"خليل عبد الكريم".. حين يصبح التاريخ الديني فعلاً بشرياً

"خليل عبد الكريم".. حين يصبح التاريخ الديني فعلاً بشرياً

"خليل عبد الكريم".. حين يصبح التاريخ الديني فعلاً بشرياً


10/08/2026

اختار من اللغة عتيقها، وأحياناً حوشيها، ليرسم طريقاً مغايراً نحو الحداثة والاستنارة؛ فانتصر للغة التراث، في الوقت الذي أخضع فيه مضامين هذا التراث لنقد كاسح. لقد اتخذ من لغة النص ذاته باباً للدخول إلى عالم اللاهوت وتفكيكه من الداخل، معيداً نسج الحكاية في سياق زمنها وبيئتها الأولى التي نبتت فيها. لقد وظف خليل عبد الكريم اللغة كعدسة فاحصة لتحقيق أهداف تحليلية نقدية في مشروعه؛ بدأت بنزع القداسة عن الواقعة النصية عبر التعامل معها كحدث تاريخي، ممّا حول النص المقدّس في قراءته من حقيقة مطلقة متعالية إلى "وثيقة تاريخية" تخضع للبحث والتمحيص. وبدلاً من لغة التبجيل التقليدية، اعتمد لغة التحليل الرصينة، الأمر الذي منحه جسارة غير مسبوقة في مقاربة ثالوث (النص، الدين، الدولة). وقد تعمد عبد الكريم استخدام مفردات واقعية حادة، وأحياناً قاسية، في وصف الشخوص والأحداث؛ هادفاً من ذلك إلى إخراج الجيل الأول من إطار القداسة المطلقة إلى رحاب البشرية؛ حيث تبرز الشخوص ككائنات إنسانية تخطئ وتصيب، وتتحرك بدوافع المصلحة، وتتصارع في فضاء الواقع الاجتماعي والسياسي.

لكي ندرك أصول ثورته العلمية وجذورها على الفهم الضيق للتراث، علينا العودة بالزمن إلى مرحلة انتمائه إلى جماعة "الإخوان المسلمين". كانت تلك التجربة، كما يصفها عبد الكريم دائماً، شديدة المرارة؛ إذ كانت الطاعة المفروضة تعطل العقل النقدي تعطيلاً تاماً، وتصوغه ليكون عقلاً خاضعاً على كافة المستويات؛ بدءاً من القبول التسليمي بالتفسيرات الكلاسيكية للنص، وصولاً إلى الانصياع التام لأسس التربية داخل التنظيم. انتمى عبد الكريم في شبابه إلى الجماعة واعتقل مرتين (1954 و1965)، لكنّ هذه المحطات القاسية مهدت لتحوله اللاحق نحو الفكر اليساري، ليصبح عضواً بارزاً في حزب التجمع، مازجاً في رؤيته الجديدة بين العدالة الاجتماعية والإسلام المستنير. ومن هذا المزيج قدّم منهجه التاريخي الاجتماعي في دراسة نشأة الإسلام؛ حيث شرع في تفسير الأحداث والطقوس الدينية بناء على الظروف السياسية والاقتصادية والقبلية السائدة في شبه الجزيرة العربية، مؤكداً أنّ القرآن "نص لغوي" لا يُفهم بمعزل عن سياقه الجغرافي والزماني "تاريخية النص".

تحت مجهر السوسيو-أنثروبولوجيا: إعادة قراءة الحكاية الدينية 

استخدم خليل عبد الكريم، بذكاء لافت وإبداع حقيقي، مناهج البحث والتحليل السوسيولوجية والأنثروبولوجية في إعادة قراءة التراث الديني؛ فلم يكتفِ بنقد النصوص، بل غاص في الوجود الاجتماعي الفعلي للشخصيات المؤثرة في إنتاجه. وفي هذا السياق تتبع تداخل الأساطير الشعبية مع المرويات الدينية، كاشفاً عن كيفية تحولها بمرور الزمن إلى "حقائق" مطلقة لا تقبل النقد. ولعل أهم ما يميز نتاجه الفكري هو قدرته على إعمال "الجهاز العلمي" في فحص التراث؛ فخليل عبد الكريم لم يقرأ التاريخ ليعيد تأكيده، بل ليعيد فتحه ومساءلته من جديد. وقد قادته هذه القراءة المنهجية إلى نتيجة محورية مفادها أنّ التاريخ ليس مقدّساً، بل هو فعل بشري بامتياز، تسبق فيه مصالح الفاعلين الاجتماعيين النص في كثير من الأحيان؛ الأمر الذي يثبت أنّ الضرورات الاجتماعية والاقتصادية كانت، وما تزال، هي المحرك الحقيقي للتشريع والقرار السياسي.

لعبت اللغة في كتابات خليل عبد الكريم دوراً محورياً؛ إذ لم تعد لديه مجرد وعاء للنقل، بل تحولت إلى أداة راديكالية لتفكيك الخطاب الديني التقليدي وإعادة بنائه. فقد اعتمد استراتيجية لغوية تهدف بالدرجة الأولى إلى كسر الهيبة المحيطة بالنص التاريخي، مفعلاً في سبيل ذلك لغة سوسيولوجية "اجتماعية" استبدل من خلالها المصطلحات اللاهوتية الغيبية بمصطلحات واقعية. تجلت أهم نتائج هذا المنهج العلمي في رفضه النظر إلى الأحداث بوصفها غيباً مطلقاً، بل قام بتحليلها، عوضاً عن ذلك، باعتبارها نتاج تفاعل بين قوى اجتماعية واقتصادية وقبلية، تشكلت في مراكز إنتاج الإيديولوجيا الدينية الجديدة في مكة والمدينة. وانطلاقاً من رؤيته أنّ الخطاب التقليدي يسجن العقل في قوالب لغوية قديمة تعيق الفهم المعاصر، صاغ عبد الكريم لغة فريدة تجمع بين الرصانة التراثية "المستمدة من خلفيته القانونية والأزهرية" وبين المنهج المادي التاريخي؛ ليثبت في نهاية المطاف أنّ التراث قابل للقراءة بعيون العصر، بعيداً عن أسر التفسيرات الرسمية.

اختراق المناطق الشائكة في التراث الديني: إثبات البُعد البشري في الوحي 

سعى خليل عبد الكريم إلى التنقيب في "الأنسنة" و"الظرف التاريخي" المحيط بنشأة الإسلام؛ ففي كتابه "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين"، صبّ تركيزه على السنوات التي سبقت البعثة، مستقصياً المؤثرات الثقافية والاجتماعية؛ كحضوره في مجالس ورقة بن نوفل والحنفاء، التي مهدت الأرضية لظهور الدعوة. وقد انطلق في دراسته من ضرورة منهجية تقضي بالفصل بين مقام "الرسالة" بوصفه وجوداً مقدّساً، ومقام "الرسول" كإنسان وقائد سياسي يتفاعل مع واقع اجتماعي شديد التعقيد. فمن خلال هذا الكتاب، لم يعد التاريخ بالنسبة إليه مجرد سرد للمقدّس، بل أصبح دراسة تحليلية تكشف كيف تشكلت النبوة داخل سياقها البشري والتاريخي، بعيداً عن القراءات التي تلغي دور الواقع في صياغة الحدث.

ينتقل عبد الكريم في مشروعه النقدي إلى فحص "النص المؤسس" (القرآن والسنّة)، لكنّه يركز سوسيولوجياً على "فترة التكوين" و"الجذور" باعتبارهما البنية التحتية لهذا النص. ففي كتابه الشهير "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية"، يعقد مقارنات لغوية وتاريخية تربط بين الشعائر الإسلامية والممارسات العربية قبل الإسلام؛ ليثبت أنّ الشريعة استوعبت المكوّن الثقافي والاجتماعي المحيط بها، وهو ما ينسجم مع رؤيته العميقة للدين بوصفه ظاهرة اجتماعية في أحد أهم أبعاده. وفي هذا السياق يوظف عبد الكريم مناهج "الأنثروبولوجيا الثقافية" ليبرهن على أنّ الكثير من التشريعات والطقوس، كالحج والصيام وتعظيم الكعبة، تضرب بجذورها عميقاً في الوجدان العربي قبل الإسلام؛ فهو يرى أنّ الإسلام لم يأتِ من فراغ مطلق، بل قام بعملية تهذيب وتقنين لممارسات كانت قائمة بالفعل. هذا التحليل ينقل النص، في قراءته، من كونه فكرة مفارقة للواقع إلى نص مستوعب للواقع ومطور له، ممّا يمنح الأحكام بُعداً تاريخياً يتصل بحركة المجتمع وتطوره. وبناء على هذا الطرح، فتح خليل عبد الكريم باباً واسعاً لفهم نسبية الأحكام المرتبطة بظرفها التاريخي، وهنا تحديداً تبرز غايته الكبرى في التفرقة الحاسمة بين "الدين" و"التاريخ"؛ إذ تهدف لغته دائماً إلى عزل الجانب الروحي المتسامي عن الجانب التدبيري الدنيوي الذي تشكل وفق مقتضيات الزمان وحاجات المكان.

محاور النقد الديني عبر تفحص "أحوال المجتمع"

يرصد خليل عبد الكريم علاقة جدلية عميقة تنتقل من النص إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي أنتجه؛ فهو يعبر من منطق "النص الجامد" إلى منطق "البشر المتفاعلين" معه تأثيراً وتأثراً، بدءاً من الرسول الذي حمله، مروراً بالصحابة الذين التفوا حوله، وصولاً إلى الجمهور المتنامي من المتلقين، مؤمنين كانوا أم معارضين. ومن هنا يأتي كتابه "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" كعمل مكمل وحيوي لفهم "النص المؤسس" من خلال سيرة صاحبه؛ حيث اعتمد فيه التحليل التاريخي المادي. فبدلاً من السرد التقليدي، ركز عبد الكريم على البيئة الاجتماعية والاقتصادية في مكة، مبرزاً أدواراً محورية، كدور السيدة خديجة وورقة بن نوفل، والتحولات البنيوية التي سبقت البعثة. لقد تميزت لغة عبد الكريم هنا بجرأة لافتة في طرح التساؤلات حول "البشرية" في التجربة النبوية؛ إذ لم يكتفِ بلغة السير التقليدية التي تتمحور حول المعجزات، بل استبدلها بلغة "الصيرورة التاريخية"؛ تلك التي تبحث في كيفية تشكل القائد أو المصلح داخل رحم مجتمعه، بوصفه نتاجاً لتفاعلات الواقع لا قفزاً فوقها.

يُعدّ كتاب "شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة" بأجزائه الثلاثة (السفر الأول: محمد والصحابة، السفر الثاني: الصحابة والصحابة، السفر الثالث: الصحابة والمجتمع) المتن المركزي في مشروع خليل عبد الكريم، والنموذج الأبرز على استخدامه الصادم والفريد للغة في النقد الديني. ففي هذا العمل لم يقف عبد الكريم عند حدود الباحث السوسيولوجي الصارم، بل تقمص دور "الحكواتي" الذي يستلهم لغة الأدب الشعبي (الربابة) لتفكيك الهالة التي تحيط بالتاريخ المقدّس. وقد وظف في ثنايا سرده سخريةً لاذعة من التفسيرات التبجيلية التي تسعى جاهدة لتبرير عثرات البشر بذرائع إلهية. وبذلك مثل "شدو الربابة" محاولة جريئة لإعادة الصحابة من "سماء المتخيل" إلى "أرض الواقع"، مبرهناً على أنّ النص المؤسس تفاعل مع بشر حقيقيين بظروفهم الإنسانية المعقدة وطبائعهم المتغيرة، وليس مع نماذج مثالية متعالية على الزمان والمكان.

اعتمد عبد الكريم في هذا الكتاب تكتيكاً لغوياً مزدوجاً: العنوان الشعبي؛ باختياره لـ "شدو الربابة"، وهو ضربة ذكية؛ فالربابة أداة تراثية ترتبط بسير الأبطال الشعبيين (مثل أبو زيد الهلالي). وباستخدامه هذا العنوان كأنّه يقول ضمناً: "سأحكي لكم سيرة الصحابة كبشر، كأبطال تراجيديين، لهم أهواء ونزوات وصراعات، وليس كملائكة مجنحين". كما أنّه، باستخدامه اللغة الحسية، ابتعد تماماً عن اللغة المعجمية الجافة؛ فوصف الصحابة بكلمات تبرز آدميتهم، جوعهم، وفقرهم، ورغباتهم، وتنافسهم على السلطة والمال، فضلاً عن استخدام مصطلحات علمية حديثة، مثل "الأزمة الاقتصادية"، و"الصراع الطبقي"، و"التوازنات القبلية".

قدّم الكتاب، عبر أجزائه الثلاثة، نقداً جذرياً للمجتمع الأول (مجتمع النص المؤسس)، مركزاً بصرامة على الجانب البشري المصلحي؛ حيث حلل المهاجرين (السفر الأول) بوصفهم جماعة ضغط سياسي واقتصادي، وكشف كيف تشكلت ملامح "الدولة" وسلطتها في كثير من الأحيان قبل اكتمال ملامح الدعوة. أمّا في تناوله للأنصار (السفر الثاني)، فقد استخدم لغة كاشفة للصراع المكتوم بين الأوس والخزرج من جهة، وبين المهاجرين والأنصار من جهة أخرى؛ موجهاً نقده لفكرة "المدينة الفاضلة" المتخيلة، ليثبت أنّها كانت في حقيقتها مجتمعاً بشرياً يمور بالتناقضات والغيرة والمنافسة المحمومة على المغانم. بينما كان تناوله لوضع النساء في مجتمع الصحابة في (السفر الثالث) هو الأكثر إثارة للجدل؛ إذ وظف فيه لغة سوسيولوجيا الجسد لتحليل علاقات النبي وصحابته بالنساء؛ فلم ينظر إليها من منظور الفضائل المجردة، بل من زاوية الواقعية الاجتماعية والتحالفات القبلية والاحتياجات الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى كسر "التابو" المحيط بحياة الرسول الخاصة. لقد نجح خليل عبد الكريم في مجمل أعماله في نقل الصراع من مربع العقيدة إلى فضاء الواقع؛ ففي لغته التفكيكية، لم يكن الخلاف بين الصحابة صراعاً حول تفسير آية"، بل كان في جوهره نزاعاً حول توزيع ثروة، أو الاستحواذ على منصب سياسي. 

خلاصة القول؛ إنّ خليل عبد الكريم، في جماع كتبه، استطاع إعادة "النص المؤسس" وصحابة الجيل الأول إلى سياقهم البشري الفعلي؛ فصوّرهم كبشر حقيقيين يمشون في الأسواق ويأكلون القديد. وفي هذا المسعى، لم يكن عبد الكريم يبتدع غريباً، بل كان ينتصر لوصف الرسول لنفسه، معيداً الاعتبار لإنسانية النبوة وتاريخية الحدث، ومحرراً العقل من أسر التبجيل الذي يحجب الرؤية عن حركة الواقع وتفاعلاته.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية