حزب التحرير: شعارات عالية السقف لتعويض الحضور الخافت

الإسلام السياسي

حزب التحرير: شعارات عالية السقف لتعويض الحضور الخافت

مشاهدة

22/04/2018

يلفت انتباه المتابعين للندوات الفكرية في عمّان، مداخلات يقدمها شباب في مقتبل العمر، يتبنّون طرحاً جذرياً، يدعو إلى إقامة "الخلافة"، ويرفض كل النظم والأفكار الأخرى ويكفّرها، ثم يختمون بتعريف أنفسهم على أنّهم من "حزب التحرير"، داعين الحاضرين للانضمام له، وعند سؤال أحدهم، يتبيّن أنّه قد قام بمداخلته كخطوة ضمن نهج الدعوة الذي يتبنّاه الحزب في إطار إشاعة أفكاره وبثّها في الرأي العام.

مجموعة من أتباع الحزب يتظاهرون في عمّان وهو المشهد الذي تكرر عدة مرات في السنوات الأخيرة

التأسيس والمبادئ
يرجع تأسيس حزب التحرير في الأردن إلى العام 1952؛ حيث أسسه في القدس الإخواني المنشق الشيخ تقي الدين النبهاني، وحمل اسم "التحرير" انطلاقاً من فكرة تحرير عامة بلاد العرب والمسلمين، لا فلسطين فحسب، كما كان يُطرح في تلك الأعوام، وكان من أبرز الأسماء التي شاركت في التأسيس: أسعد بيوض التميمي، وعبد القديم زلوم، وقد رفضت الحكومة الأردنية ترخيص الحزب منذ تأسيسه، باعتبار أنّ البرنامج المقترح للحزب مخالف لمبادئ الدستور، وذلك من خلال كتاب وزير الداخلية بتاريخ 14 آذار 1953، وفق ما أورده إحسان سمارة في كتابه  "مفهوم العدالة في الفكر الإسلامي".

 تقي الدين النبهاني

تتمحور أفكار الحزب حول الدعوة إلى إقامة النظام الإسلامي وإعادة الخلافة، والرفض التامّ للديمقراطية، والنظامين الاقتصاديين: الرأسمالي والاشتراكي؛ باعتبارها "أنظمة كفرية، مستوردة من الغرب الكافر"؛ حيث عدّها النبهاني "مخالفة" لفطرة الإنسان، و"مناقضة" لعقيدة الإسلام، ويعد كتاب "نظام الإسلام"، أهم الكتب التي ألفها النبهاني؛ فقد تضمن أهم أفكار الحزب ومبادئه، التي لم يتجاوزها أتباعه.

اقرأ أيضاً: "نظام الإسلام" للنبهاني: دعوة لاستعادة دولة متخيلة

ويؤكد الشيخ عبد القديم زلوم رفض أي دعاوى للتوفيق بين الإسلام والنظام الرأسمالي، والديمقراطية الليبرالية؛ حيث أصدر كتاباً بعنوان: "الديمقراطية نظام كفر يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة اليها". واليوم، يرجع أتباع الحزب أسباب كل مشاكل العالم إلى النظام الرأسمالي الحاكم.

غلاف كتاب عبد القديم زلوم

ويرى النبهاني أنّ الدولة الإسلامية تتكون من: الخليفة والمعاونين، والولاة، والقضاة، والجيش، والجهاز الإداري، ومجلس الشورى، ولا يجوز الخروج على الخليفة، ويبقى في منصبه ما دام يقوم بواجباته، فلا توجد مدة زمنية محددة لخلافته.
غياب الخلافة أساس كل المشاكل!
غاية الحزب، بحسب منشوراته هي: "تحرير الأمة الإسلامية من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، من سيطرة الدول الكافرة ونفوذها، والعمل لإعادة دولة الخلافة الإسلامية إلى الوجود، حتى يعود الحكم بما أنزل الله".
ويعزو الحزب سبب كل مشاكل العالم الإسلامي إلى غياب مفهوم الخلافة والدولة، ويعتبر أنّ إلغاء الخلافة كان على يد بريطانيا؛ حيث تم ذلك عن طريق عملائها من اليهود، ومنذ ذلك الحين فإنّ الحكم الإسلامي غاب عن الأرض، وحلّت محله أنظمه كفرية طاغوتية، وبذلك انقلبت بلاد العالم الإسلامي إلى ديار كفر.

رفضت الحكومة الأردنية ترخيص حزب التحرير منذ تأسيسه لأن البرنامج المقترح له كان مخالفاً لمبادئ الدستور

المتابع لخطاب الحزب يلاحظ أنه توقف منذ تأسيسه عند رؤية جامدة، لم تتطور ولم تأخذ بعين الاعتبار التغيرات والتحولات في العالم على جميع الصعد؛ حيث بقي التصور الاستعماري بصورته التقليدية مسيطراً على أدبيات الحزب، كما تسيطر على أتباع الحزب العقلية التآمرية.
يسمِّي الحزب الدول العربية والإسلامية بالولايات، بدلاً من الدول، ويعيّن لكل ولاية لجنة مسؤولة عن أتباع الحزب فيها، تسمى "لجنة الولاية"، ولكل مدينة يوجد لجنة محلية يرأسها معتمد، تكون مسؤولة عن أتباع الحزب فيها، ويعين "أمير مؤمنون" على رأس جميع الولايات، ويعتمدون "راية العقاب" علماً للحزب، وهي عندهم علم دولة الخلافة القادمة.

من الموقع الإلكتروني الخاص بالفرع الأردني للحزب؛ اعتبار الدولة بمثابة "ولاية"

التقاطع مع الحركات الجهادية
يتقاطع حزب التحرير مع الحركات الجهادية في تكفير الأنظمة، والديمقراطية، ورفض الأحزاب والتعددية، وكان الحزب قد شهد انشقاقات عدة تبنّت السلفية الجهادية، كما حدث مع صالح سرية، ومحمد سالم الرحّال، والشيخ أسعد بيوض التميمي؛ حيث انشق التميمي وأعلن عن تأسيس حركة الجهاد (كتائب بيت المقدس)، وانشق صالح سرية ليؤسس تنظيم "الفنية العسكرية" في مصر العام 1974.
إلا أنّ الحزب بقي متمايزاً عن تلك الحركات، ودائماً ما تتم مهاجمته من قبل أتباعها؛ حيث هاجم القيادي الجهادي أبو بصير الطرطوسي (عبد المنعم حليمة) الحزب في رسالة له العام 2005 بعنوان "حزب التحرير وسياسة تسمين الخرفان"، وكانت النقطة الأبرز عند الطرطوسي في مهاجمته هي تعطيل الحزب لفريضة الجهاد.

يكفّر الحزب الديمقراطية ويسمّي الدول العربية والإسلامية بالولايات ويعيّن لكل ولاية لجنة مسؤولة عن أتباعه فيها

وكان حزب التحرير قد رد على إعلان تنظيم داعش الخلافة (حزيران 2014) بأنّ "خلافة داعش باطلة"، مبرِّراً ذلك بعدم توفر عدد من الشروط، أهمها "السلطان الكامل على الأرض".
أما فيما يتعلق بتبنّي الحزب للنهج العنيف، وبالعودة إلى فكر النبهاني، وبحسب قراءة له في السيرة النبوية في كتابه "الدولة الإسلامية"، يعتبر أنّ نقطة البداية في التغيير هي الدعوة السرية، ثم تأتي مرحلة جمع المؤمنين، ثم المرور بمرحلة الدعوة الجهرية، وانتهاءً بقيام الدولة الإسلامية.
محاولات انقلابية
وقد ظلّت افتراضات النبهاني مفتقدة لتوضيح الآلية التي سيتم بها الانتقال إلى مرحلة الدولة الإسلامية، وهو ما دفع الحزب إلى تبنّي مبدأ "طلب النُصرة"، الذي تقوم فكرته على أن يطلب الحزب النصرة من الأشخاص الذين يشكلون مراكز قوى في المجتمع، لإعانته على إقامة دولة الخلافة في الأرض.
وفي الأردن، حاول الحزب تطبيق هذا المبدأ من خلال استمالة أصحاب نفوذ وقيادات عشائرية، ولكنه لم ينجح، وكانت محاولاته الأخطر في تجنيد واستغلال منتسبين للأجهزة العسكرية لعمل انقلاب على نظام الحكم؛ حيث اتُّهم الحزب بالإعداد لمحاولة انقلاب في الأردن العام 1969، كما اتهمته السلطات الأردنية بالمشاركة بمحاولة اغتيال الملك الراحل الحسين العام 1993، وذلك بالتنسيق مع بعض الأفراد العسكريين من جامعة مؤتة العسكرية، خلال حفل تخرجهم.
الواقع القانوني للحزب في الأردن
وعن واقع الحزب القانوني في الأردن، قال المحامي الأردني جمال القيسي إن: "القانون الأردني يعتبر حزب التحرير الإسلامي جمعية غير مشروعة، يمتنع الانتساب إليها أو الانخراط في أنشطتها، أو الترويج لها بتوزيع بياناتها، أو منشوراتها وما إلى ذلك من أشكال بث أفكار الحزب وما يساعد على انتشاره وتوسيع قاعدته الشعبية، وذلك تحت طائلة المساءلة القانونية". ويلفت إلى أنّ "المشرع قام مؤخراً بتغليظ عقوبة الانتساب إلى جمعية غير مشروعة أو شغل منصب فيها، أو المساهمة في أنشطتها، وذلك في تعديلات قانون العقوبات العام 2017 حيث رفع تلك العقوبة من 3 سنوات إلى الأشغال الشاقة المؤقتة".

اتهمت السلطات الأردنية الحزب بالمشاركة بمحاولة اغتيال الملك الراحل الحسين 1993 بالاتفاق مع عسكريين من جامعة مؤتة

وعن سبب الحظر، بيّن القيسي لـ"حفريات" بأنّ "حزب التحرير الإسلامي يعتبر الحزب السياسي الوحيد المحظور في الأردن، وتتم محاكمة أعضائه أمام محكمة أمن الدولة، على غرار محاكمة المنتمين للتيارات المتطرفة، على ظاهر حجة قانونية أنّ من غايات الحزب تغيير نظام الدولة، الأمر الذي تتعامل معه السلطات على أنّه تهديد يمس الأمن الداخلي".
وتتعرض كوادر وقيادات الحزب، وفق القيسي، للاعتقال في الأردن على خلفيات ممارسة أنشطة الحزب المختلفة من خلال فعاليات أو مهرجانات وهي ما يعتبرها القانون "اجتماعات غير مرخصة، أو من قبيل التجمهر غير المشروع، الأمر الذي يستدعي استعمال الدولة لصلاحيات الحاكم الإداري الذي يستمد سلطاته في التوقيف من قانون منع الجرائم، ولجوء الحزب إلى إطلاق المزيد من البيانات الإلكترونية والورقية لتمثل دور المستهدف من (الأنظمة الكافرة)، بحسب أدبيات الحزب".

متظاهرون من حزب التحرير في عمّان يرفعون "راية العقاب"

وهكذا، انتهت الأفكار الراديكالية للحزب إلى تبنّي نهج عنيف في التغيير، وقد بقي محظوراً في الأردن، بالرغم من تغاضي الدولة عن وجوده في الساحة، وعودته للظهور خلال الأعوام الأخيرة، وإقامته عدداً من المظاهرات والأنشطة غير المرخصة؛ حيث اتجهت الدولة إلى التصدي لجماعات أخرى تراها أكثر خطورة، خصوصاً في ظلّ تراجع شأن الحزب وتأثيره في المجتمع الأردني.

الصفحة الرئيسية