عصفور من الشرق حطّ على شواطئ الغرب

عصفور من الشرق حطّ على شواطئ الغرب

عصفور من الشرق حطّ على شواطئ الغرب


08/09/2025

في ثلاثينيات القرن الماضي، تحديدًا عام 1938، صدرت رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، وهي رواية تُعدّ نموذجًا مثاليًا لتطور الرواية العربية، قبل أن تأخذ شكلها الحديث، وهي تتأرجح ما بين النبرة المسرحية والتأملات الشخصية، وما بين الحبكة وتصاعد الأحداث وبناء الشخصيات. هي أقرب لأن تكون مذكرات شخصية، أو هي بالفعل مذكرات توفيق الحكيم نفسه عندما كان طالبًا في باريس، فهذا العصفور ليس غير الحكيم مُعانيًا اغتراب الشرقي في الثقافة الغربية.

أحَبّ "محسن" بطل الرواية الفتاة الفرنسية "سوزي"، وكان هائمًا بها على الطريقة العربية، يراها ملاكًا بعيدًا لا يُمسّ، يطوف حوله العشاق والهائمون، إلى أن أخبره صديقه الفرنسي "أندريه" بأن يُهاديها بزجاجة عطر، أو مساحيق تجميل، أو حذاء بكعب عالٍ، فهذا هو السبيل لأيّ امرأة غربية، لم يرضَ محسن العائش في مُعلقات الشعر العربي الغزلي باقتراحه، ففكر بأن يهديها شيئًا يشبه نفسه، اشترى لها ببغاءً وسمّاه محسن، ودرّبه على أن يقول كلمة "أحبك"، وهكذا كان محسن في حركته نحو فتاته جدّ شرقي، وعندما اتصلت بينهما الأسباب، وعاش في الفردوس ولامس فاكهة الجنان، وارتشف من الرحيق العذب للحب، طُرد كآدم تمامًا، وهبط من النعيم إلى ألم الأرض الرهيب، بعد أن تأكد من خيانتها له، فراح يعالج هذا الوجد بأن يكتب لها الخطابات، ويُسيل الحبر ومعه بعض دمه كأيّ عاشق عربي، ويُطعّم الحكيم ما بين الحين والآخر روايته بأبيات عاطفية للشيرازي والخيام، ذاكرًا أسطورة هندية عن الفتاة "ساتي" التي أحبت أحد الآلهة وأحرقت نفسها من أجله، في إشارة إلى العشق على الطريقة الشرقية، الذي يكون مصير أبطاله القتل أو الجنون أو النبذ الاجتماعي، ولم يكن أيًّا من هذه النهايات هو ما حدث لمحسن مع سوزي. 

ما بين ثقافتين

تبدو الرواية بسيطة كحكاية، لكن داخل بنائها أَفَرَد الحكيم صفحات كاملة يعالج فيها نظرته للثقافتين الشرقية والغربية، وخاصة تلك المناقشات التي كانت ما بين محسن وصديقه الروسي إيفان الذي كان شخصية رئيسية في الرواية مَثلت النقد الذاتي للغرب. كان إيفان مولعًا بالحضارة الشرقية، ويرى أنّها موطن السحر والإلهام، وأنّ الغرب موطن المادية وجفاف المشاعر، ومن خلال هذه النقاشات التي جمعت بين إيفان ومحسن، استطاع الحكيم أن يبلور الأفكار الرئيسية للرواية وإشكالاتها.

توفيق الحكيم

أوّل هذه الإشكالات "الأنثى الغربية" التي رأى فيها محسن مثالًا للمادية والحب الاستهلاكي ومشاعر اللحظة، وهو تعميم شرقي بحت يقع فيه الرجال الشرقيون الذين يرون في المرأة الغربية موضوعًا للجنس، فلا يمكن أن يُتهم جنس ثقافي على عمومه بأنّه مادي، لأننا بالمنظور نفسه يمكن أن نرى الشرقية التي تفاصل، ويُفاصل في مهرها، مادية أيضًا. ولا يمكن أن نصل إلى هنا دون أن نتذكر مصطفى سعيد ذلك العربي الضائع في الغرب أيضًا في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، فهناك تباين واضح في تصرف البطلين إزاء المرأة، ففي الوقت الذي عاش فيه محسن ضعفًا عاطفيًا أمام الأنثى الغربية، كان مصطفى سعيد يقتلها في ذروة الحب كانتقام حضاري.

ثاني إشكالات الرواية سؤال: "هل الغرب مادي والشرق روحاني؟". معروف أنَّ جغرافية الشرق هي التي شهدت موطن الديانات السماوية الثلاث، وبعث رُسل السماء للعالمين، ومن الشرق كانت النصوص المقدّسة حيث انطلق الإيمان وغمر العالم. أمّا الغرب، فمنه انطلقت الآلة إلى العالم، وتسيّد العلم بماديته، وصار البشري من المنظور المادي الغربي ترسًا في آلة الإنتاج الضخمة، مُفرغًا من أيّ مضمون روحي، لكن هل هذا حقيقي بهذه الصورة فعلًا؟! فلو كان حقيقيًا، فماذا نسمّي الثورة الفرنسية التي ألهمتنا مبادئ حقوق الإنسان؟، وأين نضع بيتهوفن وفاجنر وموتسارت؟ وإذا كان الغرب وحده هو "عقل العالم ومنطقه"، فأين نضع الحضارة المصرية القديمة بمنجزها العلمي وأهرامها القائمة ومسلاتها ومعابدها المنصوبة كأعاجيب قائمة شاهدة على علم ومعرفة عميقين، وماذا نقول عن حضارة بابل وآشور؟

وإذا وُصِم الغرب بالمادية، فهل الشرق هو المعادل الروحاني لهذه المادية؟ وهل نصوص الديانات الثلاث هي من أرست الإيمان العميق في القلب الشرقي وأخذ الغرب قشرتها الخارجية ؟ وكيف نصنف إذاً عمليات القتل والذبح التي حدثت بينما تُردد هذه النصوص المقدّسة؟ وبماذا نُسمّي حروب الله المقدّسة، وماذا نسمّي عمليات الإرهاب الذي تأسس على النصوص الدينية؟ صحيح أنّ الرواية قديمة جدًا ولم تعاصر الإرهاب المعاصر، لكنّ القتل المقدّس قديم وموجود بالتزامن مع النص المقدّس ذاته، لكننا نعيد القراءة من عقل معاصر.

كذلك إذا كان الغرب ماديًا وعماد حضارته العلم وتطبيقاته والمنجزات الصناعية التي خدمت تقدم الإنسان، لكن أيّ تقدم هذا، وأيّ حضارة هذه، وقد جعل الغرب من العلم سلاحًا قد يقضي على النوع الإنساني بأكمله؟ لم يكن زمن الرواية قد شهد تخزين العالم الغربي للرؤوس النووية التي ممّا لا شك فيه أنّها ستنفجر في وجه الجميع.

والكاتب أيضًا كان يستشعر خطرًا من بعيد لا يدري كنهه لكن يحسّ دبيبه، فلم يكن قد عُرف ما يُسمّى بـ "الاحتباس الحراري" الناتج عن تسارع السباق الصناعي بين الدول الكبرى، والذي بالمناسبة ستدفع الدول الشرقية تداعياته الكارثية أكثر من الدول الغربية.

أيضًا هل يصح القول عن الغرب إنّه ماديّ، وقد استقبل التصوف الإسلامي بولع متعطش حتى مع الاختلاف العقدي؟ وهل يمكن التعميم بمادية الغرب وهو ممتلئ بالتيارات الروحية واللا-دينية والرأسمالية والوجودية، وفيه من الثائرين والناشطين الذين يقطعون آلاف الأميال من أجل شرقي محاصر؟ الغرب له تعددية ثقافية كبيرة لا تُختزل بوصفها "مادية"، بل يمكن القول إنّ هذه التعددية هي من أعطت الغرب بعض جوانب قوته.

تناول أيضًا مظهر رجال الدين المتخم من الأكل والاكتناز، وهو المظهر الذي شكّك الغربيين في حقيقة الدين، وفي وجود فردوس سماوي فعلًا!، وكيف أنّ هذا المظهر يتنافى تمامًا مع الصور الزاهدة التي وصلتنا من الشرق عن الأنبياء والرسل، وكيف مُسخ الدين في الغرب ولم يعد له من جوهر. لكن هل سَلَك رجال الدين في الشرق مسلك الأنبياء؟ لا، فقد جعل الكثيرون منهم الدين "وظيفة" يقتاتون بها على كل الموائد، ويوظفون النصوص المقدّسة حسب مصلحتهم، ويتقاضون من خلال الظهور على شاشات الفضائيات الملايين بخطابات دينية عفى عليها الزمن وقوّضها العقل، ولم يعد هناك حتى في الشرق إيمان حقيقي، وإنّما حضور شكلاني للدين في المظهر والكلام، دون أن تتخلل رحمانية الإيمان الحقيقي القلب الشرقي.

إمكانية التلاقي

تتقاطع هذه الرواية بسيماتها مع طرح عبد الوهاب المسيري تقاطعًا مباشرًا، الذي تبنّى رؤية متوازنة حول جناحي العصفور، ففي الوقت الذي قوضت الأنظمة الرأسمالية الاقتصادية والفلسفية والنفسية روح الغرب متمثلة في الماركسية والدارونية والتحليلية، لم يخلُ تمامًا هذا الغرب من التيارات الإنسانية، ومن وجود حقيقي للقانون والعدالة والفن، ومن تيارات صوفية كردة فعل بعيدة للدين الذي بدأ يغيب عن العقل الغربي، لم يكن الغرب أداتيًا تمامًا من الوجهة المسيرية، لكنّه افترض أنّ هذه الجوانب الإنسانية التي تقاوم تحت ضغوط المادية المستشرية سوف تتآكل ومعها الروح الغربية إذا لم يفسح لتيارات الروح والإنسانية أن تتوازن مع الأداتية والنفعية القائمة، كما رأى أنّ الشرق الذي اتخذ من الدين مظهرًا شكلانيًا تغيب عنه روح الإيمان الحقيقي، واتخذ من التبعية وما سمّاه "التغريب المشوّه" لن تؤدي به إلى تقدم حقيقي، ودعا إلى العودة للقوة الأخلاقية للدين باعتبارها فاعلًا ومحرّكًا لنهضة الأمم.

لم يرَ المسيري الشرق والغرب ضدين، بل رآهما مركبين بإمكانهما أن يتلاقيا، دون أن يتصادما حضاريًا، كما رأى "هنتنغتون"، على أن تكون علاقة الشرق بالغرب علاقة انتقاء لا علاقة صدام ولا تبعية، مع العودة إلى جذوره الروحية والدينية، ليست عودة نستالوغيا، بل عودة انطلاق وتغيير.

لم تكن رواية "عصفور من الشرق" مجرد بوح شخصي، بل نظرة عميقة تكشف عن ضرورة التوازن بين جناحي العصفور، الذي لا يمكن أن يطير بغير جناحين، لا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يكون ما بينهما أيّ صراع وصدام وتناقض، ولا تبعية أو استغلالية استعمارية حداثية.

إنّ تناول الشرق والغرب بوصفهما أضدادًا يُعمّق الهوة الإنسانية، ويفصل بين عالمين يتكاملان ويلتقيان لنوع إنساني واحد.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية