"داعش" يزرع الفتنة بين الأردن وسوريا

"داعش" يزرع الفتنة بين الأردن وسوريا

"داعش" يزرع الفتنة بين الأردن وسوريا


29/10/2026

خلف الطاهات

لم تكن الضربة الجوية التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني ضد أوكار تنظيمات إرهابية في جنوب سوريا فعلًا معزولا عن سياقه الأمني والسياسي.

بل جاءت في لحظة بالغة الحساسية أعقبت الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، والذي أوقع شهداء وجرحى بين المواطنين الأردنيين.

وقد أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن العملية، التي حملت اسم «الردع الأردني ـ حمود»، استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية مرتبطة بالجهات التي وقفت وراء الاعتداء. 

لقد فرضت التطورات الأخيرة على الأردن أن يتعامل مع الخطر كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. فالجنوب السوري ما زال منطقة رخوة أمنيا، وقابلا للاختراق من جانب خلايا داعش، وشبكات التهريب، وتجار المخدرات، وسائر الجماعات المسلحة التي نشأت في بيئة الفوضى الممتدة منذ سنوات. كما أن سيطرة الدولة السورية على أجزاء من هذه المنطقة لا تزال محدودة، الأمر الذي جعلها ممرا للسلاح والمخدرات والعناصر التكفيرية نحو الأراضي الأردنية.

وفي مثل هذا الواقع، لا يمكن مطالبة الدولة الأردنية بالانتظار حتى تصل النيران إلى داخل حدودها. فحماية أرواح المواطنين، وصون أمن المجتمع، ومنع استهداف دور العبادة، مسؤولية سيادية لا تقبل التأجيل. 

ومن حق الأردن، بل من واجبه، أن يمتلك سياسة ردع قوية تحول دون انتقال الفوضى والخراب من الجنوب السوري إلى أرضه، وأن يلاحق مصادر التهديد عندما تعجز المناطق الخارجة عن السيطرة عن احتوائها.

غير أن الردع الأردني، والذي جله يتم بتنسيق مع الجانب السوري، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافا لسوريا أو عداءً لشعبها، بل باعتباره مواجهة للتنظيمات التي تستغل هشاشة الوضع السوري للإضرار بالبلدين معا. فالأردن لم يكن يوما جزءا من مشروع تقسيم سوريا، بل ظل، عبر مواقفه السياسية، يؤكد ضرورة الحفاظ على وحدتها الترابية واستعادة مؤسسات الدولة السورية قدرتها على بسط الأمن والسيادة على كامل أراضيها. 

ومن هذه الزاوية، فإن محاربة الأردن لداعش وشبكات المخدرات والجماعات التكفيرية تخدم بناء دولة سورية قوية وموحدة. فهذه التنظيمات لا تهدد الأردن وحده، بل تقوّض الدولة السورية نفسها، وتمنع استقرار الجنوب، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية ومشاريع التفكيك. وكل موقع تستعيده الدولة من أيدي المتطرفين والمهربين هو خطوة في اتجاه تثبيت وحدة سوريا، لا انتقاص منها.

وتتزامن هذه التحديات مع اضطرابات وقلاقل في الساحل والجنوب ودير الزور، بما يؤكد أن سوريا لا تزال تواجه مخاطر متعددة الأشكال، وأن إضعاف مؤسساتها أو ترك مناطق منها بلا حماية فعلية سيمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لإعادة إنتاج نفوذها. ولذلك، فإن المصلحة الأردنية والسورية تلتقيان عند هدف واحد وهو قيام دولة سورية قادرة على ضبط حدودها، واحتكار السلاح، وملاحقة التنظيمات الإرهابية، ومنع أراضيها من أن تكون منصة تهديد لدول الجوار.

ولا تقتصر معركة داعش على الميدان العسكري؛ فالتنظيم يحاول أيضا استثمار وسائل التواصل الاجتماعي في إشعال الفتنة بين الأردن وسوريا. ومن خلال نشر روايات مضللة، وتضخيم الخلافات، وتحويل أي حادث أمني إلى مادة للتحريض، يسعى إلى جرّ العلاقة بين البلدين إلى مربعات العداء. إن التنظيم الذي يعجز عن مواجهة الدولتين مباشرة يحاول تفكيك الثقة بين شعبيهما، وإقناع الرأي العام بأن الخصومة الأردنية السورية هي قدر محتوم.

وهنا تبرز أهمية الوعي السياسي والإعلامي؛ فالمستفيد الأول من القطيعة بين عمّان ودمشق ليس الشعب الأردني ولا الشعب السوري، بل داعش وشبكات الجريمة والفوضى. ولذلك فإن الحفاظ على قنوات الحوار والتنسيق لا يمثل تنازلا عن السيادة، بل يحرم التنظيمات المتطرفة من أهم أدواتها وهي التحريض، والشك، والانقسام.

وإذا كانت الضربة الأردنية قد أثارت نقاشا حول السيادة والضحايا المدنيين، فإن هذا النقاش ينبغي أن يُدار عبر القنوات الرسمية والتحقيقات المشتركة، لا عبر تحويله إلى خصومة شعبية أو حملة عداء متبادل. فاحترام السيادة السورية يقتضي تعزيز التنسيق مع دمشق، كما أن حماية الأمن الأردني تقتضي عدم تجاهل التهديدات المنطلقة من مناطق رخوة لا تزال السيطرة عليها ضعيفة.

إن حق الأردن في حماية مواطنيه لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لتعكير العلاقات الأخوية بين الشعبين، كما أن التعاطف مع المدنيين السوريين لا يجوز أن يُستخدم لتبرير نشاط الجماعات الإرهابية أو منحها فرصة الإفلات من الردع. المعادلة الصحيحة تقوم على الجمع بين الحزم في مواجهة الإرهاب، والحرص على حياة المدنيين، ودعم الدولة السورية في استعادة سيطرتها على كامل أراضيها.

وفي المحصلة، فإن الردع الأردني ليس مشروعا للعدوان، بل سياسة دفاعية فرضتها طبيعة التهديدات المحيطة. والأردن، وهو يحمي حدوده وأرواح مواطنيه، يدافع في الوقت نفسه عن حق سوريا في أن تكون دولة موحدة لا ساحة مفتوحة لداعش وتجار المخدرات وأمراء الفوضى. أما تحويل هذه المواجهة إلى عداء بين الأردن وسوريا، فليس إلا انتصارا مجانيا للتنظيمات التي تريد للحدود أن تبقى رخوة، وللعلاقات أن تبقى متوترة، وللدولتين أن تنشغلا بالصراع بينهما بدل مواجهة الخطر الحقيقي المشترك.

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية