سوريا في مفترق المصير: نداء من ضمير لم ينطفئ بعد من أجل سوريا التي تستحق الحياة

سوريا في مفترق المصير: نداء من ضمير لم ينطفئ بعد من أجل سوريا التي تستحق الحياة

سوريا في مفترق المصير: نداء من ضمير لم ينطفئ بعد من أجل سوريا التي تستحق الحياة


23/07/2025

 

إلى من بقي في قلبه ذرّة ضمير، إلى من لم تغلبه الطائفية ولم تفتك به الانقسامات، إلى الرئيس الشرع الذي غاب عن متناول كثير من المثقفين والثوار العائدين واللاجئين، إلى إخوتنا السّنة الذين شاركونا الثورة والدّم والخبز في أقسى اللحظات.

أكتب إليكم اليوم لا بصفتي فردًا، بل كوني شاهدًا على ما آل إليه حال سوريا، بلدًا وشعبًا ومصيرًا. أكتب بلسان الخوف والحزن، وبقلب أنهكته الخسارات المتكررة، لأنّ ما يحدث لم يعد يُحتمل، ولا يمكن السكوت عنه أكثر.

قد ألغيت تذكرتي إلى سوريا مرتين، مرة بعد التفجير الإرهابي الذي استهدف الكنيسة، ومرة ثانية بعد أحداث السويداء، رغم أنّ الدعوة كانت من مكتب المعهد الدبلوماسي لأداء مهمة وطنية في إطار العمل الدبلوماسي. لكننّي، أنا التي لم أتخلَّ يومًا عن حلم العودة والمشاركة، شعرت بالخوف الحقيقي، لا لأنّني ضعيفة، بل لأنّ ما يجري على الأرض لم يعد يُشعِر بأيّ أمان. الضّعف الأمني، والتخبط في التعامل، وتسارع المواقف الدولية تجاه سوريا، كلّ ذلك لا ينبئ إلا بأننّا نعيش في بلد لم يعد مستقرًا، ولا آمنًا، لا لمواطن ولا لوافد.

لقد فقدنا الكثير من الأحبة، من الأصدقاء والرفاق، من الشهداء الذين كانوا معنا في الصفوف الأولى للثورة، وما زلنا نفقدهم، ليس فقط بالرحيل، بل بانطفاء الفكرة التي جمعتنا. كنّا نظّن أننّا نحلم بوطن واحد، بجيش وطني حقيقي، جيش لا يسأل المواطن عن طائفته ولا عن انتمائه، بل يحميه لأنّه سوري فقط. ولكننا فوجئنا اليوم بواقع مأساوي، بفصائل غريبة لا تنتمي إلى المجتمع السّوري ولا إلى ثقافته التعددية، ترفع راية "الوطنية" لكنّها لا تشبه في سلوكها وتركيبتها سوى أجهزة النظام الذي ثرنا عليه. كنّا نحلم بسوريا لا تقتل أبناءها بسلاح لا يُشهر في وجه من طالب بالكرامة، بوطن لا تصنع حدوده الطائفية البندقية، بل القانون والعدالة.

إنّ ما نعيشه اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لنظام بشار الأسد، ذاك الذي لطالما تغذّى على الفساد والطائفية والعنف باسم الأمن. اليوم، وللأسف، نجد من بيننا من يمارس الانحرافات نفسها، بلباس مختلف. التجييش الطائفي، والتخوين، وتهم الإرهاب الجاهزة، كلها أدوات يتم تسويقها لتبرير الفشل في بناء سوريا الجديدة. ما الفرق إذًا بيننا وبين النظام الذي ادّعى "محاربة المؤامرة" بينما كان يطحن شعبه؟

إننّي أخاطب من بقي من ضمير هذا الوطن، لأقول: إنّ المسألة لم تعد تتعلّق بما فعله هذا أو ذاك، ولا بحمل السلاح من عدمه، بل بما نحمله اليوم من فكر تجاه سوريا. إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من مؤتمر وطني شامل، لا صوري، مؤتمر يجمع السوريين من كافة الأطياف والمكوّنات. نعرف وجوهًا كثيرة أسهمت في الثورة، في الهيئات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، من الداخل والشتات، وهذه الوجوه هي التي يجب أن تكون في مقدمة أيّ عملية إنقاذ وطني. لسنا بحاجة لتحالفات آنية، بل إلى مشروع جامع، يتجاوز النكايات والصراعات الفصائلية، ويضع سوريا أوّلًا.

لقد فرحنا بخطاب النصر كما لم نفرح منذ أعوام، امتلأت الساحات بالدبكة والضحك، وعشنا لحظة خاطفة من الأمل. لكن، ماذا تبقّى من تلك النشوة؟ سرعان ما عادت الحواجز، وعادت معها الأسئلة عن الطائفة والمذهب، وامتلأ المشهد بخطابات طائفية سامّة تُمزّق ما تبقّى من نسيجنا الاجتماعي. رأيت بعينيّ من يزدرون الإسلام بألفاظ لا تليق إلا بعقول مشوّهة، وسمعت تهديدات علنية موجهة للمسيحيين، دون أن يتحرك أحد لردعها، حتّى إنّ أحدهم قال لفتاة إنّ صليبها سيكون أداة لتعليقها! ولا ننسى ما حدث مع زينة شهلا في اعتصام دمشق، تلك الفتاة التي تعرّضت للضرب والإهانة، لا لشيء سوى لأنّها اختارت أن تكون حاضرة، بصوتها وكرامتها، وسط اعتصام مدني سلمي.

هل هذه هي سوريا التي حلمنا بها؟ هل هذا هو الشارع الذي ناضلنا لنراه يومًا حرًا وآمنًا؟ أين هو الأمن؟ أين الدولة؟ أين مؤسسات الحماية التي كنّا نظنّ أنّها ستكون لنا سندًا بعد السقوط؟

كنت أودّ أن أخرج بهذا الكلام على العلن، في مقطع مصور، كما يليق بوجع لا يُحتمل أن يبقى حبيس الوجدان، لكننّي ترددت. لم أخف من قول الحقيقة، بل من ذاك الهجوم الظلامي المعتاد، من الشتائم التي تنهال من خلف الشاشات، من السّباب والتخوين والتكفير الذي صار عقيدة من لا يملكون من الفكر سوى صوت عالٍ وألفاظ وضيعة.

لكن ما يزيد من مرارة هذا الصمت القسري، هو أننّي، ومعي كثيرون من المثقفين والسياسيين والوطنيين، لا نستطيع إيصال صوتنا إلى الرئيس الشرع. فالحلقة الضيقة التي تحيط به من المتزلفين والمصفقين قد بنت حوله جدارًا سميكًا، لا يعبره رأي ناصح، ولا تصل من خلاله صرخة حقيقية. وإننّي أقولها بوضوح: نحن لم نكن يومًا إلا مع مشروع بناء الدولة، دولة لكلّ السوريين، لا دولة لون واحد ولا سلطة فئة على أخرى.

هناك في سوريا، كما في الشتات، العشرات بل المئات من الكفاءات: دبلوماسيون، مفكرون، حقوقيون، إداريون، من كلّ المكونات، ومن إخوتنا السّنة الذين وقفوا مع سوريا في السرّاء والضرّاء. أعرفهم بالاسم، أعرف قدراتهم وإخلاصهم، فلماذا يتمّ تجاهلهم؟ لماذا تستمر هذه الاختيارات الخاطئة التي لم تَجْنِ على البلد إلا مزيدًا من الانهيار الأخلاقي والإداري؟ ما نحتاجه ليس ولاءً أعمى، بل عقلًا شجاعًا وخبرة صادقة ورؤية تُخرج سوريا من مأزقها الوجودي، لا من يزيدها عمقًا في الحفرة.

يا سيادة الرئيس، نحن لا نعيش في دولة، بل في غابة. ونعرف تمامًا أنّ سقوط النظام لم يكن سقوط شخص، بل كان سقوطًا لمؤسسات الدولة كلها. لكن، أليس من أبسط حقوق السوريين أن يكون لهم جهاز أمني شرطي حقيقي، لا ميليشيات؟ أليس من واجب الدولة أن تنتقي موظفيها من أبناء الوطن الشرفاء، ومن خيرة أبناء المحافظات، لا من المتسلّطين وأصحاب السلوكيات المنفلتة الذين لا يمثلون سوى الفوضى والانحلال؟ سوريا لا تنقصها الكفاءات، بل تنقصها الإرادة في الاستفادة منهم. في الشتات، هناك آلاف السوريين الذين أثبتوا جدارتهم في مؤسسات كبرى حول العالم، فهل يصعب علينا أن نعيد بناء الوطن بهم؟

إننّي أدعو، بصدق وحرقة، إلى إطلاق حوار وطني جامع، واسع، حقيقي، لا شكلي ولا نخبوي، حوار يُنقذ ما تبقّى من سوريا قبل أن يُقضى عليها تمامًا. لقد وصلنا إلى لحظة فاصلة، لم تعد فيها الدولة دولة، ولا السيادة سيادة، ولا المؤسسات تحفظ ما تبقّى من العقد الوطني. لم تعد السلطة تمثّل أحدًا سوى نفسها، ولم تعد تلامس وجدان شارعٍ أنهكته الخيبات، وفقد ثقته بكلّ ما يصدر عن المنصّات الرسمية.

نحن لسنا فقط أمام أزمة نظام أو خلل سياسي. نحن أمام كارثة وجودية، انكشاف شامل لوهم الدولة، وعجز كامل عن إنتاج أيّ مشروع وطني يُلملم الشروخ ويعيد للناس ثقتهم بالوطن. الاحتلالات تتكاثر، والولاءات تتبعثر، والسلطة الغائبة تلوّح بمشاهد استعراضية للقوة، بينما تقمع كلّ من يطرح صوت العقل أو يدعو إلى التشارك الحقيقي.

من هنا، أقترح مشروع عقد انتقالي وطني شامل، لا ترضية سياسية ولا صفقة مؤقتة، بل عملية تأسيس حقيقية لدولة مدنية، عادلة، تشاركية، متحررة من التبعية، دولة تُبنى على المواطنة الكاملة لا على المحاصصة، دولة تحترم التنوع لا تقمعه، وتجرّم كلّ خطاب طائفي أو إقصائي، دولة يكون فيها دمّ السوري محرّمًا على السوري، ويكون فيها القانون هو السّيد، والعدالة أساس الحكم.

نرفض دولة طائفية، أو ثأرية، أو مرتهنة لمحاور الخارج. نرفض أن تُبنى سوريا الجديدة على أنقاض الكرامة، أو أن تُدار بعقلية الغلبة والاستحواذ. نريد سوريا لكلّ أبنائها، بلا تمييز، بلا إقصاء، بلا خوف. نريد دعمًا خارجيًا يحترم إرادة السورييّن، لا يصادرها، ويساعد على بناء الدولة، لا على تقسيمها أو وضعها تحت وصاية جديدة.

هذه ليست وثيقة سياسية، ولا مبادرة حزبية، بل نداء النجاة الأخير من قلب وطن مخذول...، فإمّا أن ننتشل سوريا من انهيارها بأيدينا جميعًا، وإمّا أن نُمحى معها ونحن نصفق لوهم النصر، ونغرق في مستنقعات خيانة الحلم، حتّى لا يبقى من سوريا سوى ذكرى مؤلمة في ضمير الشعوب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية