تاريخ المقاهي الأدبية

تاريخ المقاهي الأدبية

تاريخ المقاهي الأدبية


13/09/2026

ترجمة عبود الجابري

ترتبطُ القهوةُ في الذاكرةِ الإنسانيةِ بما هو أبعدُ من كونِها مشروبًا؛ فهي جزءٌ من تاريخٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ طويلٍ، ارتبطَ ارتباطًا وثيقًا بنشأةِ المقهى الأدبيِّ، الذي شكّلَ فضاءً للقاءِ المثقفينَ والمفكرينَ وتبادلِ الآراءِ حولَ السياسةِ والاقتصادِ والفنِّ والأدبِ والفلسفةِ.

نشأت المقاهي الأدبيةُ في فرنسا خلالَ أواخرِ القرنِ السابعَ عشرَ وبداياتِ القرنِ الثامنَ عشرَ، حيثُ أصبحَ احتساءُ القهوةِ مناسبةً للحوارِ وتوليدِ الأفكارِ وتوسيعِ المعرفةِ. ومنها انتشرتْ إلى سائرِ أنحاءِ أوروبا ثمَّ إلى الولاياتِ المتحدةِ، وانتقلَ هذا التقليدُ من فرنسا وإنجلترا إلى البندقيةِ، ومنها إلى مختلفِ المدنِ الإيطاليةِ. وقد ارتادَ هذه المقاهي عددٌ كبيرٌ من أعلامِ الفكرِ والثقافةِ؛ فكانَ فلاسفةُ عصرِ الأنوارِ من أبرزِ روّادِها في فرنسا، بينما استقبلتْ في إنجلترا الشعراءَ والمثقفينَ ورجالَ الأعمالِ، وفي إيطاليا شخصياتٍ معروفةً مثل كازانوفا وغابرييلي دانونتسيو.

ما المقهى الأدبي؟

المقهى الأدبيُّ فضاءٌ ثقافيٌّ يعودُ تاريخُه إلى أواخرِ القرنِ السابعَ عشرَ، يجتمعُ فيه الكتّابُ والفنانونَ والمثقفونَ لتبادلِ الأفكارِ والخبراتِ ومناقشةِ القضايا الفكريةِ والأدبيةِ. ولم تقتصرْ وظيفتُه على تقديمِ القهوةِ، بل احتضنَ أمسياتِ القراءةِ والعروضِ الأدبيةِ والفنيةِ والأنشطةِ الثقافيةِ المختلفةِ. وعلى الرغمِ من أنَّ معظمَ روّادِه كانوا ينتمونَ إلى الطبقاتِ الميسورةِ، فإنَّ أجواءَه اتسمتْ بالبساطةِ والانفتاحِ، فغدا مكانًا تمتزجُ فيه الثقافةُ بالتجربةِ الإنسانيةِ، ويجتمعُ الناسُ فيه لقراءةِ كتابٍ أو مناقشةِ قضيةٍ فكريةٍ أو تأملِ عملٍ فنيٍّ، إلى جانبِ الاستمتاعِ بفنجانٍ من القهوةِ.

متى وأين وُلد المقهى الأدبي؟

بدأَ تاريخُ المقهى الأدبيِّ في أوروبا قبيلَ عامِ 1700، وأصبحَ خلالَ القرنِ الثامنَ عشرَ رمزًا للحركةِ الثقافيةِ الجديدةِ مع ارتيادِ مفكري عصرِ الأنوارِ له ونشرِهم أفكارَ الحريةِ والمساواةِ. غيرَ أنَّ مكانتَه بوصفِه ملتقى للأدباءِ والفنانينَ ترسختْ بصورةٍ واضحةٍ في القرنِ التاسعَ عشرَ، حيثُ نشأَ المقهى الأدبيُّ في فرنسا، حيثُ تحولَ تدريجيًّا إلى ظاهرةٍ ثقافيةٍ، ومن أشهرِ مقاهيها: لو بروكوب ودو فلور ولي دو ماغو.

أمّا في إيطاليا، فيُعدُّ مقهى فلوريان في البندقيةِ أوّلَ المقاهي الأدبيةِ، إلى جانبِ مقهى ديلي سفيتسيري في تورينو وبيفّي في ميلانو.

وفي هذه المقاهي التقى روّادُ أبرزِ الحركاتِ الفنيةِ الأوروبيةِ، ومنها السرياليةُ الفرنسيةُ والمستقبليةُ الإيطاليةُ، فأصبحتْ حاضنةً للأفكارِ الجديدةِ ومختبرًا للإبداعِ. ويرى كثيرٌ من المؤرخينَ أنَّ مقهى لو بروكوب في باريسَ، الذي أسّسَه الإيطاليُّ فرانشيسكو بروكوبيو دي كولتيلّي، هو أوّلُ مقهى أدبيٍّ في أوروبا، ويعدُّه كثيرونَ أقدمَ مقهى ما يزالُ قائمًا حتى اليومِ. وقد كانَ ملتقى لعددٍ من قادةِ الثورةِ الفرنسيةِ، مثل روبسبيير ودانتون ومارا وديدرو، وارتادَه كبارُ الأدباءِ والمفكرينَ، ومنهم لافونتين، وفولتير، ونابليون بونابرت، وأونوريه دي بلزاك، وفيكتور هوغو، وجورج صاند، وبول فيرلين، وأناتول فرانس.

القهوة وعصر الأنوار

أسهمتِ المقاهي الأدبيةُ في نشرِ أفكارِ عصرِ الأنوارِ، إذ وفّرتْ فضاءً مفتوحًا لتداولِ الأفكارِ الداعيةِ إلى الحريةِ والمساواةِ، ورسّختْ تصورًا جديدًا للمجتمعِ تُقاسُ فيه قيمةُ الإنسانِ بقدرتِه على التفكيرِ والإبداعِ لا بانتمائِه الطبقيِّ. ومن أبرزِ الشواهدِ على هذه العلاقةِ مجلةُ "إل كافيه" الإيطاليةُ التي أسّسَها المفكرُ بيترو فيرّي، وسجّلتْ طبيعةَ النقاشاتِ الفكريةِ التي كانتْ تدورُ داخلَ المقاهي، وأسهمتْ في نشرِها خارجَ جدرانِها.

أقدمُ المقاهي الأدبيةِ في إيطاليا

يُعدُّ مقهى فلوريان في ساحةِ القديسِ مرقس بالبندقيةِ واحدًا من أقدمِ المقاهي الأدبيةِ في العالمِ، إذ افتُتحَ عامَ 1720، وتميّزَ بطرازِه المعماريِّ الأنيقِ. وقد استقبلَ شخصياتٍ بارزةً، مثلَ جياكومو كازانوفا، وأوغو فوسكولو، ومارسيل بروست، واللورد بايرون، ويوهان فولفغانغ غوته. وشهدَ الاحتفالَ بإعلانِ بعثِ جمهوريةِ القديسِ مرقسَ، واحتضنَ عامَ 1895 أوّلَ دورةٍ من بينالي البندقيةِ، الذي أصبحَ لاحقًا من أهمِّ المعارضِ الفنيةِ العالميةِ.

ومن المقاهي الإيطاليةِ التاريخيةِ أيضًا جوبّه روسّه في فلورنسا، وغران كافيه غامبرينوس في نابولي، وأنتيكو كافيه غريكو في روما.

غران كافيه غامبرينوس في نابولي

يُعدُّ غران كافيه غامبرينوس، الذي افتُتحَ سنةَ 1860، أحدَ أبرزِ رموزِ نابولي الثقافيةِ. فمنذُ تأسيسِه كانَ ملتقى للسياسيينَ والفنانينَ والكتّابِ، واستضافَ شخصياتٍ بارزةً مثل ماتيلده سيراو، وبينيديتو كروتشه، وإدواردو دي فيليبو. وما يزالُ حتى اليومِ مقصدًا لعشّاقِ القهوةِ النابوليةِ الأصيلةِ وللباحثينَ عن تجربةٍ تجمعُ بينَ الفنِّ والتاريخِ وعراقةِ المكانِ.

المقهى الأدبيُّ في روما

تزخرُ روما بدورِها بمقاهٍ ارتبطتْ بتاريخِ الثقافةِ، وفي مقدمتِها أنتيكو كافيه غريكو، الذي أُسّسَ عامَ 1760 في شارعِ فيا دي كوندوتّي. وقد تحوّلَ إلى صالونٍ ثقافيٍّ للنخبةِ الأوروبيةِ، فكانَ من روّادِه الشاعرانِ جون كيتس وبرسي شيلي، والموسيقيُّ ريتشارد فاغنر، والشاعرُ الرومانيُّ تريلوسّا.

وما يزالُ هذا المقهى يحتفظُ بمكانتِه بوصفِه واحدًا من أكثرِ المقاهي الإيطاليةِ ارتباطًا بذاكرةِ الأدبِ والفنِّ.

المقهى الأدبيُّ في فرنسا وإنجلترا

لا يكتملُ تاريخُ المقهى الأدبيِّ من دونِ الوقوفِ عندَ التجربتينِ الفرنسيةِ والإنجليزيةِ، إذ شهدَ البلدانِ ازدهارًا كبيرًا لهذا النمطِ من المقاهي، التي أصبحتْ محورًا للحياةِ الثقافيةِ وأسهمتْ في نشوءِ تياراتٍ أدبيةٍ وفنيةٍ مؤثرةٍ، قبلَ أن ينتقلَ هذا النموذجُ إلى بلدانٍ أخرى. وقد أدّى انتشارُ المقاهي في باريسَ، منذ مطلعِ القرنِ الثامنَ عشر،َ إلى افتتاحِ آلافِ المقاهي، حتى تجاوزَ عددُها ثلاثةَ آلافِ مقهى مع نهايةِ القرنِ. وكانتْ هذه الأماكنُ ملتقى للمثقفينَ على اختلافِ طبقاتِهم، يناقشونَ الفلسفةَ والأدبَ والفنونَ والسياسةَ، ومنها انتشرتْ أفكارُ عصرِ الأنوارِ القائمةُ على العقلِ والحريةِ والمساواةِ.

أمّا في إنجلترا، فقد اكتسبتِ المقاهي طابعًا مختلفًا؛ إذ جمعتْ إلى جانبِ الأدباءِ والمثقفينَ رجالَ الأعمالِ والتجّارَ، وتحولتْ إلى مراكزَ للنقاشِ في السياسةِ والاقتصادِ، وتناولتْ موضوعاتِ الحياةِ اليوميةِ، مثل الرياضةِ والأزياءِ والأخبارِ، وهو ما منحَها دورًا اجتماعيًّا واسعًا إلى جانبِ دورِها الثقافيِّ.

المقهى الأدبيُّ اليومَ

شهدَ العقدانِ الأخيرانِ عودةَ الاهتمامِ بفكرةِ المقهى الأدبيِّ، فظهرتْ في مدنٍ كثيرةٍ مقاهٍ تضمُّ مكتباتٍ أو رفوفًا للكتبِ، تمنحُ الزائرَ فرصةَ القراءةِ أو الحوارِ أو التأملِ في أجواءٍ هادئةٍ، بعيدًا عن ضجيجِ الحياةِ اليوميةِ. ورغمَ اختلافِ هذه المقاهي عن نظيراتِها التاريخيةِ، فإنَّها ما تزالُ تقومُ على الفكرةِ نفسِها: الجمعُ بينَ متعةِ الضيافةِ وقيمةِ الثقافةِ.

ويتخذُ هذا النموذجُ غالبًا شكلَ "مقهى الكتابِ"، حيثُ يمكنُ للزائرِ شراءُ الكتبِ أو استعارتُها، وقد انتشرَ في مدنٍ إيطاليةٍ عديدةٍ، ومن أبرزِ أمثلتِه مقاهٍ ومتاجرُ سلسلةِ فيلترينيلّي، المستوحاةِ من تجربةِ نيويورك في الجمعِ بينَ المقهى والمكتبةِ. ويعتمدُ هذا المفهومُ على أنَّ متعةَ فنجانِ القهوةِ لا تتعلقُ بجودتِه وحدَها، بل بالبيئةِ التي يُقدَّمُ فيها، وما توفّرُه من راحةٍ وإثراءٍ فكريٍّ.

خاتمةٌ

في عصرٍ تراجعتْ فيه اللقاءاتُ المباشرةُ أمامَ التواصلِ الرقميِّ، يكتسبُ المقهى الأدبيُّ أهميةً متجددةً بوصفِه فضاءً يجمعُ بينَ المعرفةِ والعلاقاتِ الإنسانيةِ. فهو قادرٌ على تكوينِ مجتمعٍ صغيرٍ من القرّاءِ والكتّابِ ومحبي الثقافةِ، إذا أُعيدَ تقديمُه بما ينسجمُ مع روحِ العصرِ، من خلالِ تنظيمِ حفلاتِ توقيعِ الكتبِ، والمعارضِ الفنيةِ، والأمسياتِ القرائيةِ، والعروضِ المسرحيةِ المحدودةِ. وهكذا يظلُّ المقهى الأدبيُّ أكثرَ من مكانٍ لاحتساءِ القهوةِ؛ إنَّه مؤسسةٌ ثقافيةٌ أسهمتْ في تشكيلِ الحياةِ الفكريةِ الأوروبيةِ، وما يزالُ قادرًا على أداءِ هذا الدورِ في الحاضرِ، لأنَّه يجمعُ بينَ متعةِ اللقاءِ، ولذّةِ القهوةِ، وثراءِ المعرفةِ.

المصدر: htpontevecchiosrl.it  / "موقع الكتروني ايطالي مختص بماكنات القهوة"
 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية