls of Death" أحدَ أكثرِ الأعمالِ غرابةً وإثارةً للاهتمامِ في تاريخِ النشرِ الحديثِ، ليسَ فقط بسببِ محتواهُ الأدبيِّ أو قيمتِهِ الفنيَّةِ، ولكنْ لانتمائهِ إلى فئةٍ نادرةٍ للغايةِ من الكتبِ التي تُمثِّلُ تهديدًا حقيقيًّا لِمَنْ يتعاملُ معها.

مؤلِّفُ هذا الكتابِ هو الطبيبُ والكيميائيُّ الأمريكيُّ "روبرت كلارك كيدزي"، وقد فرغَ من تأليفِهِ عامَ 1874 ضمنَ حملةٍ توعويَّةٍ علميَّةٍ وصحيَّةٍ كانت تهدفُ إلى تسليطِ الضوءِ على المخاطرِ التي يُسبِّبُها استخدامُ الزرنيخِ في تصنيعِ ورقِ الجدرانِ، وهي مادَّةٌ كانت رائجةً في المنازلِ والقصورِ والمباني العامَّةِ خلالَ القرنِ التاسعَ عشرَ. في ذلكَ الوقتِ كانت الألوانُ الخضراءُ الزاهيةُ تُعَدُّ رمزًا للأناقةِ والرفاهيَّةِ، ويتمُّ إنتاجُها غالبًا باستخدامِ مركَّباتٍ غنيَّةٍ بالزرنيخِ. ورغمَ جمالِ تلكَ الألوانِ التي تُضفي رونقًا خاصًّا على المنازلِ، إلَّا أنَّها كانت تُخفي وراءَها أضرارًا صحيَّةً خطيرةً.

كانَ "كيدزي" أستاذًا في الكيمياءِ وناشطًا بارزًا في مجالِ الصحَّةِ العامَّةِ، وقد لاحظَ من خلالِ دراستِهِ العلميَّةِ وتقاريرِهِ الطبيَّةِ زيادةً ملحوظةً في الحالاتِ المرضيَّةِ المرتبطةِ بالتعرُّضِ الطويلِ الأمدِ للزرنيخِ. ولفتتِ انتباهَهُ مجموعةٌ من الحالاتِ التي لم يتمكَّنِ الأطبَّاءُ من تفسيرِها بوضوحٍ آنذاكَ، حيثُ كانَ المرضى يُعانونَ من أعراضٍ متفرِّقةٍ مثلَ الصداعِ المزمنِ، والتهاباتِ الجهازِ التنفُّسيِّ، ومشاكلَ جلديَّةٍ، وشعورٍ دائمٍ بالإرهاقِ، وأعراضٍ أخرى كانَ من الصعبِ ربطُها مباشرةً ببيئةِ المعيشةِ المنزليَّةِ. واكتشفَ "كيدزي"، بعدَ أبحاثٍ معمَّقةٍ وتحليلاتٍ كيميائيَّةٍ، أنَّ بعضَ أنواعِ ورقِ الجدرانِ المزخرفةِ تحتوي على تراكيزَ مرتفعةٍ من مركَّباتِ الزرنيخِ السامَّةِ. وبناءً على هذه النتائجِ نشأتْ لديهِ فكرةُ تأليفِ كتابٍ لا يكتفي بطرحِ المشكلةِ بشكلٍ نظريٍّ، بل يُقدِّمُ أيضًا دليلًا ملموسًا يدعمُ هذا الاكتشافَ.

يتناولُ الكتابُ موضوعًا فريدًا ومثيرًا للقلقِ، حيثُ يبدأُ بمقدِّمةٍ علميَّةٍ مختصرةٍ توضِّحُ مخاطرَ الزرنيخِ وآثارَهُ الصحيَّةَ الضارَّةَ. ويتبعُ ذلكَ مجموعةٌ كبيرةٌ من عيناتِ ورقِ الجدرانِ الأصليَّةِ التي جُمِعَتْ من الأسواقِ والمنازلِ، وتمَّ وضعُها مباشرةً بينَ صفحاتِ الكتابِ. وتحتوي هذه العيناتُ على نسبٍ حقيقيَّةٍ من الأصباغِ السامَّةِ، جعلتِ الكتابَ ذاتَهُ مصدرًا فعليًّا للتلوُّثِ الكيميائيِّ.

ولم يكنِ المؤلِّفُ يهدفُ إلى تأليفِ كتابٍ، وإنَّما أرادَ إيصالَ صدمةٍ تنقلُ للقارئِ حقيقةَ أنَّ الموادَّ المستخدمةَ لتجميلِ منازلِنا قد تكونُ في الواقعِ سببًا مباشرًا للأمراضِ والموتِ. وقد أسهمتْ تسميةُ الكتابِ "ظلالٌ من جدرانِ الموتِ" في التعبيرِ بوضوحٍ عن فكرةٍ مخيفةٍ، مفادُها أنَّ الخطرَ لا يكونُ دائمًا ظاهرًا أو متوقَّعًا، حيثُ يختبئُ أحيانًا في تفاصيلِ حياتِنا اليوميَّةِ المألوفةِ التي نغفلُ حقيقتَها.

أثارَ صدورُ الكتابِ في سبعينيَّاتِ القرنِ التاسعَ عشرَ تفاعلاتٍ متباينةً، حيثُ رحَّبَ بهِ بعضُ الأطبَّاءِ والعلماءِ والإصلاحيِّينَ الاجتماعيِّينَ باعتبارِهِ عملًا رائدًا في مجالِ التوعيةِ الصحيَّةِ، بينما واجهَ شكوكًا وانتقاداتٍ من آخرينَ اعتبروهُ مُبالغًا فيهِ أو مشكوكًا في مصداقيتِهِ. وقد كانتْ صناعةُ ورقِ الجدرانِ في ذلكَ الوقتِ تُمثِّلُ قطاعًا اقتصاديًّا بارزًا، ممَّا جعلَ العديدَ من المصنِّعينَ يتردَّدونَ في الاعترافِ بسهولةٍ بالمخاطرِ التي سلَّطَ الضوءَ عليها من قبل "كيدزي"، ورغمَ ذلكَ أسهمَ الكتابُ في إثارةِ نقاشٍ مجتمعيٍّ حولَ قضايا سلامةِ المنتجاتِ الاستهلاكيَّةِ وأهميَّةِ دورِ الدولةِ في حمايةِ المواطنينَ من الموادِّ السامَّةِ المستخدمةِ في الصناعةِ. ومن الجديرِ بالذكرِ أنَّ هذا النقاشَ كانَ بمثابةِ مقدِّمةٍ بعيدةِ المدى للتشريعاتِ الحديثةِ المتعلِّقةِ بسلامةِ المنتجاتِ والرقابةِ الصحيَّةِ على الموادِّ الكيميائيَّةِ.

قامَ المؤلِّفُ بتوزيعِ مئةِ نسخةٍ من كتابِهِ على المكتباتِ والمؤسَّساتِ العامَّةِ والهيئاتِ الحكوميَّةِ، بهدفِ إيصالِ رسالتِهِ إلى أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الناسِ. غيرَ أنَّ المفارقةَ تكمنُ في أنَّ العديدَ من تلكَ المؤسَّساتِ قرَّرتْ لاحقًا التخلُّصَ من النسخِ التي تلقَّتْها، بعدما تبيَّنَ أنَّ العيناتِ المرفقةَ داخلَ الكتابِ ما زالتْ تحتفظُ بخصائصِها السامَّةِ. ونتيجةً لذلكَ، أُتلِفَتْ غالبيَّةُ النسخِ الأصليَّةِ، ممَّا جعلَ المتبقِّيَ منها نادرًا للغايةِ. وتشيرُ التقديراتُ الحديثةُ إلى أنَّهُ لم يتبقَّ سوى أقلَّ من ثلاثينَ نسخةً حولَ العالمِ، موزَّعةً بينَ جامعاتٍ ومكتباتٍ ومتاحفَ ومجموعاتٍ خاصَّةٍ.

تغيَّرتْ مكانةُ الكتابِ بشكلٍ كبيرٍ على مرِّ الزمنِ، من كونِهِ مجرَّدَ وثيقةٍ صحيَّةٍ تحذيريَّةٍ إلى قطعةٍ تاريخيَّةٍ نادرةٍ تستحوذُ على اهتمامِ الباحثينَ والمؤرِّخينَ وأمناءِ المكتباتِ. ولم يكنْ هذا التحوُّلُ مجرَّدَ تغييرٍ في النظرةِ القيميَّةِ للكتابِ، وإنَّما أضافَ إليهِ أبعادًا ثقافيَّةً وعلميَّةً أعادتْ تعريفَ أهميَّتِهِ. فبدلًا من اعتبارِهِ تحذيرًا بسيطًا من مادَّةٍ كيميائيَّةٍ معيَّنةٍ، أصبحَ يُنظَرُ إليهِ كسردٍ تاريخيٍّ يعكسُ مرحلةً معقَّدةً في العلاقةِ بينَ التقدُّمِ الصناعيِّ والصحَّةِ العامَّةِ، وهي علاقةٌ اتَّسمتْ بالتناقضاتِ والصراعِ. فهو كتابٌ لا يسردُ حقائقَ فحسبُ، بل يكشفُ عن مفارقةٍ مذهلةٍ توضِّحُ كيفَ قامت الابتكاراتُ الصناعيَّةُ بتغييرِ حياةِ الناسِ نحوَ الأفضلِ، وفي الوقتِ ذاتِهِ كانتْ تحملُ في طيَّاتِها مخاطرَ غيرَ متوقَّعةٍ، وأنَّ ستارَ الجمالِ المزخرفِ يمكنُ لهُ أن يُخفيَ خلفَهُ تهديداتٍ قد تكونُ قاتلةً، ممَّا يجعلُنا ندركُ أنَّ التقدُّمَ قد يكونُ سلاحًا ذا حدَّينِ.

تلقَّى القرَّاءُ المعاصرونَ الكتابَ بنظرةٍ مختلفةٍ تمامًا عمَّا كانَ عليهِ استقبالُ معاصريهِ. ففي الوقتِ الحاليِّ، لم يعدِ الناسُ يقرؤونَ هذا العملَ بوصفِهِ نصًّا أدبيًّا أو مرجعًا عمليًّا لتزيينِ المنازلِ، بل يجدونَ فيهِ جاذبيَّةً خاصَّةً لقصَّةٍ استثنائيَّةٍ تُحيطُ بهِ. ويعتبرُهُ العديدُ من الباحثينَ واحدًا من أغربِ الكتبِ في التاريخِ، ممَّا جعلَهُ موضوعًا شائعًا في المقالاتِ الصحفيَّةِ والبرامجِ الوثائقيَّةِ وحتى المعارضِ المتحفيَّةِ. وما يُثيرُ فضولَ القرَّاءِ تجاهَ هذا الكتابِ هو التناقضُ بينَ جمالِهِ البصريِّ والخطرِ الكامنِ في طيَّاتِهِ؛ حيثُ تعرضُ الصفحاتُ عيناتٍ ملوَّنةً بتصميمٍ دقيقٍ وجاذبٍ، لكنَّها تحتوي في الوقتِ ذاته على موادَّ سامَّةٍ تُشكِّلُ خطرًا حقيقيًّا على الصحَّةِ. وهذا التباينُ يمنحُ الكتابَ قيمةً رمزيَّةً عميقةً، ليصبحَ تجسيدًا صارخًا للعلاقةِ المعقَّدةِ بينَ الجمالِ والخطرِ في الثقافةِ الفيكتوريَّةِ.

بينما أولت المكتباتُ التي تحتوي على نسخٍ من هذا الكتابِ اهتمامًا خاصًّا بطرقِ الحفظِ والتعاملِ معهُ، حيثُ تُحفَظُ النسخُ داخلَ صناديقَ مغلقةٍ بإحكامٍ، ولا يُسمحُ للباحثينَ بالوصولِ إليها إلَّا تحتَ إشرافِ متخصِّصينَ. كما تُستخدمُ قفَّازاتٌ ومعدَّاتٌ وقائيَّةٌ أثناءَ التعاملِ مع النسخِ، مع إجراءِ فحوصٍ دوريَّةٍ لضمانِ عدمِ تسرُّبِ جزيئاتِ الزرنيخِ إلى البيئةِ المحيطةِ. وعمدتْ بعضُ المؤسَّساتِ إلى رقمنةِ الكتابِ وإتاحتِهِ عبرَ الإنترنت، ممَّا يتيحُ للباحثينَ دراسةَ محتواهُ دونَ الحاجةِ إلى لمسِ النسخةِ الأصليَّةِ. وتعكسُ هذه الإجراءاتُ بوضوحٍ التحدِّياتِ الكبيرةَ التي تواجهُها المكتباتُ في الحفاظِ على الموادِّ التاريخيَّةِ الخطرةِ مع الحرصِ على صونِ قيمتِها البحثيَّةِ.

المصدر: ARS ELECTRONICA CENTER



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية