سبعون عاماً على نكبة الحق الفلسطيني

4275
عدد القراءات

2018-05-15

بعد سبعين عاماً على احتلالها، لا تزال فلسطين المسألة الأكثر تقدميةً وإنسانيةً وحقاً في العالم، وهي مسألةٌ صنعها العالم نفسه، مستخدماً أكثر أدواته رجعية رغم تقدمه ومعرفته ودعاواه للحرية وحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، غير أنه قام بتكريس احتلال فلسطين.

واليوم، من غير المهم ربما، بناء بكائياتٍ وتكريس خساراتٍ من أجل "النكبة"؛ إذ يبقى العرب والفلسطينيون، الآملون ببناء سرديةٍ عربية فكرية وإنسانية، متفقين ربما أنّ أي مستقبلٍ يحلمون به، مرهونٌ بفلسطين وتحريرها من القمع، ويتطلب هذا تجاوز "النكبة"، التي لا بد من طرح السؤال التاريخي حولها؛ من أين بدأت، ولماذا؟

حاولت بريطانيا منع قيام أي كيانٍ فلسطيني مستقل أو نمط حكم دستوري وحاولت خلق انقساماتٍ طائفية

وكالة تهجير واستعمار

حين حاصر نابليون بونابارت مدينة عكا العام 1799م، كان واثقاً أنه سوف يصل منها إلى القدس، ليقوم من هناك بإعلانٍ يقضي "بعودة يهود العالم من الشتات" إلى فلسطين، لكن ذلك لم يتحقق؛ لأن نابليون تحطم على أمواج شاطئ عكا أولاً ولم يحتلها، ولأن بريطانيا الاستعمارية لم تكن لتتحالف مع عدوها آنذاك (فرنسا)، من أجل أي مشروع.

لكن محاولة نابليون الفارغة تلك، تركت أثراً يكمن في تحفيز الانتباه إلى ما يسمى "القضية اليهودية واستقلال اليهود". بعد هذا بعقود، كانت بريطانيا أتمت احتلال فلسطين في العام 1917، ورافق هذا الاحتلال ظهور أكثر وضوحاً لما كانت تسمى "الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل"، والتي سوف تسمى لاحقاً "الوكالة اليهودية لإسرائيل".

مهد اليهود خلال القرن الثامن عشر لاحتلال فلسطين من خلال ترسيخ رواية توراتية حول اليهود وشتاتهم

وفي كتاب "القضية الفلسطينية: خلفيات تاريخية"، والصادر عن مركز الزيتونة للدراسات ببيروت، يقول الباحث محسن صالح إنّ بريطانيا "حاولت منع قيام أي كيانٍ فلسطيني مستقل أو نمط حكم دستوري، وحاولت خلق انقساماتٍ طائفية، كما ضيقت على الفلسطينيين سبل العيش".

ووفقاً لمحسن، فإنها بالمقابل "منحت مندوبيها السامين؛ ومنهم يهود، صلاحياتٍ مطلقة، كما دعمت الوكالة اليهودية لزيادة عدد اليهود داخل فلسطين بين 1918 و1948 ليصبح حوالي 646 ألف يهودي شكلوا 31% من السكان".

ويذكر التاريخ، وفقاً لمؤرخين عرب ويهود، أنّ اليهود مهدوا خلال القرن الثامن عشر من أجل احتلال فلسطين، من خلال ترسيخ رواية توراتية حول اليهود وشتاتهم الذي لن "يلتئم إلا في أرض فلسطين"، وفي كتب؛ منها "تفكيك الصهيونية" لجياني فاتيمو ومايكل ماردر، وكتاب "المفاهيم الصهيونية للعودة" وهو من تأليف غابرييل بيتربيرغ، يمكن للقارئ تتبع مسيرة السياسي الصهيوني "ثيودور هرتزل" في أوروبا.

العروبة الحديثة بدأت بصدمةٍ مشتركة هي احتلال فلسطين فتشكلت عروبة الأنظمة والحركات السياسية خلافاً لعروبة النهضة الفكرية

كما يمكن تتبع الشخصيات اليهودية التي حاولت بناء سردية ثقافية في أوروبا تدعم حقوق اليهود المشردين قبل الحرب العالمية الثانية، كالصحفي اليهودي في فرنسا "برنارد لازار"، حيث أسهم مع هرتزل، ومناحيم بيغن، وغيرهم، في تشكيل "رؤية لليهودي الجبان والمعزول في أوروبا، الذي لا خلاص له ولليهود في العالم، إلا من خلال وطن، يكفر فيه اليهود عن تيههم، ويبنون فيه "هويةً يهودية وقومية يهودية".

ولعل أموال اليهود، وكل هذه التسهيلات والدعايات، إضافة لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وتمزيق العالم العربي من خلالها، أسهمت في دعم دور "الوكالة اليهودية"، التي بدأت تبذل كل الوسائل الممكنة، من خلال وسطاء أو مباشرة، أو من خلال الخداع، في شراء "أرض الأحلام والخلاص"، لمن سوف يصبحون الصهاينة بعد حين، ويمثلون القمع والاحتلال، لا الخلاص ولا الإنسانية.

ربطت "إسرائيل" نفسها عملياً بالقوى الاستعمارية اما نظرياً فأظهرت أنها مثال الحرية والتقدم

إعلان عن تهجير شعب

ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية، مخلفة الدمار والجثث في أوروبا، إضافةً إلى شبح وحشٍ مرعب اسمه "هتلر"، حتى تعالى النواح اليهودي فوق أصوات الشعوب الأوروبية؛ إذ بدت أوروبا التي مزقتها الحرب، لا تزال تضم أوطاناً لأصحابها، عدا اليهود، الذين ركزوا على صورة "محارق" هتلر بحقهم؛ فبدأوا يعملون بجد من أجل اختلاق وطن.

وكانت أوروبا بعدما بدأت تتفشى فيها إعلانات "حقوق الإنسان"، ومصطلح "جرائم الحرب" "أخذت تبحث عن طريقة للتخلص من أزمتها الاخلاقية تجاه اليهود" كما يرد في مقالة للفيلسوف سلافوي جيجيك ضمن كتاب "تفكيك الصهيونية".

وشهدت فترات العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، تمهيد بريطانيا والوكالة اليهودية، وبالعودة إلى الباحث محسن صالح، فإنّ "بريطانيا نزعت أسلحة الفلسطينيين، وجرمت حمل السلاح، بينما ساهمت بحلول عام 1948، بتسليح 64 ألف من مقاتل من عصابة الهاغاناه الصهيونية، و5 آلاف من الأرغون وشتيرن". وبدا واضحاً، أنّ ما أقنع به اليهود العالم على أنه "مأساتهم"، لن يكون سوى مأساةً للفلسطينيين، ابتداء من قرار تقسيم فلسطين عام 1948 في الأمم المتحدة.

أوروبا بعدما بدأت تتفشى فيها إعلانات "حقوق الإنسان" أخذت تبحث عن طريقة للتخلص من أزمتها الاخلاقية تجاه اليهود

وعلى صدى التقسيم، أعلن الصهيوني، وأول رئيس وزراء لـ"إسرائيل"، ديفيد بن غوريون، ما أسماه "وثيقة استقلال إسرائيل"، بتاريخ 14 أيار (مايو) 1948 حيث قال فيه متناسياً وجود شعب فلسطيني، ووجود ثقافة وديانات وتاريخ في فلسطين "سعى اليهودي في كل جيل للعودة والتوطن في وطنه القديم؛ وفي الأجيال الأخيرة عاد اليهود إلى بلادهم جماعات وطلائعيين ومغامرين ومدافعين، فأحيوا القفار وأحيوا لغتهم العبرية وشيدوا قرى ومدناً وأقاموا مجتمعاً استيطانياً متنامياً يتحكم في اقتصاده وثقافته، ينشد السلام ويدافع عن نفسه".

ويتضح من هذه الوثيقة، كيف ربطت "إسرائيل" نفسها عملياً بالقوى الاستعمارية، حتى تحتل فلسطين، كما يتضح الانفصام منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، من خلال طرحها نفسها على الصعيد النظري، على أنها نتاج "الاستقلال والحرية والتقدم".

ومنذ ذلك التاريخ، ودولة الاحتلال الصهيوني، تعمل على إنكار الزمان والمكان على التاريخ الفلسطيني، ولم يكن حال العرب الذين هزمت جيوشهم عامي 1948 و1967 بأفضل؛ إذ كانوا لا يزالون غارقين في مستنقع جيوشهم الضعيفة، وبحثهم عن هويات قطرية تميزهم وتجعلهم مستقلين عن الاستعمار.

وإن هذا اليوم، "النكبة"، ليس سوى صدع في التاريخ العربي؛ فمنذ احتلال فلسطين، بدأ التاريخ العربي يبنى على ردود الأفعال، ولم يعد تاريخاً طبيعياً ينمو ويتقدم بفعل دوافعه الذاتية.

سبعون عاماً على احتلال فلسطين، تكفي لإقناع أي إنسان، أنّ العروبة الحديثة بدأت بصدمةٍ مشتركة هي احتلال فلسطين، فتشكلت عروبة الأنظمة، والحركات السياسية، خلافاً لعروبة النهضة الفكرية التي كانت تباشيرها تلوح في القرن التاسع عشر.

هجر الفلسطينيون من 418 مدينة وقرية فلسطينية كانت موجودة كلها قبل الاحتلال، ليبقوا ضائعين بحثاً عن الزمان والمكان المأمولين، أما العرب، فتبقى سرديتهم؛ التقدمية والفكرية والإنسانية قيد الجمود، ما دامت فلسطين محتلة، وبخصوص دولة الاحتلال، فإنّها تظلّ قيد التساؤل، كونها كياناً غير شرعي طالما يمارس القمع والعنف والتهجير، إلا أنّه لا يمكنها بأي حال، إلغاء فلسطين، أما النكبة التي وصل العالم العربي إليها، ولم يمش أبعد، فإلغاؤها، ربما، مقرون باتخاذ الطريق من جديد، نحو الحرية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: