
في خطوة بدت أقرب إلى إعادة تدوير خطاب قديم بثوب جديد، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا دعمها لما سمّته "العهد الجديد" بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، المعروف بـ "الجولاني"، مهنئة إيّاه بما وصفته بـ "النصر"، ومبدية استعدادها للقيام بدور "الداعم الناصح" في إعادة بناء مؤسسات الدولة.
هذا الإعلان، الصادر عن مجلس شورى الجماعة، ليس مجرد موقف بروتوكولي؛ بل هو، في جوهره، محاولة واضحة لإعادة إدخال الإخوان إلى قلب المشهد السياسي السوري، بعد سنوات من التراجع والرفض الشعبي، مستغلين أجواء الانفتاح النسبي التي تشهدها الساحة.
شعارات بواجهة ناعمة ومضمون سلطوي
البيان أظهر تمسك الإخوان بإقامة ما وصفوه بـ "دولة مدنية حديثة ذات مرجعية إسلامية"، وهي صيغة مألوفة في قاموسهم السياسي، إذ يجمعون فيها بين جاذبية مصطلح "المدنية" بالنسبة إلى الرأي العام، وبين ضمان استمرار الهيمنة الإيديولوجية من خلال "المرجعية الإسلامية" التي تعني، عملياً، إعادة إنتاج مشروع الإسلام السياسي تحت غطاء الدولة.
وشدّد البيان على ما سمّاه "التشاركية في السلطة"، و"ضمان حضور جميع المكونات السورية"، لكنّه وضع ذلك ضمن إطار فكري مغلق، يتيح للإخوان التحكم في بوابات المشاركة الفعلية، تماماً كما فعلوا في تجاربهم السابقة في دول أخرى، حين رفعوا شعارات الديمقراطية والتعددية قبل أن ينقلبوا عليها عند أول فرصة سانحة.
انتخابات على مقاس الجماعة
أحد أبرز محاور البيان كان الدعوة إلى انتخابات نيابية تعددية باعتبارها "ركيزة الاستقرار". للوهلة الأولى، تبدو هذه دعوة إصلاحية، لكنّ التجربة الإخوانية تكشف أنّ الهدف من الانتخابات في نظرهم ليس التداول الحقيقي للسلطة، بل استخدامها كأداة للوصول إلى الحكم، ثم إفراغها من مضمونها عبر السيطرة على مؤسسات الدولة، وإقصاء الخصوم السياسيين بوسائل قانونية أو شعبية مدبرة.
ربط الانتخابات بما سمّوه "برنامج العدالة الانتقالية" يعكس أيضاً رغبة الجماعة في توظيف هذا الملف الحساس لتصفية الحسابات مع خصومهم، بدل جعله أداة للإنصاف الوطني الشامل.
محاولة تموضع في لحظة سيولة
يرى مراقبون أنّ هذا البيان يعكس إدراك الإخوان لفرصة نادرة في لحظة سيولة سياسية، حيث يحاول الجولاني نفسه إعادة صياغة صورته من قائد فصيل جهادي إلى رئيس انتقالي بملامح سياسية أكثر قبولاً. في هذا المناخ يحاول الإخوان عرض أنفسهم كحليف محتمل، قادر على توفير شبكة علاقات وخبرات تنظيمية، لكنّهم في الواقع يسعون لاستغلال هذه المرحلة لإعادة بناء قواعدهم المتهالكة، وترميم حضورهم الشعبي والسياسي، تمهيداً للانقضاض على السلطة من جديد.
ازدواجية الخطاب تكتيك لا يتغير
من يقرأ البيان يلاحظ بوضوح براعة الإخوان في صياغة خطاب مزدوج: كلمات معسولة عن "نبذ الطائفية" و"العيش المشترك"، يقابلها إصرار على مرجعية إيديولوجية مغلقة، لا تسمح بقيام دولة مدنية حقيقية. هذه الازدواجية هي سمة متجذرة في تاريخ الجماعة، إذ يتقنون ارتداء قناع "المدنية" و"الديمقراطية" عندما يكونون في موقع الضعف، ثم يسقط القناع عند أول فرصة للهيمنة.
ولعل أخطر ما في الأمر هو أنّ هذه اللغة الملتبسة تجد من ينخدع بها في الداخل والخارج، خاصة في ظل تعطش السوريين لأيّ خطاب يبدو، ظاهرياً، جامعاً ونازعاً لفتيل الصراع.
مخاوف مشروعة وتحذيرات متكررة
العديد من القوى السياسية والمدنية السورية تنظر بعين الريبة إلى هذا التقارب بين الإخوان والجولاني، معتبرة أنّه قد يفتح الباب لإعادة إنتاج نموذج الإسلام السياسي الذي أثبت فشله وضرره في أكثر من بلد عربي. كما أنّ سجل الجماعة في العمل السرّي، والتحالفات المصلحية، والانقلاب على الشركاء السياسيين، يجعل أيّ شراكة معهم محفوفة بالمخاطر.
هناك أيضاً خشية من أنّ الجولاني، في سعيه لتوسيع قاعدة دعمه، قد يمنح الإخوان مساحة أكبر ممّا ينبغي، وهو ما قد يثير صدامات مستقبلية مع أطراف أخرى، ويعيد إنتاج الاستقطاب الذي مزق النسيج الاجتماعي السوري.
البُعد الإقليمي استثمار الفراغ
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث يبحث الإخوان ـ بعد خساراتهم المتتالية في مصر وتونس وليبيا ـ عن أيّ منفذ للعودة إلى الساحة. سوريا، المنهكة والمفتوحة على إعادة الترتيب السياسي، تمثل فرصة مثالية لهم لاختبار العودة، خصوصاً إذا تمكنوا من الدخول عبر بوابة سلطة انتقالية تبحث عن حلفاء.
خلفية تاريخية دم في الذاكرة السورية
لا يمكن الحديث عن الإخوان في سوريا دون التوقف عند تاريخهم الدموي الذي ترك ندوباً عميقة في الذاكرة الوطنية. فمنذ أحداث أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، كانت الجماعة طرفاً رئيسياً في دوامة العنف، حيث لجأت إلى العمل المسلح، وارتكبت عمليات اغتيال وتفجير استهدفت شخصيات سياسية وعسكرية ومدنية، ممّا أدخل البلاد في صراع دموي انتهى بمجزرة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها عشرات الآلاف. هذا الإرث من الدم والانقسام ما يزال حاضراً في وجدان السوريين، ويجعل من أيّ عودة للجماعة إلى المشهد السياسي مثار خوف ورفض واسع، خاصة أنّ خطابهم الحالي لا يتضمن أيّ مراجعة حقيقية أو اعتذار عن تلك الحقبة، بل يسعى لطيها تحت غطاء "المستقبل" و"المدنية".
مشروع الهيمنة تحت شعار "الشراكة"
في جوهره، ليس خطاب الإخوان الجديد سوى نسخة من مشروعهم القديم، مغلف بورق هدايا سياسي، يحمل عناوين المشاركة والعدالة، لكنّه يخفي في داخله نزعة احتكارية للسلطة. تجاربهم في بلدان أخرى أظهرت أنّ "الشراكة" بالنسبة إليهم لا تعني تقاسم السلطة، بل استخدامها وسيلة لإقصاء الآخرين بعد استغلالهم.
خطر العودة المقنّعة
بيان الإخوان الأخير ليس إعلان حسن نية، بل خطوة محسوبة لإعادة تسويق أنفسهم في سوريا، مستفيدين من لحظة ضعف عام، وحاجة القوى الفاعلة لتحالفات جديدة. لكنّ قبول هذا الدور دون وعي بمخاطره يعني تكرار مأساة عرفتها دول عربية أخرى، حين عاد الإسلام السياسي من بوابة "المدنية" و"الانتخابات" ليغلقها على الجميع بعد ذلك.
إنّ خطورة هذا المسار تكمن في أنّ السوريين، الذين دفعوا ثمناً باهظاً للحرب والانقسام، قد يجدون أنفسهم أمام دورة جديدة من الاستبداد، لكن هذه المرة بثوب ديني مغلف بشعارات برّاقة. والدرس من التاريخ واضح، فالإخوان لا يغيّرون جوهر مشروعهم، بل يغيّرون لغته فقط، حتى يحين وقت الكشف عن وجهه الحقيقي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

