
في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة عاش الخمسيني زايد الهندي واحدة من أقسى التجارب الإنسانية، إذ اضطر لانتشال جثامين ثلاثة أفراد من عائلته بيديه، في ظل غياب الإمكانيات، وانعدام الأمان، وثقل الفاجعة، ليتحول الوصول إلى الجثامين إلى مهمة شاقة، محفوفة بالمخاطر، ومثقلة بأسئلة الكرامة ومرارة وداع لم يكتمل.
يقول الهندي بصوت خافت، كأنّ الكلمات تثقل عليه: "بعد القصف لم نكن نبحث عن ناجين، كنا ندرك أنّهم رحلوا، وكل ما أردناه هو العثور على جثامينهم. المنزل دمر بالكامل، ولم يبقَ ما يدل عليه، حتى الجدران تحولت إلى غبار، وحاولنا لأيام الاقتراب، لكنّ القصف كان يتجدد في المكان ذاته".
وتشير تقديرات حديثة للأمم المتحدة إلى أنّ عدد المفقودين في غزة يتراوح بين 8 آلاف و11 ألف حالة، غالبيتهم من النساء والأطفال، وما تزال طبيعة مصيرهم مجهولة.
ويتحدث تقرير المرصد الأوروبي لحقوق الإنسان عن وجود أكثر من 13 ألف شخص تحت أنقاض البيوت أو في مقابر جماعية، وأكدت "منظمة أنقذوا الأطفال" في تقرير أنّ ما بين 17 ألفاً و21 ألف طفل في عداد المفقودين.
ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، تضرر أو دمر حوالي 92% من المنازل في قطاع غزة، أي ما يقارب 436 ألف منزل، وتقدر كميات الركام بنحو 50 مليون طن، وهو ما قد يستغرق عقوداً لإزالته بالموارد الحالية.
وتُحذّر المنظمات الإنسانية من أنّ التأخير في إزالة الأنقاض واستعادة الجثث لا يتسبب فقط في معاناة نفسية هائلة للعائلات المنكوبة، بل ينذر أيضاً بكارثة صحية وبيئية وشيكة في القطاع الذي يُعدّ من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم.
البحث بالأيدي العارية
وعن الدافع الذي جعله يخاطر بحياته، يجيب الهندي دون تردد: "الدفن، نريد أن ندفنهم، وهذا أقلّ ما يمكن أن نقدمه لهم".
وفي ظل غياب المعدات الثقيلة، وتعذّر وصول فرق الإنقاذ إلى العديد من المناطق، لم يجد السكان خياراً سوى الاعتماد على وسائل بدائية، أو على أيديهم العارية، ويقول الهندي: "كنا نحفر بأيدينا، وأحياناً نستخدم قطعة حديد أو لوح خشب، نزيل الحجارة حجراً حجراً، وكانت الرائحة لا تحتمل، لكنّها لم تكن أقسى من فكرة تركهم تحت الأنقاض".
ويتوقف قليلاً قبل أن يضيف بصوت مرتجف: "في اليوم الثالث عثرنا على أول جثمان، كان لابني، ولم أتعرف عليه من ملامحه، بل من ملابسه، فحاولت التماسك، وأقنع نفسي بضرورة القوة، لكنني في الحقيقة كنت منهاراً من الداخل، وبعد أيام قليلة عثرت على الجثتين الأخريين، وهما لزوجتي وابنتي".
ولا يقتصر انتشال الجثامين على الجهد الجسدي فقط، بل يمثل تجربة نفسية قاسية تترك أثراً عميقاً، ويوضح الهندي: "أصعب لحظة ليست القصف، بل لحظة إخراج الجثمان، فحين ترى الحقيقة كاملة بلا حواجز، تدرك أنّ كل شيء قد انتهى".
أثر لا يمحى
في الظروف الطبيعية يشكل الوداع جزءاً أساسياً من مسار الحزن، غير أنّ هذا المشهد يختصر في غزة. يقول الهندي: "لم يكن هناك وقت للبكاء، كنا نخشى أن نقصف ونحن نحملهم، فتم دفنهم على عجل، بلا جنازات حقيقية، وبلا وداع".
ويضيف بأسى: "حتى القبور لم تكن كما ينبغي، وأحياناً نضطر لدفن أكثر من شخص في المكان ذاته، فهناك أقارب ما زالوا تحت الركام، نعرف مواقعهم، لكننا لا نستطيع الوصول إليهم، إنّه شعور قاسٍ، كأنّهم عالقون بين الحياة والموت".
ولا تنتهي المعاناة عند الدفن، إذ تمتد آثارها النفسية طويلاً، ويكمل الهندي: "لم أعد أستطيع النوم، وكلما أغمضت عينيّ، تعود المشاهد ذاتها، الروائح، والأصوات، حتى الأطفال تغيروا، لم يعودوا يلعبون، أصبحوا صامتين، كأنّهم كبروا فجأة".
ويختتم حديثه قائلاً: "لا نطلب الكثير، فقط أن نتمكن من دفن أحبائنا بكرامة، وألّا نتركهم تحت الركام، وألّا يتحول الموت إلى هذا العذاب الممتد".
حين سقط البيت سقط كل شيء
ويفتح الشاب لؤي معروف (28 عاماً)، من حي الزيتون شرق مدينة غزة، قلبه لتجربة يصفها بأنّها الأثقل في حياته، بعدما اضطر إلى انتشال جثامين أفراد من عائلته وجيرانه وسط واقع يفتقر إلى أبسط مقومات الإنقاذ.
ويستهل معروف روايته بنبرة مثقلة بالتعب قائلاً: "لم يكن بيتنا مجرد منزل، بل كان حياة كاملة، وحين سقط، شعرت أنّ كل شيء انهار معه".
ويوضح: "كنا نجلس قبل دقائق فقط، وفجأة تغير كل شيء، ودوّى صوت هائل، أعقبه ظلام وغبار كثيف، وحاولت أن أصرخ، أن أتحرك، أن أبحث، لكن لم يكن هناك ما يُرى بوضوح، سوى الركام والصمت الثقيل".
ولم يتمكن معروف من بدء البحث فوراً بسبب خطورة المكان، ويضيف: "حاولنا الاقتراب لكنّ القصف كان يتكرر، وفي كل مرة كنا نقترب، نشعر بأننا قد نلحق بهم، وانتظرنا ساعات طويلة، عاجزين عن الفعل، ولا نعرف ماذا نفعل، فأن تبقى مشلولاً أمام هذا المشهد هو عذاب بحدّ ذاته".
وبعد انحسار نسبي للقصف، بدأ معروف وعدد من الجيران عملية البحث، ويكمل: "لم تكن لدينا جرافات ولا معدات، فقط أيدينا وبعض الأدوات البسيطة، وكنا نحفر ببطء، وكأننا نحفر في الزمن نفسه".
وداع بلا مراسم
ويتابع: "كل حجر كنا نرفعه كان يحمل احتمالاً، وأملاً صغيراً أو وجعاً كبيراً، في تلك اللحظات تشعر بأنّ قلبك لم يعد يحتمل، لكنك تجبر على الاستمرار".
ويصف اللحظة التي عثر فيها على جثمان: "كان لوالدي، ولم أستطع التعرف عليه في البداية، بعد أن غطى الغبار جسده، وبدت ملامحه بالكاد ترى، بعدها بدأنا نخرج البقية، وكل جثمان كان قصة وصدمة جديدة".
ويؤكد معروف أنّ "أصعب ما في التجربة لم يكن الجهد الجسدي، بل المواجهة النفسية، وحين تنتشل جثماناً، فأنت لا تقوم بعمل عادي، بل تواجه الفقد مباشرة، دون أيّ حواجز".
وفي ظل هذه الظروف القاسية لم يكن هناك متسع لإقامة طقوس وداع كاملة، مشيراً إلى أنّ "الدفن تم على عجل، دون وقت كافٍ للوداع، حتى الصلاة كانت مختصرة على عدد قليل جداً من الأصدقاء والأقارب، وهذا ما يؤلم أكثر، ألّا تودعهم كما يجب".
وعن حياته بعد هذه التجربة، يقول معروف: "لم أعد كما كنت، تغير كل شيء، النوم أصبح صعباً، والصمت أثقل، حتى أبسط الأشياء تذكّرني بهم، الأماكن، الروائح، الأصوات، كلها تحمل شيئاً منهم".
10 آلاف جثة تحت الركام
يقول الناطق باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل: إنّ "أكثر من 10 آلاف جثة، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن، ما تزال تحت أنقاض المنازل المدمرة في مناطق متفرقة من القطاع".
ويضيف بصل: "استهداف الآليات الثقيلة التابعة لجهاز الدفاع المدني من قبل الاحتلال الإسرائيلي أدى إلى توقف عمليات البحث وانتشال المفقودين، واصفاً ذلك بأنّه مشهد مؤلم لعائلات الضحايا التي لم تتمكن حتى الآن من استعادة جثامين ذويها".
ويوضح: "العديد من العائلات لجأت، وما تزال، إلى استخراج رفات أقاربها بجهود فردية، عبر الحفر اليدوي بين الركام، في ظل انعدام الإمكانيات، مشيراً إلى أنّ "هذا الواقع يُعدّ من أكثر المشاهد إيلاماً في الوقت الراهن".
ويكمل: "بعض الجثامين التي جرى انتشالها تعذّر التعرف على هويتها، نظراً لتحللها وتحولها إلى بقايا عظام، الأمر الذي يستدعي إجراء فحوصات جينية غير متوفرة في غزة، مشيراً إلى أنّه "تم دفن هذه الجثامين في مقابر جماعية مؤقتة، إلى حين توفر الإمكانيات اللازمة لتحديد هويات أصحابها".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

