
بين الركام المتناثر في شوارع غزة، ورائحة الدخان التي تملأ الهواء، تصرّ أفران غزة الشعبية على مواصلة عملها رغم الدمار ونقص الدقيق والوقود، لتبقى الأرغفة الساخنة رمزاً للحياة في مدينة أنهكتها الحرب.
ومع توقف المخابز الأتوماتيكية التي تعمل بالكهرباء والغاز، بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونفاد الوقود جراء الحصار الإسرائيلي والحرب، لجأ أهالي غزة إلى الأفران الشعبية المصنوعة من الحجارة والطين، التي تعمل بالخشب المقتطع من أنقاض المنازل المدمرة، لخبز أرغفة تقف بين الحياة والموت. وقد أصبحت هذه الأفران الشعبية حلاً بديلاً مكّن العائلات من إعداد طعامها بوسائل بدائية بسيطة.
رمز للصمود
في قلب مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وبين أنقاض البيوت المحطمة، يعمل شكري حرب (47 عاماً) على تشغيل فرن بدائي صنعه بنفسه بعد تدمير فرنه الأصلي جراء القصف الإسرائيلي خلال عام 2024، ليبث الحياة في مجتمع يئن تحت وطأة حرب الإبادة.
يقول حرب: "كل شيء دُمّر، الفرن، ومخزون الطحين، لكن لا يمكن أن أتوقف، بدأت بالخبز في تنور صنعته من الطين، فقط حتى أحافظ على حياتي ولقمة العيش لي وللناس من حولي."
ويشير حرب إلى طابور طويل من سكان غزة من النساء والرجال والأطفال الممتدين في الشارع قائلاً: "يأتينا الناس من مناطق بعيدة، ونحاول أن ننتج أكبر كمية ممكنة، لكنّ الوقود شحيح جداً، ونضطر أحياناً لشرائه بأضعاف سعره من السوق السوداء، واعتمادنا الأساسي الآن على الحطب لمواصلة العمل."
ويضيف: "نشتري الحطب بأسعار خيالية، وكثير من العائلات التي تقف أمام الفرن لا تملك حتى ثمن الخبز، فنمنحهم ما تيسّر بلا مقابل، لأننا جميعاً في الهمّ سواء."
ويتابع حرب: "الأفران التي ما زالت تعمل رغم القصف الإسرائيلي هي الوجه المضيء وسط هذا الظلام كله، وإن توقفت هذه الأفران، فلن يبقى ما يربطنا بالحياة."
ويؤكد بأسى: "الفرن بات رمزاً للصمود، فكل رغيف نخبزه يعني أنّ غزة ما زالت تتنفس، وإبقائي لهذا الفرن يعمل ولو بأبسط الوسائل هو مسؤولية وحاجة قبل أن يكون مهنة، لهذا قررت ألّا أجلس في بيتي فاقداً الأمل."
صعوبات يومية
ووسط الركام الذي كان يوماً شارعاً جميلاً مزدحماً في حي الزيتون شرق مدينة غزة، يجلس خليل حجي (57 عاماً) أمام مدخل فرنه المتصدع، وقد امتزجت رائحة العجين بالدخان، تفضح الحرارة العالية والتعب ملامح وجهه المنهك.
يقول حجي: "منذ بداية الحرب وأنا أعمل كل يوم رغم القصف والخطر، ولم أتوقف إلا عندما تعرّض الفرن للقصف الإسرائيلي وتضرر جزئياً، وبعد أسبوع واحد فقط أعدت تشغيله بما استطعت، فالخبز أحد مصادر الحياة للناس في غزة ، والفرن صار الملجأ الوحيد لهم."
ويضيف مبتسماً رغم الإرهاق: "هذا الفرن عمره أكثر من عشرين عاماً، شهد حروباً كثيرة وصمد، وسأظل أُشعل نوره ما دام فيّ نَفَسٌ للحياة."
ويتحدث حجي عن الصعوبات اليومية قائلاً: "الوقود شبه منعدم، وإن توفر فهو باهظ الثمن، لذلك لا خيار لنا إلا أن نخبز على نار الحطب، وأحياناً لا يصلنا إلا بعد أيام طويلة."
ويوضح بصوت حزين: "حتى الحطب الذي نستخدمه نجمعه من أنقاض البيوت المدمرة، وهي مهمة شاقة وموجعة في الوقت نفسه، فنلامس بقايا البيوت وحياة أناس كانت تضج يوماً بهذا المكان."
ويؤكّد حجي: "الفرن أصبح نقطة لقاء لأهالي الحي، وجوه مألوفة أراها منذ سنين، كبرت كما كبر هذا المكان، الجميع هنا يمد يد العون، ولا أحد يغادر خالي اليدين، حتى من لا يملك ثمن الخبز. لقد تحوّل الفرن إلى نقطة ضوء في قلب العتمة، وملتقى للناس الباحثين عن الحياة، فلم يعد مكاناً لشراء الخبز فحسب، بل صار ملجأ لتبادل الأخبار، ومتنفساً يلتقي فيه الخوف بالأمل، فهنا تشكلت روابط إنسانية متينة وسط الخراب والجوع والخطر."
ويختم كلامه بصوت يختلط فيه التعب بالإصرار: "نعيش على حافة الخطر، كل لحظة قد تكون الأخيرة، لا أمان ولا عون، فقط النار تشتعل ونحن نحترق معها."
رغيف من أمل
وفي مخيم جباليا شمال قطاع غزة تتكرر المأساة ذاتها، حيث تقف الفلسطينية شيماء حسونة، أم لخمسة أطفال، في طابور طويل يمتد منذ الفجر أمام أحد الأفران القليلة التي ما زالت تعمل. تقول: "أنتظر أحياناً أربع أو خمس ساعات، وأعود في كثير من الأيام بلا خبز، لأنّ الطحين أو السولار قد نفد، لكن لا خيار أمامي، فالخبز أصبح أثمن من الذهب."
حسونة، البالغة من العمر (38) عاماً، تروي بصوت يختلط فيه التعب بالعجز: "أطفالي لا يعرفون الشبع منذ شهور، وعندما أعود حتى لو برغيف واحد من الخبز، نتقاسمه جميعاً، فالخبز بات حلمنا اليومي المتجدد على مدار عامين من الحرب ".
وتلتفت نحو الفرن وتتابع: "الفرّان أبو أحمد يعرفني، أحياناً يعطيني كيس خبز بلا مقابل، لقد حافظنا على إنسانيتنا وتكافلنا، وهذا ما ساعدنا على الاستمرار وسط الظروف القاهرة."
وتضيف وهي تمسك بيد طفلتها الصغيرة: "كنت أخبز في البيت قبل الحرب، أمّا الآن فلا بيت ولا غاز ولا طحين، وكل ما أريده أن أرى أطفالي يتذوقون طعم الأمان، لا طعم الحرب."
وتختم حسونة حديثها بعبارة تختصر وجع أهل غزة: "أحلم بيوم نشتري فيه الخبز بلا طوابير، بلا خوف، وبلا دموع".
أفران تتحدى الحرب
يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "العوامل التي مكّنت الأفران الشعبية من الاستمرار في عملها ومواجهة آثار الحرب تكمن في امتلاكها مخزوناً احتياطياً من الطحين والوقود، وقدرتها على التحول للعمل بوقود بديل مثل الحطب، وعلى القدرة النابعة من إصرار الناس على الحياة."
ويضيف جودة: "الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أثرت بشكل كبير على مناحي الحياة، بعد تدمير الاحتلال المنشآت وفقدان الآلات والمخزون، وانقطاع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والوقود والطحين، وهو ما قلّص الإنتاج بدرجة كبيرة."
ويوضح: "استئناف إنتاج الخبز يدل على عودة محدودة للدورة الاقتصادية اليومية، بينما يتطلب التعافي الحقيقي استعادة وظائف أوسع تشمل الأسواق والخدمات العامة والبنية التحتية المستقرة، وإنهاء سيطرة إسرائيل على مناحي الحياة في غزة من خلال فتح المعابر وضمان حقوق الناس بالحصول على موارد الحياة واحتياجاتهم اليومية."
ويؤكد جودة أنّ "توقف الأفران أو تضررها يفاقم أزمة الأمن الغذائي في غزة، لأنّ الخبز سلعة أساسية، فالانقطاع يزيد من صعوبة الوصول إلى الغذاء، ويرفع الأسعار، ويجبر الأسر على تقليل الوجبات أو الاعتماد على المساعدات الطارئة، وهو ما يفاقم سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن."
وفي غزة يعاني أكثر من نصف مليون شخص من المجاعة، وقد تمّ تحديد أنّهم يعانون من جوع شديد واسع النطاق، وفقر مدقع، ووفيات يمكن منعها، وذلك وفقاً لتحليل جديد أصدرته مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، ومن المتوقع أن تنتشر المجاعة من محافظة غزة إلى محافظتي دير البلح وخان يونس في الأسابيع المقبلة.
ووفقاً للتصنيف سيواجه أكثر من ((640 ألف شخص مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء قطاع غزة، الذي بلغ المرحلة (5) وفق التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي.
وكانت وزارة الصحة في غزة قد أعلنت عن استشهاد (367) شخصاً بسبب المجاعة، من بينهم (131) طفلاً، وأكدت الوزارة أنّ الأزمة الإنسانية في قطاع غزة تتفاقم في ظل الحصار ونقص الإمدادات الغذائية والطبية.
وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 إبادة جماعية بغزة، خلفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

