سكان غزة يخشون تجدد مأساتهم مع استمرار الحرب على إيران

سكان غزة يخشون تجدد مأساتهم مع استمرار الحرب على إيران

سكان غزة يخشون تجدد مأساتهم مع استمرار الحرب على إيران


09/03/2026

في حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث ما تزال المباني تحمل آثار دمار سابق، يقف الشاب محمد ياسين (29 عاماً)، وهو خريج جامعي يعمل بشكل مؤقت في متجر مواد غذائية بعد أن تعثر في إيجاد وظيفة ثابتة، يقف أمام منزله المتصدع جزئياً يتابع الأخبار عبر هاتفه، كما يفعل معظم سكان القطاع هذه الأيام.

يقول ياسين: "متابعة الأخبار لم تعد خياراً، بل ضرورة قاسية، فنحن هنا في غزة لا ننظر إلى الحروب كأحداث بعيدة، وأيّ مواجهة كبيرة في المنطقة تجعلنا نشعر أنّ شيئاً ما سيتغير عندنا، ربما ليس اليوم أو غداً، لكننا نخشى أن نكون جزءاً من الحسابات".

وفي شوارع غزة التي لم تلتئم جراحها بعد يتصاعد القلق الشعبي مع استمرار الحرب على إيران، وبينما تدور المواجهات بعيداً جغرافيّاً، يشعر كثير من سكان القطاع أنّ أيّ تصعيد إقليمي قد يحمل انعكاسات مباشرة على حياتهم اليومية الهشة أصلاً.

ويجمع مراقبون على أنّ غزة ليست بمعزل عن تطورات الحرب على إيران، وستكون عرضة لتبعات سياسية وأمنية واقتصادية، لا سيّما أنّها لم تتعافَ من تبعات حرب أنهكتها على مدار العامين الماضيين.

ووفق تقرير نشره موقع (كالكاليست) العبري، فإنّ عزلة إسرائيل السياسية آخذة بالتصاعد منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأيّ تصعيد إضافي في غزة سيعمق هذه العزلة، ويجعل من إسرائيل سوقاً غير جذابة للمستثمرين الدوليين، خاصة أنّ العالم ينظر إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية بوصفها حكومة يمين متطرف تفتقر إلى الشرعية الدولية وتعرّض المنطقة لانفجار دائم.

وبحسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد خرق الاحتلال الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار 1620 مرة، تنوعت ما بين 560 عملية إطلاق نار، و79 عملية توغل آليات داخل المناطق السكنية، و749 عملية قصف واستهداف، و232 عملية نسف منازلٍ ومبانٍ.

نعيش على أعصابنا

يتحدث ياسين بهدوء، لكنّ صوته يحمل توتراً واضحاً: "بعد كل جولة تصعيد سابقة  كنا نقول لعلها الأخيرة، لكنّ الواقع يثبت عكس ذلك، والآن مع استمرار الحرب على إيران، الناس تخشى أن تتوسع الدائرة، وأن ندفع مرة أخرى إلى مواجهة جديدة. نحن نعيش على أعصابنا، حتى عندما لا نسمع طائرات في السماء، نشعر أنّ الهدوء مؤقت".

ياسين، كغيره من أبناء جيله، يحمل في ذاكرته صوراً يصعب محوها، بعد تضرر منزل عائلته خلال الحرب الإسرائيلية اضطرت عائلته للنزوح لسنوات، يقول: "أصعب لحظة كانت عندما خرجنا من البيت دون أن نعرف إن كنا سنعود إليه، فحملنا بعض الملابس فقط، ووالدتي كانت تبكي، ووالدي يحاول أن يبدو قوياً، تلك اللحظات لا تُنسى".

اليوم، وبعد ترميم جزئي للمنزل، يخشى ياسين أن تتكرر التجربة، ويوضح: "فكرة النزوح مجدداً ترعبنا، ليس لأننا لا نتحمل المشقة، بل لأننا تعبنا نفسياً، فكل مرة تبدأ من الصفر".

وعن التأثير النفسي على الأطفال يقول: "أبناء أخي ما زالوا يخافون من الأصوات المرتفعة، وإذا سمعوا صوت انفجار بعيد أو ألعاباً نارية، يركضون للاختباء، فكيف يمكن لطفل أن يعيش طفولة طبيعية في ظل هذا الخوف المستمر؟".

ذاكرة الحرب لا تغيب

ولا يتوقف القلق عند الجانب الأمني، ويرى ياسين أنّ أيّ تصعيد إقليمي ستكون له آثار اقتصادية مباشرة على غزة، التي تعاني أصلاً من بطالة مرتفعة وأوضاع معيشية صعبة، ويصف حياته قائلاً: "أنا أعمل يوماً وأجلس في البيت أياماً، وإذا حدث تصعيد، أوّل ما يتأثر هو العمل، فالمحال تغلق، والناس تشتري للضرورة فقط، وكل شيء يتجمد".

ويضيف: "العائلات باتت تفكر في كيفية تأمين الاحتياجات الأساسية، فعندما نسمع أخباراً عن تصعيد كبير، يبدأ الناس بتخزين الطحين والمعلبات إن استطاعوا، ليس بدافع الهلع، بل بدافع التجربة، فنحن تعلمنا أن نتصرف بسرعة".

وفي أحد المقاهي الصغيرة غرب المدينة يجتمع ياسين مع أصدقائه مساء، والحديث كما يقول، لم يعد عن خطط السفر أو العمل، بل عن السيناريوهات المحتملة، ويتساءلون: ماذا لو توسعت الحرب؟ ماذا لو حدثت مواجهة أكبر؟ لا أحد يملك إجابة، لكنّ الجميع يشعرون أنّ المنطقة تمرّ بمرحلة خطيرة".

ويوضح: "ربما اعتدنا على القلق، لكنّ هذا لا يعني أننا لا نتألم، الاعتياد لا يلغي الخوف، بل يجعله جزءاً من الروتين، وكل ما نريده ألّا نكون ضحية موجة جديدة من الصراع، لأننا تعبنا من إعادة بناء ما يهدم، ومن تضميد جراح لم تلتئم بعد".

ويؤكد ياسين أنّ "الخوف لا يعني اليأس الكامل، فنحن نريد الاستقرار مثل أيّ شعب آخر، ونريد أن نفكر في المستقبل، في الزواج، في بناء بيت، في تأسيس عمل، لكن كل مرة نشعر أنّ الأحداث الكبرى تعيدنا خطوة إلى الوراء".

لا نملك رفاهية الاطمئنان

وفي حي الشيخ رضوان بمدينة غزة يجلس الشاب سامر سرحان (31 عاماً) أمام منزل عائلته الذي أعيد ترميم جزء منه، وما تزال آثار القصف واضحة على الجدار المقابل، ويقول: "أتابع أخبار الحرب على إيران  ليس بدافع السياسة، بل بدافع القلق على اليوم التالي، وهل ستطال هذه الحرب غزة مجدداً أم لا".

ويضيف سرحان: "نحن في غزة لا نملك رفاهية الاطمئنان، وعندما نسمع عن حرب كبيرة في المنطقة، نفكر مباشرة هل سنستدرج إلى جولة جديدة؟ وهل سيتغير كل شيء بين ليلة وضحاها؟".

ويشرح: "القلق ليس حالة طارئة، بل شعور دائم يتفاقم مع أيّ خبر عاجل، ونعيش على إيقاع التوتر، قد نخرج لشراء احتياجاتنا أو لزيارة أقاربنا، لكن في الخلفية هناك دائماً سؤال، ماذا لو اندلعت الحرب من جديد؟".

ويكمل: "الحديث في الحي لم يعد عن خطط مستقبلية، بل عن احتمالات الطوارئ، فالناس تتبادل النصائح حول تخزين المياه، وشحن البطاريات، والاحتفاظ ببعض المال نقداً، كأننا نتدرب نفسياً على الأسوأ".

وقد عاش سرحان تجربة النزوح مرتين خلال السنوات الماضية، وفي إحدى المرات، قضت عائلته أسبوعين في خيمة نصبت في أحد الشوارع بغزة، ويتابع: "أذكر جيداً الليلة الأولى؛ أصوات الأطفال الباكين، وازدحام القاعات، والقلق في عيون الكبار، لم يكن الأمر مجرد فقدان بيت مؤقتاً، بل فقدان الشعور بالأمان".

واليوم، ومع استمرار الحرب على إيران، يقول: إنّ تلك الذكريات عادت بقوة، فعندما أرى صور الدمار في الأخبار لا أراها بعين المتابع فقط، بل أراها بعين من عاشها، وأخشى أن أعود مجدداً إلى حمل حقيبة صغيرة وأغادر بيتي دون أن أعرف إن كنت سأعود إليه".

الخوف المستمر على المستقبل

ويشير إلى أثر ذلك على والديه، ويقول: "والدتي تسألني كل يوم تقريباً: هل تعتقد أنّ الأمور ستتدهور؟ هي لا تهتم بالتفاصيل السياسية، لكنّها تخشى أن يتكرر المشهد".

ويتابع: "استمرار الحرب في المنطقة يجعل فكرة الاستقرار أبعد، المستثمر يخاف، وصاحب المشروع يتردد، والشاب يفكر ألف مرة قبل أن يبدأ أيّ خطوة".

ويعمل سرحان في مجال ترميم المنازل، وهو قطاع ينتعش بعد كل جولة قتال ثم يتجمد مع أيّ توتر جديد، ويوضح: "عملي مرتبط بدمار سابق، وهذا بحد ذاته مؤلم، نحن نبني ما تهدم، لكننا نخشى أن يهدم مرة أخرى، أيّ تصعيد إقليمي يعني توقف المشاريع فوراً".

سرحان متزوج ولديه طفلة في الثالثة من عمرها، ويقول: "أكبر مخاوفي تتعلق بمستقبلها النفسي، فلا أريد لابنتي أن تكبر وهي تربط كلمة ليل بصوت الانفجارات، أريدها أن تتذكر طفولتها بحدائق وألعاب، لا بخوف ونزوح".

ورغم كل المخاوف، تستمر الحياة في غزة، والأسواق مزدحمة نسبياً، والمقاهي تستقبل روادها، وحفلات الأعراس تقام على استحياء، لكنّ هذا ليس دليلاً على الاطمئنان وفق سرحان الذي يؤكد: "نحن نتكيف لأننا لا نملك خياراً آخر، والتكيف لا يعني أننا بخير، وهو يعني فقط أننا نحاول أن نعيش".

ويختم سرحان حديثه بنبرة واقعية: "لا أحد هنا يريد أن يكون جزءاً من صراع إقليمي أكبر، كل ما نطلبه ألّا ندفع مرة أخرى إلى دوامة الألم، ونريد استراحة طويلة من الخوف".

انعكاسات الحرب على غزة

يرى الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور أنّ "الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران قد تنعكس على المشهد الأمني في قطاع غزة وعلى القضية الفلسطينية بشكل عام، حتى وإن لم يكن القطاع طرفاً مباشراً في الصراع، مضيفاً: "خروج إسرائيل منتصرة من هذه الحرب قد يدفعها إلى التشدد في مطالبها، وعلى رأسها تجريد حركة حماس من سلاحها، إضافة إلى طرح مسألة انسحابها من القطاع".

ويضيف منصور: "غزة كان يمكن أن تكون عاملاً مهمّاً في هذه الحرب لو حافظت حماس على قوتها العسكرية كما كانت قبل تنفيذها العملية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مشيراً إلى أنّ "فتح جبهات متزامنة ضد إسرائيل من لبنان وسوريا وغزة كان سيشكل ضغطاً عسكرياً أكبر عليها، إلا أنّه يرى أنّ غزة في الوقت الراهن لا تشكل عنصر ردع حقيقي في ظل ضعف القدرات العسكرية لحماس".

ويشير إلى أنّ "أكثر ما يواجهه سكان غزة حالياً هو حالة الجمود، وبالرغم من وجود خفض نسبي في وتيرة التصعيد العسكري على الأرض، فإنّ الملفات الأساسية ما تزال عالقة، كإعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي، وإدخال المساعدات الإنسانية، لذا انتهاء الحرب على إيران، إذا ما تحقق، قد يفضي إلى قدر من الاستقرار في المنطقة، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على غزة والقضية الفلسطينية".

ويؤكد منصور أنّ "استمرار الحرب على إيران قد يؤثر مؤقتاً في سلاسل الإمداد، وفي الدعم الإنساني الموجه إلى غزة، لكنّه يشير في المقابل إلى أنّ إسرائيل معنية في المرحلة الحالية بالسماح بوصول الغذاء والدواء والمساعدات إلى سكان القطاع، في محاولة للحفاظ على صورتها أمام المجتمع الدولي الذي يركز على ضرورة إيصال المساعدات إلى غزة وتجنب تكرار المجاعة التي شهدها القطاع قبل عدة أشهر".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية