"خيرت الشاطر": رجل الظل الذي حكم مصر من خلف الكواليس

"خيرت الشاطر": رجل الظل الذي حكم مصر من خلف الكواليس

"خيرت الشاطر": رجل الظل الذي حكم مصر من خلف الكواليس


10/06/2026

يمكن القول إنّ خيرت الشاطر (76 عامًا) كان الرجل الأول الذي يدير جماعة الإخوان من خلف الكواليس، وقد لعب دورًا كبيرًا في الحياة السياسية في مصر بعد أحداث 25 كانون الثاني (يناير) عام 2011، وكان له دور كبير في تعريف العالم الأوروبي والأمريكي بجماعة الإخوان المسلمين، حيث أنشأ موقع "إخوان ويب"، وهو الموقع الرسمي لجماعة الإخوان باللغة الإنجليزية، وخاطب من خلاله المراكز البحثية الغربية، وأنتج خطابًا معاصرًا ومتلونًا بلون مرحلته، كما تفعل الجماعة عادة، لتجييش الجموع الأوروبية والأمريكية وحضور الجماعة في العالم الغربي.

ومن خلال مقولته: "لا تخافوا منا" في صحيفة (الجارديان) زعم خيرت الشاطر أنّ الجماعة ترغب في التواصل والحضور السلمي، ووجد من خلالها طريقًا لجماعة الإخوان المسلمين الرسمية للتواصل مع المراكز الغربية، والمثقفين الغربيين، مستغلًا في ذلك إيمانهم بالعمل النضالي، وجاء مقاله هذا بعد الفوز الكبير لمرشحي جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصرية في عام 2005، وظهور المخاوف الغربية المعتادة من ظهور الإسلام السياسي، ونشرت هذه المخاوف في كتابات متعددة حول الصعود المقلق لما يُسمّى بتيار الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وقد كان تأسيس موقع "إخوان ويب" قبل ذلك سبيلًا لجعل خيرت الشاطر نموذجاً حوارياً لجماعة الإخوان المسلمين مع الغرب.

بدأ خيرت الشاطر عمله السياسي وهو في الصف الثاني الثانوي عام 1966، حين انضم لمنظمة الشباب الاشتراكي، ثم انخرط في العمل السياسي بعد عام 1967، وكان ضمن المؤسسين للعمل الإسلامي في جامعة الإسكندرية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وشارك في إقامة النشاط الإسلامي في الجامعة تحت مُسمّى "الجمعية الدينية"، التي تغير اسمها بعد ذلك ليصبح الجماعة الإسلامية. 

وانشق بعد ذلك عن الجماعة الإسلامية وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين عام 1974، وكان له الفضل في إقامة خطاب الجماعة مع المجتمعات الأوروبية والأمريكية، بإنشائه موقع "إخوان ويب"، وبث خطابًا وسطيًا من خلاله ودعا  إلى الجماعة بطريقة متزنة ومدروسة. وقد أتاحت له جماعة الإخوان أن يتدرج في المناصب، حتى وصل إلى منصب النائب الأول للمرشد العام محمد بديع. 

حصل الشاطر على بكالوريوس الهندسة، قسم الهندسة المدنية تخصص الهندسة الإنشائية والخرسانية، من كلية الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1974، وعمل معيدًا ثم مدرسًا مساعدًا بكلية الهندسة جامعة المنصورة،  حتى عام 1981 حين أصدر الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات قراراً بنقله خارج الجامعة مع آخرين ضمن قرارات أيلول (سبتمبر) 1981، ممّا اضطره للعمل بالتجارة وإدارة الشركات والبنوك. وسافر إلى بريطانيا عام 1983 لدراسة الدكتوراه واستمر فترة فيها ثم تركها للعمل بالتجارة، وكان له نشاط سياسي معروف، وهو من المنشقين عن الجماعة الإسلامية، وانضم لجماعة الإخوان المسلمين عام 1974، وتدرج فيها حتى أصبح عضوًا في مكتب الإرشاد للجماعة عام 1995، والنائب الثاني للمرشد محمد مهدي عاكف، والنائب الأول لمحمد بديع المرشد وقت صعود الإخوان للسلطة في مصر. وكان خيرت الشاطر هو الخيار الأول للترشح للرئاسة في عام 2012، وتم استبعاده وحل محله محمد مرسي الذي فاز بكرسي السلطة حينها. 

عمله التنظيمي 

كان عمل خيرت الشاطر السياسي قرينًا لعمله التنظيمي، فهو لم يعمل سياسيًا إلا من خلال تنظيم ما، فلم يُغادر تنظيم الجماعة الإسلامية إلا وانضم لجماعة الإخوان المسلمين، وهذا ما دفعه للاحتكاك بالنظم السياسية القائمة وسجنه ست مرات، أوّلها في عام 1968 في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، لاشتراكه في مظاهرات الطلاب في تشرين الثاني (نوفمبر) 1968 حيث سجن أربعة أشهر، وفُصل من جامعة الإسكندرية، وجُنِّد في القوات المسلحة في فترة حرب الاستنزاف قبل الموعد المقرر لخدمته العسكرية.

في عام 1991 اجتمع قادة التنظيم العالمي المعروف إعلاميًا بالتنظيم الدولي بمدينة إسطنبول في تركيا. وتقدم مصطفى مشهور أستاذ خيرت الشاطر، المعروف حركيًا آنذاك باسم أبو هاني، باقتراح إلى هيئة المكتب حمل عنوان: "إعادة تقييم المرحلة الماضية من عمر التنظيم العالمي"، وأكد في اقتراحه الانطلاق ممّا قدمه حسن البنا، ثم بعد ذلك يُحدد سبل ووسائل التغيير التي حددها بوسائل التغيير المباشرة، وهي: النضال الدستوري، والانقلاب العسكري، والجهاد المسلح، ووسائل غير مباشرة، وهي: العمل الجماهيري ونشر الفكرة. 

وسُمّي هذا المقترح بخطة "التمكين"، وبناء عليه وُضعت خطة عمل كاملة، وإعادة هيكلة إدارية لتنظيم الإخوان المسلمين، ووضعت على ديسكات كمبيوتر في مقر شركة السلسبيل للمشروعات التي أسسها المهندس محمد خيرت الشاطر وحسن مالك للعمل في مجال الحاسبات ونظم المعلومات، كانت هذه الشركة عبارة عن غطاء تعمل تحته جماعة الإخوان المسلمين حينها. 

وبعد تردد أعضاء جماعة الإخوان على مبنى الشركة في شارع الحجاز بمصر الجديدة في أوقات متأخرة عن أوقات العل، بدأت أجهزة الأمن عملها، وفي التاسعة مساءً هاجمت قوات الأمن مقر الشركة الدولية للتنمية والنظم المتطورة "سلسبيل"، وتم القبض على خيرت الشاطر وحسن مالك وطاهر عبد المنعم وحوالي 85 عضوًا من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم جمعة أمين ومحمود عزت.

وفور مهاجمة أجهزة الأمن للعقار حاول أعضاء الجماعة التخلص من الوثائق التي بحوزتهم، وكان منها خطة التمكين مكتوبة بخط يد خيرت الشاطر وتحمل توقيعه. وكانت عبارة عن خطة للاستيلاء على الحكم، بالتنسيق مع بعض عناصر الأمن، وحُكم على خيرت الشاطر بالسجن لمدة عام في هذه القضية التي أخذت اسم "سلسبيل" عام 1992. 

وكان حضوره التنظيمي الأبرز بعد ذلك فيما سُمّي بميليشيات الأزهر عام 2007، حيث قام الطلاب المنتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين في جامعة الأزهر بعرض عسكري داخل الجامعة، وهو ما يُعدّ تهديدًا صريحًا للدولة، حيث تعدّ الجماعة نفسها قوة موازية للدولة وتملك منظمة عسكرية، وتعلن قدرتها من خلال هذا العرض، وألقي القبض فيها على نحو 140 متهماً من جماعة الإخوان المسلمين، على رأسهم محمد خيرت الشاطر، النائب الثاني لمرشد الجماعة، والدكتور محمد علي بشر، عضو مكتب الإرشاد، وحسن مالك، وبينهم نحو 97 طالباً بجامعة الأزهر.

وحُكم على خيرت الشاطر بالسجن 14 عامًا في هذه القضية، ولكنّه خرج بعد أحداث فتح السجون إثر أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011، التي كان الهدف منها خروج أعضاء الجماعة من السجون، وكان هذا الحكم سببًا في خروجه من انتخابات الرئاسة عام 2012، وبعد ثورة 30 حزيران (يونيو)، وفشل جماعة الإخوان السياسي، ولفظها اجتماعيًا، واللجؤ لقتل المتظاهرين ومحاولة لي ذراع الدولة، ألقي القبض عليه بتهمه التحريض على قتل المتظاهرين السلميّين أمام مكتب الإرشاد في المُقطّم والتخابر مع دولة أجنبية ضد جمهورية مصر العربية، وأودع في سجن طرّة.

ويُعتبر خيرت الشاطر العقل التنظيمي والاقتصادي الأبرز داخل جماعة الإخوان المسلمين خلال العقدين السابقين لثورة 2011. فقد جمع بين النفوذ التنظيمي والثروة الاقتصادية، وأدار شبكة واسعة من الأنشطة والاستثمارات المرتبطة برجال أعمال مقربين من الجماعة، وهو ما جعله يوصف في عدد من الدراسات بأنّه الممول الرئيسي والاستراتيجي الأهم داخل الإخوان. ونفوذه لم يكن نابعًا فقط من موقعه الرسمي كنائب للمرشد العام، بل أيضًا من قدرته على بناء شبكات اقتصادية وتنظيمية عززت حضور الجماعة السياسي والاجتماعي.

أمّا فيما يتعلق بفترة حكم محمد مرسي، فقد ظلّ الشاطر الشخصية الأكثر تأثيرًا داخل بنية القرار الإخوانية حتى بعد وصول مرسي إلى الرئاسة. ذلك أنّ مرسي كان المرشح البديل للجماعة بعد استبعاد الشاطر من الانتخابات الرئاسية، كما أنّ قوة مرسي داخل التنظيم ارتبطت بدرجة كبيرة بعلاقته بالشاطر. ورأت بعض التقديرات أنّ الشاطر كان يمارس نفوذًا واسعًا على التوجهات السياسية والاستراتيجية للجماعة خلال فترة الرئاسة، الأمر الذي دفع المعارضة إلى وصفه بأنّه "صاحب النفوذ الفعلي" أو "الرجل الأقوى" داخل الإخوان، وإن ظل محمد مرسي الرئيس الرسمي للدولة وصاحب الصلاحيات الدستورية. 

في 15 حزيران) يونيو)  2015أصدر قاضي محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بأكاديمية الشرطة الحكم بإعدام خيرت الشاطر ومحمد البلتاجي وعدد من قيادات الإخوان في القضية المعروفة بقضية التخابر مع حماس، وألغت محكمة النقض، في 22  تشرين الثاني (نوفمبر)  2016، الحكم السابق من محكمة الجنايات بإعدام خيرت الشاطر ومحمد البلتاجي وأحمد عبد العاطي في قضية التخابر مع حماس، وأصدرت قرارًا بإعادة محاكمتهم أمام دائرة أخرى.

وقضت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بسجن طرة "جنوبي القاهرة"، الأربعاء 11  أيلول (سبتمبر) 2019 ، بالسجن المؤبّد بحق مرشد الإخوان محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر وتسعة قياديين آخرين بالجماعة بتهمة التجسس لمصلحة حركة حماس الفلسطينية. وأصدرت محكمة النقض في التاسع من تمّوز (يوليو(  2020 حكمًا نهائيًا بالسجن المؤبد لكل من محمد بديع وخيرت الشاطر   و4 آخرين من قيادات جماعة الإخوان المسلمين في القضية المعروفة إعلاميا بـ "أحداث مكتب الإرشاد".

ظلّ اسم خيرت الشاطر مرتبطاً بمشروع التمكين الاقتصادي والتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين. فقد مثّل نموذجًا لقياديّ جمع بين إدارة الأعمال والعمل التنظيمي، وأسهم في بناء شبكة اقتصادية واسعة اعتُبرت من أهمّ أدوات الجماعة في التوسع والانتشار. وارتبط اسمه بوثيقة "التمكين" وخطة "فتح مصر"، التي أصبحت مشروعًا طويل المدى للوصول إلى السلطة وإدارة الدولة، كجزء من التخطيط السياسي والتنظيمي التآمري لإسقاط الدولة المصرية.

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية