
في مطلع القرن السابع الميلادي كانت منطقة الشرق الأدنى القديم تعيش زمنًا مضطربًا تتبدل فيه موازين القوى وتُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ من جديد.
هناك، في الصحراء القاحلة، خاض العرب واحدةً من أبرز لحظات مجدهم، حيث كتب التاريخ انتصار القبائل المتحدة على إمبراطورية كسرى، بعد أن نجحوا في تجاوز خلافاتهم والالتفاف حول هدفٍ واحد أمام قوةٍ كبرى كالدولة الفارسية، حين خاض العرب معركةً فاصلة انتهت بهزيمة واحدة من أكبر إمبراطوريات ذلك العصر في معركة "ذي قار".
بدأت الأحداث حين رفضت قبائل بكر بن وائل تسليم أمانات النعمان بن المنذر إلى كسرى، ولم يكن القرار سياسيًا فقط، بل كان أخلاقيًا وسياديًا؛ فالأمانة عند العرب لا تُسلَّم، حتى لو كان الثمن مواجهة إمبراطورية الفرس بكل ما تدعيه من تفوق عرقي، ومن هنا تحوّل الصراع من واقعة محدودة إلى صراع مفتوح فرضته الإمبراطورية الفارسية على القبائل العربية.
وجدت قبائل بكر بن وائل نفسها في مواجهة غير متكافئة أمام جيوش جرارة، فخاض العرب المواجهة باعتبارها اختبارًا وجوديًا، مستفيدين من طبيعة الأرض ومعتمدين على تكتيكات مرنة أربكت القوات الفارسية الأكثر تنظيمًا وتسليحًا. وجاءت النتيجة بانتصار العرب، لتؤكد أنّ وحدة العرب في لحظة الخطر قادرة على صنع المعجزات مهما بدا الفارق كبيرًا.
إيران والعودة إلى مزاعم التفوق الفارسي
تؤدي إيران في المرحلة الراهنة دورًا بارزًا بوصفها إحدى أكثر القوى الإقليمية تدخلًا في الشأن العربي، مستندة إلى شبكة من الأذرع العسكرية والميليشيات العابرة للحدود، في مشهد يستدعي إلى الأذهان المزاعم التاريخية القديمة نفسها ولكن بأدوات معاصرة. ويتبدّى أثر هذا الحضور بوضوح في منطقة الخليج العربي التي حاولت طهران جعلها ساحة لتداعيات الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث طالت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة أراضي العرب، ليبرز تساؤل جوهري حول حالة التباين في الموقف العربي؛ إذ لم تتشكل جبهة موحدة كما حدث في لحظات تاريخية سابقة مثل ذي قار، حين توحّدت الرؤية وتحدّد العدو بوضوح. أمّا اليوم، فيبدو المشهد أكثر تعقيدًا، حيث يلعب الإخوان دور العرّاب لنفوذ الفرس في بلاد العرب.
برز دور جماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسي في صناعة هذا الانقسام، فبدلًا من توحيد الصف العربي، أسهمت هذه التيارات في تفكيكه، عبر خطاب إيديولوجي مرتبك أعاد تعريف العدو، وفتح الباب أمام تبرير التمدد الإيراني في المنطقة.
هذا الخطاب تحوّل إلى أداة لتفكيك الموقف العربي، حيث جرى تقديم الصراع باعتباره معركة شاملة ضد الهيمنة الغربية، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار دول المنطقة وسلامة المواطن العربي. وبهذا الطرح تم تهميش التهديدات التي تمس الأمن العربي، مقابل تضخيم صراعات أوسع تخدم سردية إيديولوجية بعينها.
وبهذا لعبت السردية الإخوانية دورًا خبيثًا في تبرير ما تفعله إيران، وتجاوزت عبر مبدأ "التقية" التباينات المذهبية العميقة بين السنّة والشيعة. فكما اعتمدت فارس قديمًا على حلفاء محليين مثل المناذرة، تعتمد طهران اليوم على جماعة الإخوان والميليشيات التابعة لها كصدى معاصر للفكرة نفسها، وبهذا تحولت هذه الجماعات إلى أدوات تُوظَّف داخل مشروع إقليمي أوسع يتجاوز حدود الدول الوطنية.
لقد كانت معركة ذي قار لحظة عبقرية لتشكيل وعيٍ قريب من مفهوم القومية العربية، حيث توحدت القبائل دفاعًا عن الأرض والكرامة. وعلى النقيض تتبنّى جماعة الإخوان والميليشيات التابعة لإيران تصورات عابرة للحدود تتعارض مع فكرة الدولة والقومية وحدود العرب المعترف بها؛ فالإخوان ينطلقون من مفاهيم الأستاذية والخلافة، بينما ترتكز إيران على مشروع تصدير الثورة وولاية الفقيه. هذا الالتقاء في تجاوز الإطار القومي كان أحد العوامل التي سهّلت التمدد الإيراني داخل عدد من الدول العربية.
من العراق إلى اليمن: خريطة الفوضى الإيرانية
ما قامت به إيران من تدخلات كارثية أضرّت بالدول العربية واضح للعيان، ويصعب تجاهله.
ففي العراق، دعمت فصائل مسلحة، وهو ما أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة وتكريس حالة من الانقسام المزمن، ليتحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة لصراعات لم تُحسم حتى اليوم.
أمّا في سوريا، فقد كانت إيران ركيزة أساسية في بقاء نظام بشار الأسد، عبر دعم عسكري ولوجستي مباشر، وهو ما ارتبط بواحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في تاريخ المنطقة، في مشهد نتج عنه كارثة إنسانية سيظل يعاني منها السوريون لعقود.
وفي لبنان، تجسد هذا النفوذ عبر حزب الله، الذي لا يعدو كونه ذراعًا عسكرية متقدمة لطهران؛ فقد اختطف الحزب القرار السيادي للدولة وصادر إرادتها، وجعل من لبنان ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية نيابةً عن إيران.
وفي فلسطين، دعمت إيران حركة حماس، التي نفذت هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، الذي ترتب عليه تدمير القطاع وسقوط ما يزيد على 70 ألف قتيل ونحو 200 ألف مصاب، إلى جانب تهجير أكثر من مليون فلسطيني، ولأول مرة أصبح للجيش الإسرائيلي موطئ قدم داخل القطاع.
أمّا في اليمن، فقد دعمت الحوثيين، وهو ما مكّنها من السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، ودفع بالصراع إلى مستوى إقليمي يهدد أمن المنطقة بأكملها. ومع تصاعد الهجمات في محيط البحر الأحمر وباب المندب، لم يعد الأمر شأنًا يمنيًا داخليًا، بل تحول إلى تهديد مباشر لأحد أهم شرايين التجارة العالمية، وهو ما انعكس سلبًا على حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس، في تأثير امتد ليطال الاقتصاد المصري.
حين صارت فلسطين حصان طروادة
ولم يكن هذا التمدد ليتم بسهولة لولا توظيف "القضية الفلسطينية" كغطاء أخلاقي. فقد تحولت القضية، في خطاب هذه التيارات، إلى أداة للابتزاز العاطفي؛ حيث يُتهم كل من يعترض على تدخلات إيران أو أذرعها في المنطقة بأنّه "خائن للقضية". وهكذا، يجد المواطن العربي نفسه أمام معادلة صفرية: إمّا أن يقبل بالتدخل الإيراني، وإمّا أن يُصنَّف ضد فلسطين.
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الصواريخ والمسيّرات، بل في حالة الاستلاب الهوياتي التي مارستها تيارات الإسلام السياسي؛ حين أقنعت قطاعات من الشارع العربي بأنّ الانتماء إلى المذهب أو التنظيم يسبق الانتماء إلى الدولة. هذا الاختراق للوعي هو الذي جعل العواصم العربية تسقط الواحدة تلو الأخرى.
في معركة ذي قار انتصر العرب لأنّهم حسموا أوّلًا معركتهم مع أنفسهم: من نحن؟ ومن عدونا؟ أمّا اليوم، فالهزيمة تبدأ من الداخل. ليست المشكلة في قوة إيران، بل في نجاح خطاب إيديولوجي تقوده جماعة الإخوان ومن على شاكلتها في إعادة تشكيل وعي عربي مرتبك يرى التهديد ثم يبرره.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
