قبل أيام من حلول شهر رمضان لا ينشغل سكان غزة برصد الهلال فقط، وإنّما ينشغلون أيضاً برصد رغيف الخبز، وسعر كيلو الطحين، وقدرة العائلة على تجهيز مائدة الإفطار، هنا لا يسبق الشهر الفضيل زينة الشوارع بقدر ما تسبقه حسابات دقيقة، ومخاوف صامتة.
أحمد أبو ناموس من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة يتحدث عن الاستعدادات لرمضان في واقع يثقل كاهل الشباب والعائلات، ويبدأ حديثه بنبرة هادئة لكنّها مثقلة، ويقول: "قبل سنوات كنا نفرح عندما نسمع أنّ رمضان على الأبواب، الآن أول فكرة تخطر في بالي هي كيف نوفر احتياجاته؟".
وكان البنك الدولي قد قال إنّ كل سكان قطاع غزة يعانون من الفقر مع بلوغ نسبته 100%، وأشار إلى أنّ التضخم تجاوز 250%، بسبب تبعات حرب إسرائيل المستمرة على القطاع.
جاء ذلك في تقرير صادر عن البنك بعنوان "التحديث الاقتصادي الفلسطيني" مع قرب إكمال الحرب الإسرائيلية على القطاع التي تسببت بنزوح نحو مليوني إنسان.
وذكر البنك أنّ النظام التعليمي في غزة قد انهار، وتضرر النظام الصحي كثيراً، ولم تعد 80% من مراكز الرعاية الأولية تعمل، وبلغت نسبة الفقر 100%، وارتفعت في الضفة الغربية من 12% إلى 28%".
رمضان يقترب والقلق يزداد
يقول أبو ناموس: "قبل رمضان بأسابيع تبدأ العائلة بوضع قائمة صغيرة بالمستلزمات، تمر، وأرز، وعدس، وزيت، وسكر، لكنّ القائمة، كما يصفها، يُحذف منها أكثر ممّا يُشترى، فنحن نكتب ما نحتاجه، ثم نبدأ بالحذف، وهذا العام حذفنا اللحوم من البداية، حتى الحلويات صارت رفاهية".
ويتوقف طويلاً ، ثم يقول: "الرغيف صار معيار اليوم، أخرج باكراً لأقف في الطابور، وأحياناً أعود دون أن أحصل على الكمية التي تكفي أهل البيت".
ويتساءل كيف سيبدو الإفطار في أول أيام رمضان، ويقول: "لا أريد أن يشعر إخوتي الصغار بالنقص، نحاول أن نصنع أجواء ولو بسيطة، حتى لو كان الإفطار خبزاً وزيتاً، المهمّ أن نجلس معاً".
الأسواق ازدحام بلا قدرة على الشراء
وحين سألناه عن شعوره الشخصي، أجاب بصراحة: "أصعب شيء أن ترى أمك تفكر كثيراً قبل أن تشتري شيئاً، كانت هي من تبادر بشراء مستلزمات رمضان، الآن تنتظر أن يتوفر المال أوّلاً".
وفي جولة بأحد الأسواق الشعبية، يصف أبو ناموس المشهد: "الأسواق مزدحمة، لكن ليس كل من يسأل يشتري، فالناس تسأل عن السعر ثم تبتسم، وتقول إن شاء الله لاحقاً".
ويوضح: "بعض العائلات تعتمد على الاستدانة من البقالين، وهناك دفاتر ديون مفتوحة منذ أشهر، والكل يؤجل السداد إلى وقت غير معلوم، وحين تصل مساعدات غذائية يكون هناك ارتياح مؤقت، لكنّها لا تكفي طويلاً، رمضان شهر كامل، وليس يوماً واحداً."
ورغم كل الضغوط، يؤكد أبو ناموس: "الجانب الروحي يظل حاضراً بقوة، وقبيل رمضان نكثر من الدعاء، ونشعر أنّ الشهر فرصة لإعادة ترتيب الداخل، حتى لو كان الخارج مضطرباً."
مائدة تتساءل لكنها تُجهز
ويسترجع ذكرياته عن طفولته، ويقول: "كنا نعلق الفوانيس على باب البيت، ونعدّ الأيام بحماس، اليوم لا نملك زينة كثيرة، لكننا نحاول أن نحافظ على الروح، فوالدتي تقول دائماً البركة أهمّ من الكثرة، ونحاول أن نصدق ذلك."
وحين سألناه عن معنى عبارة "مائدة تتساءل"، أجاب بعد لحظة صمت: "لأنّها لا تعرف ماذا سيوضع عليها، كل يوم مختلف عن الآخر، لكننا في النهاية نعدها بما تيسّر، فقد لا تكون المائدة مليئة، لكنّها لا تخلو من المحبة، وهذا ما نحاول التمسك به."
ويتابع: "كثير من شباب غزة يعانون من البطالة، أنا أحمل شهادة جامعية، لكنّ العمل نادر، وأفكر أحياناً لو كان لديّ دخل ثابت، لتغيرت أشياء كثيرة، ليس فقط في رمضان، بل في العام كله."
ويرى أبو ناموس أنّ الضغط النفسي يزداد قبيل الشهر الكريم، ويبين: "رمضان يُفترض أن يكون شهر راحة وعبادة، لكنّ التفكير في المصاريف يسرق جزءاً من صفائه، فربما لا نملك الكثير، لكننا نملك بعضنا البعض، وهذا ما يجعلنا نستقبل رمضان، مهما كان ثقيلاً."
الرغيف محور اليوم
الفلسطيني إسماعيل شملخ (46 عاماً) من حي الصبرة شرق مدينة غزة، يعيش مع أسرته المكوّنة من سبعة أفراد، يروي تفاصيل الاستعداد لرمضان في واقع يفرض حساباته القاسية.
يبدأ شملخ حديثه بابتسامة خفيفة قائلاً: "قبيل رمضان كانت أمي تخرج أواني خاصة لا تستخدم إلا في هذا الشهر، الآن نستعد بالصبر أكثر ممّا نستعد بالطعام."
يعمل شملخ في أعمال مؤقتة وغير ثابتة، وهو ما يجعل دخله متذبذباً، يقول: "فكرة تخزين مؤونة رمضان باتت شبه مستحيلة، لأننا نشتري يوماً بيوم، ولا نستطيع أن نخزن شيئاً، لأننا لا نعرف ماذا سيحدث غداً."
ويتحدث عن الخبز كأنّه يتحدث عن سلعة نادرة، ويوضح: "الرغيف هو الأساس، فإن توفر، شعرنا أنّ اليوم يمكن أن يمضي بسلام، فأكثر ما يقلقني أن يأتي المغرب ولا يكون لدينا ما يكفي، ليس لأننا لم نجرب ذلك من قبل، بل لأنني أريد أن أحمي إخوتي من هذا الشعور."
ويصف مشهد الطوابير قبيل رمضان: "الناس تتزاحم، وكل واحد يحمل همّ عائلته، وترى القلق في العيون، ولا أحد يريد أن يعود إلى بيته خالي اليدين."
الأسواق حركة بلا طمأنينة
قبل أسبوع من رمضان جلست الأسرة كما يروي شملخ لكتابة احتياجات الشهر: "كتبنا تمر، وعدس، وأرز، وزيت، وبعض العصير، ثم بدأنا نسأل: ما الضروري فعلاً؟، ثم يضيف: "حذفنا العصير، وقلنا الماء يكفي، وحذفنا أيّ شيء يمكن الاستغناء عنه، حتى التمر اشترينا منه كمية قليلة جداً."
ويوضح شملخ: "الأسواق قبيل رمضان تعكس مفارقة واضحة، فالازدحام موجود، لكنّ القدرة الشرائية ضعيفة، والناس تريد أن تشعر أنّها تستقبل رمضان ولو بشراء كيلو واحد من شيء ما."
ويضيف: "أفكر دائماً ماذا لو كان لديّ عمل ثابت؟ وماذا لو استطعت أن أملأ المائدة كما كانت تفعل أمي قديماً دون حساب كل قرش، فرمضان يذكّرني بكل ما لم أستطع تحقيقه."
ومع ذلك لا يخلو حديثه من بصيص أمل: "رمضان ليس طعاماً فقط، هو اجتماعنا حول طبق بسيط، وضحكة أخي الصغير حين نحاول تزيين البيت بورق ملوّن صنعناه بأيدينا."
زيادة الأعباء المالية
يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "الحرب المستمرة على غزة أدت إلى انخفاض القدرة الشرائية بشكل ملموس، وهو ما جعل الأسر في غزة تركز على أساسيات الغذاء فقط، وتقلل من فرص الاحتفال بالشهر كما جرت العادة، حتى أصبح رمضان اختباراً للمرونة الاقتصادية للعائلات."
يقول جودة: "ارتفاع الأسعار يزيد من العبء المالي، ويجبر الأسر على تقليل الكميات أو الاستغناء عن بعض الأصناف، وهذا قد يؤثر على التغذية المتوازنة للأطفال وكبار السن، ويزيد الحصار من ندرة السلع وارتفاع تكلفتها، ممّا يضغط على الأسر ويجعل رمضان أكثر تحدياً، خصوصاً فيما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية."
ويضيف: "القدرة الشرائية تراجعت بشكل كبير بسبب التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فالأسر أصبحت تنفق نسبة أكبر من دخلها على الطعام وحده مقارنة بالسنوات السابقة."
ويوضح جودة: "نقص السلع الأساسية يغيّر من عادات الاستهلاك، فقد تستبدل المكونات التقليدية ببدائل أقلّ تكلفة، وهو ما يخلق شعوراً بالنقص والحرمان النفسي، خصوصاً في الأطعمة التي ترتبط بالطقوس الرمضانية.
ويتابع: "تتحمّل الفئات الأكثر هشاشة العبء الأكبر، والأسر الغنية أو المتوسطة قد تجد بدائل، بينما الأسر الفقيرة قد تضطر لتقليص وجباتها أو الاعتماد على الدعم الإغاثي."
ويؤكد أنّ "التضامن المحلي يخفف من حدة الضغط المالي ويعزز الروابط الاجتماعية، فمشاركة الطعام أو تبادل الموارد الصغيرة تخلق شبكة أمان اجتماعية مهمة، خصوصاً للأسر الأكثر هشاشة."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

