سعيد السريحي من الرويس إلى فضاءات الفكر العربي

سعيد السريحي من الرويس إلى فضاءات الفكر العربي

سعيد السريحي من الرويس إلى فضاءات الفكر العربي


20/06/2026

الطيب ولد العروسي

حين نستحضرالدكتور سعيد مصلح السريحي، فإننا لا نستدعي مجرد ناقد أكاديمي أو كاتب ثقافي بارز، بل نستحضر مشروعاً فكرياً متكاملاً، وتجربة إنسانية استثنائية جمعت بين عمق المعرفة ورحابة الروح. كان، رحمه الله، واحداً من أولئك المثقفين الذين تجاوز حضورهم حدود الجغرافيا الوطنية ليصبحوا جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية المعاصرة، بما تركوه من أثر في النقد والأدب والفكر والحوار الثقافي.

عرفته ذات ربيع في باريس برفقة الصديق الدكتور عبدالله الخطيب، الذي كان يكنّ له محبة كبيرة وتقديراً عميقاً. قدّمنا لبعضنا البعض، أنا والدكتور حسن المصدق، وسرعان ما انخرطنا في حديث بدا وكأننا نستأنف حواراً قديماً لم ينقطع.

لم تكن هناك مقدمات طويلة أو حواجز رسمية؛ فقد انتقل النقاش مباشرة إلى أحدث الإصدارات الفرنسية حول العالم العربي، وإلى مشروعات الترجمة الثقافية التي كان يعمل عليها الدكتور عبدالله الخطيب، سواء في نقل الأدب السعودي إلى اللغة الفرنسية أو في ترجمة بعض الأعمال الفكرية والأدبية الفرنسية إلى العربية، ومنها، على سبيل المثال، أعمال إدغار موران، وجان ماري غوستاف لوكليزيو، وباتريك موديانو.

المثقف والمشترك الإنساني

كان السريحي مستمعاً يقظاً، متابعاً دقيقاً، ومتحمساً لكل مشروع ثقافي جاد. وفي كل مرة كنت ألتقيه في معرض كتاب أو ملتقى فكري، كنت ألحظ تلك القدرة النادرة على صناعة فضاء للحوار يشعر فيه الجميع بأنهم ينتمون إلى بيت ثقافي عربي واحد، مهما اختلفت بلدانهم وتجاربهم. كان حضوره يلغي الحدود النفسية والجغرافية، ويجعل النقاش حول الأدب والثقافة فعلاً إنسانياً مشتركاً، لا مجرد تبادل للآراء أو استعراض للمعارف.

لقد آمن بأن الثقافة ليست تنظيراً مجرداً أو ترفاً فكرياً، بل ممارسة يومية تتجسد في القراءة والكتابة والحوار والانخراط في قضايا المجتمع. وكان يرى أن “العمل الثقافي الحقيقي يبدأ من الواقع ويعود إليه، وأن الأفكار لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى قوة فاعلة في الوعي الاجتماعي والإنساني”.

مثل كثير من المثقفين العرب الذين حملوا همّ الثقافة العربية الحديثة، كان سعيد السريحي يتألم من التشرذم والانقسامات التي تعيق بناء مشروع ثقافي عربي مشترك. لكنه لم يستسلم لليأس أو الشكوى، بل واصل الكتابة والتدريس والمشاركة في المؤتمرات والندوات، مؤمناً بأن المثقف الحقيقي هو من يبني الجسور بين الناس والأفكار، لا من يعمّق الفجوات ويؤجج الانقسامات.

ومع مرور الزمن تحول إلى مرجع ثقافي بارز، يقرأ في مختلف الحقول المعرفية، ويتابع أحدث الإصدارات العربية والعالمية، ويشجع الأجيال الجديدة على الانفتاح والحوار والاختلاف الخلاق. وكان يحلم بقيام ثقافة عربية حديثة تستفيد من التراث دون أن تقع أسيرة له، وتستوعب منجزات الحداثة دون أن تفقد خصوصيتها الحضارية.

النشأة والتكوين الثقافي

وُلد سعيد مصلح السريحي في مدينة جدة عام 1953، ونشأ في حي الرويس، أحد الأحياء التي تشكل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمدينة. وقد تركت هذه البيئة الحضرية أثرها العميق في وجدانه وكتاباته، وهو ما يتجلى بوضوح في كتابه “الرويس”، الذي يُعد شهادة أدبية واجتماعية تستعيد تفاصيل المكان وتحولاته، وتوثق جانباً من ذاكرة جدة الحديثة.

كما أسهمت الظروف الأسرية في صقل شخصيته مبكراً، إذ تحمل مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، الأمر الذي عزز لديه الإحساس بالالتزام والانضباط والاعتماد على النفس. وقد ظل هذا البعد الإنساني حاضراً في شخصيته وفي علاقاته الواسعة بالمثقفين والكتاب والطلاب.

تمثل مرحلة الدراسة الجامعية في جامعة أم القرى محطة أساسية في مسيرته الفكرية، ولاسيما من خلال تأثره بالناقد المصري الكبير لطفي عبدالبديع، الذي فتح أمامه آفاق المناهج النقدية الحديثة، وعرّفه بأهمية النظر إلى النصوص الأدبية بوصفها أنساقاً رمزية وثقافية تتجاوز حدود اللغة المباشرة.

ومن خلال هذا التكوين الأكاديمي، تجاوز السريحي مفهوم النقد بوصفه حكماً على النصوص أو تصنيفاً لها، ليصبح عنده فعلاً معرفياً يقوم على التأويل والكشف وإعادة بناء المعنى. ومن هنا تشكلت رؤيته النقدية التي جمعت بين الدقة المنهجية والانفتاح على الأسئلة الجديدة.

تكمن أهمية مشروع سعيد السريحي في أنه لم يتوقف عند حدود النقد الأدبي التقليدي، بل انتقل إلى فضاء أوسع هو فضاء النقد الثقافي. فقد كان يرى أن النص الأدبي لا يمكن عزله عن السياقات الاجتماعية والتاريخية والفكرية التي أنتجته، وأن مهمة الناقد لا تقتصر على تحليل البنية اللغوية والجمالية، بل تشمل أيضاً تفكيك أنظمة المعنى والقيم والسلطات التي تتحكم في إنتاج الخطاب وتلقيه.

لقد انشغل السريحي بمساءلة المسلمات الثقافية وكشف الأنساق الخفية الكامنة وراء الظواهر الاجتماعية والرموز الثقافية. وكان يعتقد أن الثقافة ليست معطى ثابتاً، بل عملية تاريخية مستمرة تخضع للتأويل والتفاوض وإعادة الإنتاج.

ولهذا السبب احتل مفهوم السؤال مكانة مركزية في مشروعه الفكري؛ إذ لم يكن يبحث عن أجوبة نهائية بقدر ما كان يسعى إلى فتح آفاق جديدة للفهم والتفكير. وقد جعلته هذه الرؤية واحداً من أبرز رواد النقد الثقافي في المملكة العربية السعودية والعالم العربي.

مؤلفات وإسهامات فكرية

من أبرز مؤلفات السريحي كتاب “شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الحديث”، ويعد هذا الكتاب من بين أهم أعماله النقدية المبكرة، إذ أعاد فيه إلى قراءة وتفكيك تجربة أبي تمام من منظور حديث، مبيناً أن روح التجديد كامنة في التراث العربي نفسه، وأن الحداثة ليست بالضرورة قطيعة مع الماضي، بل إعادة اكتشاف له في ضوء أسئلة جديدة.

أما “الحياة خارج الأقواس” فهو من أكثر كتبه قرباً إلى القارئ، حيث تتداخل فيه السيرة الذاتية بالتأمل الفكري والثقافي. وفيه قدم سعيد السريحي صورة للمثقف الذي يعيد قراءة تجربته الشخصية بوصفها جزءاً من تجربة إنسانية أوسع.

ويمثل كتابه “حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة” نموذجاً بارزاً للنقد الثقافي؛ إذ يتناول مفهوم الكرم في الثقافة العربية من خلال تحليل جذوره اللغوية والاجتماعية والتاريخية، كاشفاً عن تحولاته ودلالاته الرمزية عبر الزمن.

أما “غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم” فهو عمل يدرس فيه السريحي القهوة بوصفها ظاهرة ثقافية واجتماعية، ويتتبع الجدل الفقهي والفكري الذي رافق انتشارها، ليكشف من خلال ذلك عن العلاقة المعقدة بين الثقافة والسلطة والتأويل.

“عتبات التهجي” يُعد من أهم الدراسات النقدية التي تناولت تجربة الشاعر السعودي المجدد محمد الثبيتي، حيث يكشف عن خصوصية لغته الشعرية وبنيته الرمزية وموقعه في سياق الحداثة الشعرية العربية.

أما “الرويس” فهو ليس مجرد كتاب عن حي من أحياء جدة، بل نص يجمع بين السيرة الذاتية والتاريخ الاجتماعي، ويستعيد ذاكرة المكان بوصفها جزءاً من ذاكرة الإنسان وتحولاته الوجودية.

وعلى الرغم من شهرته الواسعة بوصفه ناقداً ومفكراً، فإن الشعر ظل حاضراً في أعماق تجربته. كان يرى نفسه شاعراً قبل أي شيء آخر، لكنه لم يكن معنياً بتكريس صورة الشاعر التقليدية أو ببناء مشروع شعري يسعى إلى الشهرة والانتشار. “وقد كشفت نصوصه الشعرية عن حساسية لغوية عالية، وقدرة على التكثيف والإيحاء، وانشغال دائم بأسئلة الذات والزمن والهوية”. وربما كان هذا البعد الشعري أحد الأسرار التي منحت كتاباته النقدية ذلك النفس التأملي واللغة المفعمة بالإشارات والدلالات.

معارك التنوير

ينتمي سعيد السريحي إلى الجيل الذي أسهم في ترسيخ خطاب الحداثة النقدية في السعودية إلى جانب عدد من الأسماء البارزة، مثل عبدالله الغذامي وسعد البازعي ومعجب الزهراني وغيرهم. وقد خاض هذا الجيل معارك فكرية وثقافية مهمة من أجل توسيع أفق القراءة والتأويل، وإدخال المناهج النقدية الحديثة إلى الساحة الثقافية العربية.

واجه الكثير من الانتقادات بسبب مواقفه الفكرية الجريئة ودفاعه عن حرية التفكير والاجتهاد الثقافي، لكنه ظل مؤمناً بأن التغيير الفكري عملية تاريخية طويلة تحتاج إلى الصبر والحوار والعمل المتواصل.

وتشكل قضية حجب شهادة الدكتوراه الخاصة به، رغم إجازة رسالته العلمية، واحدة من أكثر المحطات دلالة في مسيرته الفكرية. فقد تحولت هذه القضية إلى رمز للصراع بين الفكر النقدي الحداثي وبعض الاتجاهات المحافظة داخل المؤسسة الأكاديمية.

غير أن هذه التجربة لم تدفعه إلى الانكفاء أو التراجع، بل زادته إصراراً على الدفاع عن حرية البحث العلمي واستقلال المعرفة، وأصبحت مثالاً على قدرة المثقف على تحويل المحنة إلى مصدر للتجدد والإبداع.

لقد ترك الناقد والشاعر سعيد السريحي إرثًا غنيًا يتجسد في أكثر من 14 كتابًا تسلّط الضوء على موضوعات متنوعة تجمع بين النقد الأدبي والشعر والفكر الاجتماعي. ومن بين مؤلفاته الأخيرة التي حظيت باهتمام واسع، كتابه “كي لا نصحو ثانية”، الذي تناول فيه بعمق وتحليل دقيق خطاب الصحوة وآليات نشوء هذا الخطاب وتأثيره في المملكة العربية السعودية خلال العقود الأربعة الماضية.

إضافة إلى ذلك، ساهم الراحل السريحي في إثراء الساحة الفكرية من خلال عشرات المقالات التي نُشرت في الصحف والمجلات الفكرية، فضلاً عن مشاركته في العديد من الكتابات المشتركة التي تناولت قضايا ثقافية وأدبية واجتماعية، ما جعلها مادة خصبة للعديد من الدراسات الأكاديمية التي حاولت فهم واستكشاف محاور فكره النقدي والشعري. بهذا، يُعتبر سعيد السريحي أحد الأصوات الفكرية البارزة التي ساهمت في تشكيل المشهد الثقافي.

على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، لعب السريحي دوراً مؤثراً في الصحافة الثقافية السعودية، ولاسيما من خلال كتاباته في صحيفة “عكاظ” وزاويته الشهيرة “ولكم الرأي”. وقد استطاع من خلالها أن ينقل النقاش النقدي من النخبة الأكاديمية إلى المجال العام، وأن يساهم في نشر ثقافة السؤال والتفكير النقدي بين جمهور واسع من القراء. “وكان يكتب بلغة تجمع بين العمق والوضوح، وتوازن بين الرؤية الفكرية والقدرة على التواصل مع القارئ العادي، وهو ما منح كتاباته حضوراً وتأثيراً مستمرين”.

إرث باقٍ وغياب موجع

لم يقتصر تأثير سعيد السريحي على المشهد الثقافي السعودي، بل امتد إلى مختلف العواصم العربية والعالمية. فقد شارك في مؤتمرات وندوات فكرية في باريس والقاهرة والرباط وبغداد وزيورخ وغيرها، وأسهم في لجان تحكيم عدد من الجوائز الأدبية العربية المرموقة. وقد جعل منه هذا الحضور أحد أبرز الوجوه التي مثلت الثقافة السعودية الحديثة في المحافل العربية والدولية، وأسهم في تعزيز الحوار الثقافي بين العالم العربي والفضاءات الثقافية الأخرى.

برحيل سعيد السريحي فقدت الثقافة العربية واحداً من أبرز أصواتها النقدية وأكثرها استقلالاً وعمقاً. غير أن أثره سيبقى حاضراً في كتبه ودراساته ومقالاته وطلابه، وفي الأجيال التي تعلمت منه قيمة السؤال وفضيلة الشك المعرفي وأهمية الحرية الفكرية.

لقد كان من القلائل الذين جمعوا بين المعرفة الموسوعية والحس الإنساني الرفيع، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على الحداثة، وبين الصرامة الفكرية والتواضع الشخصي. ولذلك فإن إرثه يتجاوز حدود النقد الأدبي ليصبح جزءاً من تاريخ التنوير الثقافي العربي المعاصر.

لم يكن سعيد السريحي ناقداً يكتفي بشرح النصوص أو إصدار الأحكام عليها، بل كان مفكراً جعل من السؤال منهجاً، ومن التأويل أداة للمعرفة، ومن النقد فعلاً ثقافياً يسعى إلى كشف ما تستبطنه الخطابات من قيم ومسلمات. وقد ظل طوال مسيرته مؤمناً بأن الثقافة الحية هي التي تمتلك شجاعة مراجعة ذاتها، وأن الحداثة ليست قطيعة مع التراث، بل حواراً متجدداً معه.

رحم الله سعيد السريحي، فقد عاش للكلمة الحرة، وترك وراءه أثراً سيظل حاضراً في الذاكرة الثقافية العربية لسنوات طويلة، شاهداً على سيرة مثقف آمن بالمعرفة، ودافع عن الحرية، وجعل من النقد طريقاً إلى الفهم والتنوير.

العرب اللندنية




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية