صناعة الرموز الدينية.. مَن أعطاهم هذه العصمة؟

صناعة الرموز الدينية.. مَن أعطاهم هذه العصمة؟


01/06/2022

ربما كانت عبارة "لحوم العلماء مسمومة"، التي أسبغت هالة من القداسة على دعاة وشيوخ، اعتبروا أنفسهم بمثابة وكلاء عن السماء، دلالة على الأثر الذي يمكن للكثير من العبارات والمفاهيم المنتشرة في مجتمعاتنا الإسلامية أن تحدثه من أثر، حيث يستخدمها الناس في حياتهم ونقاشاتهم، وعلى أساسها تُحدّد هويتهم، دون التحقق من مصادرها، طالما أنّها تحمل دلالات دينية تمنحها القداسة، ولعل هذا هو محور الإشكالية ومكمن الخطورة.

أول من أورد عبارة "لحوم العلماء مسمومة" هو الإمام الحافظ بن عساكر، في القرن السادس الهجري، وهو صاحب كتاب "تاريخ دمشق" الشهير؛ حيث قال: "واعلم يا أخي -وفقنا الله وإيّاك لمرضاته، وجعلنا ممّن يخشاه ويتقيه حقّ تقاته- أنّ لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأنّ الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم".

ظهور ما يُسمّى الرمز الديني كان له صدى واسع في تاريخ الحضارة الإسلامية مع ظهور التيارات والفرق المذهبية

وقد أورد ابن عساكر هذه العبارة في كتابه المعنون بـ"تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي حسن الأشعري"، ويبدو من عنوان الكتاب أنّ العبارة قيلت دفاعاً عن الإمام الأشعري إبّان صراعه مع الحنابلة بالذات، وتجلَّى الصراع السلفي الأشعري في تلك المؤلفات التي باتت تُؤلف في الطعن والدفاع من قِبل أتباع المذهبين، والتي من ضمنها كتاب ابن عساكر سابق الذكر.

وللمفارقة، فقد استعار السلفيون في العصر الحديث هذه العبارة من خصومهم وأعدائهم "الأشاعرة"؛ ليرفعوها في وجه كلّ من تصدى لهم، وتتوالى المفارقات حينما ينتقد السلفيون ابن عساكر ذاته، ويعتبرونه مبتدعاً ضالاً؛ لأنّه أشعري.

صناعة الرمز الديني

بالرغم من اعتبار الدين الإسلامي ديناً لا وساطة فيه، يتواصل به العبد مع ربه دون كهانة أو كهنوت، على نحو ما أقرّ القرآن ذاته في كثير من آياته؛ بدلالة قوله تعالى: في سورة الغاشية {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)}، وفي هذه الآية بحسب ما جاء في تفسير الطبري: يخاطب الله نبيه قائلاً لست على عبادي بمسلّط، ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد. كِلهم إليّ، ودعهم وحكمي فيهم.

كما تسجل لنا كتب السير والتاريخ كيف أنّ علاقة الصحابة، رضي الله عنهم، بالنبي، عليه السلام، لم تكن قائمة خارج نطاقها الديني على طاعة مطلقة، بل بالأحرى على التفاعل والمشاورة، والاحتجاج على بعض قرارات النبي، وخاصة إذا كانت متعلقة بأمور سياسية واجتماعية.

ولعل خير مثال على ذلك احتجاج نفر من الصحابة على بعض شروط صلح الحديبية، وكيفية اختيار موقع غزوة بدر، وحفر الخندق... فكثيرة هي الشواهد التي توضح هذه التعاملات، المؤسّسة على التشاور والحوار المناهض للرمزية السلطوية، سواء بين النبي وصحابته من ناحية، أو بين الصحابة بعضهم لبعض من ناحية أخرى.

إلا أنّ ظهور ما يُسمّى الرمز الديني، كان له صدى واسع في تاريخ الحضارة الإسلامية، مع ظهور التيارات والفرق المذهبية، ربما مع الحنابلة -على وجه الخصوص- وهي من الفرق السنّية الحديثية التي كان لها أثر كبير في الفكر الإسلامي، وجدل واسع مع باقي الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى، اتّسم بالسجال في كثير من الأحيان -كشأن سجالها مع الأشاعرة، وذلك حينما حوّلوا إمامهم "أحمد بن حنبل" إلى رمز ديني مقدّس، يجب عدم المساس به.

تجلَّت الاستعادة للرموز الدينية في الفكر الإسلامي الحديث مع كثير من الدعاة والمشايخ بشكل بات يثير الجدل

ومن أمثلة ذلك التعصب للرمز، أنّ الحنابلة لمجرد أنّ الطبري صنّف كتاباً بعنوان "اختلاف الفقهاء"، ذكر فيه الاختلافات بين مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء، ولم يورد اسم الإمام أحمد بن حنبل من بينهم، مشيراً إلى أنّه يُعدّ من المحدّثين؛ أي "أصحاب الحديث"، وليس من الفقهاء، حتى رموه بالزندقة والتشيع، إلى أن حاصروه في بيته حتى وفاته، وقيل إنّهم ردموا بيته بالحجارة، حتى صار عليه كالتل العظيم، ولم يفكوا الحصار حوله، حتى بعد أن بلغهم خبر وفاته، ممّا دفع أصحابه لأن يدفنوه في مكانه.

وما لبث أن تفشت اعتقادية الرمزية الدينية للأئمة والأولياء، لينسحب الأمر على باقي المذاهب الإسلامية، ومن أكثر المذاهب في هذا الشأن المذهب الشيعي؛ المؤسِس لعصمة الأئمة، والتصوّف المؤسِس لكرامات الأولياء.

ويقرّ "بسام الجمل"، في كتابه "من الرمز إلى الرمز الديني: بحث في المعنى والوظائف والمقاربات"، استناداً إلى "مرسيا إلياد" أنّ للرمز الديني خصائص تميزه عن غيره من الرموز؛ لما تعلق به من معاني التقديس والتكرار والاستعادة الدورية، وقد تجلَّت هذه الاستعادة للرموز الدينية في الفكر الإسلامي الحديث مع كثير من الدعاة والمشايخ، بشكل بات يثير الجدل، ويؤدي إلى ملاسنات ومعارك شبه يومية، على وسائل التواصل الاجتماعي.

* أكاديمية وباحثة مصرية، حاصلة على درجة الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية

مواضيع ذات صلة:

ما الإيمان ومن المؤمنون؟

المعجزات في الدين: هل يحتاج الإيمان إلى معجزات إلهية؟

عن العقل حين يؤمن والإيمان حين يعقل



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية