طوق دولي يلتف حول "الإخوان"... من الأدغال اللاتينية إلى العواصم الأوروبية

طوق دولي يلتف حول "الإخوان"... من الأدغال اللاتينية إلى العواصم الأوروبية

طوق دولي يلتف حول "الإخوان"... من الأدغال اللاتينية إلى العواصم الأوروبية


18/12/2025

لم تعد جماعة الإخوان المسلمين تواجه تضييقاً محلياً فحسب، بل باتت اليوم تحت مجهر دولي يتسع يوماً بعد يوم، حيث بدأت ملامح "حصار عالمي" تتشكل في الأفق. 

فمن قلب القارة اللاتينية وصولاً إلى مراكز القرار في أوروبا، تتسارع الخطوات القانونية والأمنية لتفكيك شبكات التنظيم التي ظلت لعقود تعمل تحت ستار الأنشطة الدعوية والاجتماعية.

القارة اللاتينية... من الرصد إلى الحظر الشامل

كسرت دول أمريكا اللاتينية حاجز التردد تجاه هذا الملف؛ وتبرز الإكوادور كأكثر النماذج حزماً بعد إعلان الرئيس دانيل نوبوا قبل فترة وجيزة اعتبار الجماعة تنظيماً متطرفاً يهدد الأمن القومي. هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل جاء ضمن استراتيجية شاملة لتطهير البلاد من أدوات الجريمة المنظمة والمنظمات العابرة للحدود.

الأرجنتين وباراجواي في مواجهة فكر الاخوان

في موازاة ذلك، اختارت الأرجنتين وباراجواي مساراً قانونياً حاسماً عبر إدراج الجماعة رسمياً على قوائم الإرهاب، وهو ما أتاح للأجهزة الاستخباراتية في البلدين صلاحيات واسعة لتعقب الأنشطة المالية المرتبطة بالفكر الإخواني. 

البرازيل: تجفيف منابع التمويل

وفي البرازيل تتركز الجهود حالياً على "الشفافية المالية"، حيث تخضع الجمعيات الدينية لرقابة صارمة تهدف إلى تجفيف منابع التمويل الخارجي التي قد تُستخدم كغطاء لأجندات سياسية مستترة.

أوروبا... تجفيف منابع "التغلغل الصامت"

وفي الضفة الأخرى من الأطلسي يبدو أنّ العواصم الأوروبية قد استشعرت خطر ما يسميه الخبراء "التفكك المجتمعي". وتقود فرنسا هذا التحرك، وقد كشفت في تقارير حكومية عن شبكة عنكبوتية تضم (139) مصلى وأكثر من (280) جمعية تدور في فلك التنظيم، وهو ما دفع باريس لفرض قيود مشددة على المؤسسات التعليمية والمساجد لضمان الحفاظ على "التماسك الوطني".

أمّا في برلين، فيشهد البرلمان الألماني (البوندستاج) سجالات حادة حول مقترح للحظر الكامل، مدفوعاً بتحذيرات أمنية من تزايد نفوذ الجماعة داخل المراكز الثقافية. ولا يختلف المشهد كثيراً في النمسا وبلجيكا والسويد؛ حيث تُجرى مراجعات قانونية معمقة لتصنيف الجماعة ككيان "خطر"، وسط مخاوف من قدرة التنظيم على الاختراق الناعم لمؤسسات الدولة.

واشنطن وعواصم إقليمية... تحركات تحت القبة

انتقل الجدل حول شرعية الجماعة إلى الداخل الأمريكي، فبعد خطوة ولاية فلوريدا بتصنيف الإخوان منظمة إرهابية، تشهد أروقة الكونجرس والبيت الأبيض نقاشات فيدرالية مكثفة لدراسة الأدلة الأمنية تمهيداً لقرار وطني شامل، ومن المتوقع أن يتم تنصيف جماعة الإخوان بكافة مؤسساتها كتنظيم إرهابي، بعد القرار التنفيذ الذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الجماعة في الأردن ولبنان ومصر. 

وفي الإطار ذاته تُعدّ الساحة الكويتية واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ علاقة الأنظمة العربية بجماعة الإخوان المسلمين، نظراً للطبيعة السياسية المنفتحة في البلاد ووجود "الحركة الدستورية الإسلامية" (حدس) كذراع سياسية فاعلة داخل البرلمان. ومع ذلك تشهد الكويت منذ عام 2024 حتى أواخر 2025 تحولاً دراماتيكياً في موقف السلطة تجاه الرموز المحسوبة على الفكر الإخواني.

وقد تمتعت جماعة الإخوان في الكويت بخصوصية فريدة مقارنة بدول الجوار، وكانت شريكاً للسلطة في مواجهة المد القومي واليساري في الستينيات والسبعينيات، وتعاظم دورها عقب الغزو العراقي عام 1990، حيث لعبت (حدس) دوراً محورياً في ترتيبات "مؤتمر جدة".

إلا أنّ هذا التحالف بدأ يتصدع تدريجياً لعدة أسباب؛ منها المواقف المتباينة من "الربيع العربي"؛ فقد انحازت الجماعة للاحتجاجات، وهو ما أثار قلق السلطة من طموحاتها السياسية، هذا بالإضافة إلى بروز اتهامات للجماعة بمحاولة إيجاد "دولة داخل الدولة" عبر السيطرة على قطاعات التعليم، والأوقاف، والعمل الخيري، ويعكس سحب جنسية شخصية كطارق السويدان جدية الحكومة الكويتية في إنهاء عهد "المحاباة" أو التغاضي عن الشخصيات التي تروّج لأجندات التنظيم الدولي.

إقليمياً، لم يتوقف الأمر عند حدود الشرق الأوسط؛ إذ تدرس كينيا حالياً آليات تنفيذية لتجريم الانضمام إلى الجماعة أو الترويج لها، ويتجه الأردن نحو اتخاذ تدابير قانونية تتجاوز مجرد إغلاق المقار لتصل إلى التجريم الفعلي للنشاط الدعائي للتنظيم.

هذا، ويرى محللون أنّ هذا الزخم الدولي يعكس قناعة عالمية متزايدة بأنّ جماعة الإخوان لا تمثل حزباً سياسياً تقليدياً، بل هي منظومة معقدة تعتمد على "الأدوار المزدوجة"؛ حيث تظهر بوجه مدني في الغرب، بينما تدير شبكات تمويل ودعم لإيديولوجيات متطرفة في مناطق النزاع، وهو التناقض الذي جعل حظرها ضرورة أمنية لا تقبل التأجيل لدى العديد من الحكومات.

وتُعدّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، "الرحم الإيديولوجي" الذي خرجت منه معظم جماعات العنف والتعصب في العصر الحديث. ورغم محاولات الجماعة تقديم نفسها كحركة دعوية أو سياسية مدنية في العواصم الغربية، إلا أنّ تاريخها وسجلها الحافل بالدماء يكشفان عن عقيدة راسخة تؤمن بالعنف وسيلةً للوصول إلى السلطة وتحقيق ما يسمّونه "الأستاذية العالمية".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية