باحث تونسي يكشف كيف شكّل "الإخوان" مخزوناً للجماعات المتطرفة

باحث تونسي يكشف كيف شكّل "الإخوان" مخزوناً للجماعات المتطرفة

مشاهدة

20/05/2019

يشتغل الباحث التونسي، عبيد خليفي، على القواسم المشتركة بين الظاهرة الجهادية والظاهرة الإخوانية، في كتابه الصادر حديثاً في تونس "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية" (في 560 صفحة).

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي يحذّر من نوع جديد من الجهاد..
وتوجزالجملة الآتية الخيط الناظم لعنوان الكتاب، والذي يُحيل إلى تفاعل المشروع الإسلامي الحركي بشكل عام مع الجهاد؛ حيث رأى المؤلف أنّ تعاليم الإخوان المسلمين، منذ حسن البنا، كانت قد طرحت الجهاد شرطاً من شروط الإيمان، وركناً من أركان الإسلام، وأنّ الجهاد يكون صبراً ساعة الدعوة، ويكون قتالاً ساعة التحرك العملي، وعليه الجماعة لم تكن قادرة على إقناع قواعدها وشبابها بأنّ مرحلة الدعوة والصبر على الأذى ستطول أكثر مما مضى؛ بل إنّ سيد قطب نفسه، كان همزة الوصل بين جماعة الإخوان المسلمين والحركات الجهادية من بعده؛ لذلك فإنّ انجرار الإسلام السياسي للعنف كان مرتبطاً بثغرات داخلية في التنظيم وضغوطات خارجية من النظام القائم.

كتاب "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة" عمل يكاد يقترب من الأعمال المحسوبة على الدراسات الاستشرافية

وما كان لحسن البنا أن يُسيطر على جناح تربى على فرق الجوالة والتدريب الحربي وتكوين عقائدي محوره فكرة الجهاد بصورة مطلقة، مع شحن عاطفي وأسطوري لبطولات المسلمين من زمن الحقبة النبوية.
ويضيف المؤلف في المدخل العام للكتاب؛ أنّ المشروع الجهادي بشكل عام واقع في مثلث مرعب ضاغط: النفط والسلاح والتبعية، وفجأة صار الذين كانوا جهاديين يحظون بالاحترام والتقدير في التسعينيات من القرن الماضي، إرهابيين؛ لأنّ المصالح تبدلت والمشروع تضخم بذاته، ولم يعد يبحث عن حليف سوى مقاتليه، محذراً القارئ من أنّه لا ينتمي إلى مروجي أطروحة المؤامرة المطلقة في تفسير الظاهرة الجهادية، باعتبارها مقولة تورث الكسل الفكري بإسناد مشاكلنا للآخر الغربي.

غلاف الكتاب

أنثروبولوجيا الظاهرة الجهادية
كان المؤلف صريحاً في الدعوة إلى أهمية الاشتغال البحثي على النظر في مفهوم الجهاد في الممارسة الثقافية الأنثروبولوجية في المجال العربي الإسلامي؛ بل رآه بمثابة الطريق لفهم المأزق الذي تعيشه الحركات الإسلامية المعاصرة، مطالباً أيضاً بالانطلاق من الحقبة النبوية، وما تلاها من تجربة الصحابة الكرام، وبالتالي عدم الاقتصار على قراءات تفاعل العقل الإسلامي مع مفهوم الجهاد، ابتداءً من أولى محطات الإسلاموية، سواء مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، عام 1928، أو مع المحطات الإسلاموية اللاحقة (تنظيرات المودودي، سيد قطب، عبد الله عزام، وأسماء غيرهم).
وخلص المؤلف إلى مجموعة من النتائج، نذكر منها ثلاثاً على الأقل:
1ــ يوجد الدافع العقائدي لأولى الفتوحات أو الغزوات في الحقبة النبوية؛ في كون الدعوة موجهة للناس كافة، وما الاكتفاء بالمجال المكي والمدني إلا تقزيم لدعوة تريد أن تبعث الحياة في الإرث الإبراهيمي التوحيدي، ونسخ عقائد الشرك والتحريف اليهودي المسيحي.
2ــ بعد فتح مكة، وقدوم الوفود لأداء البيعة، اكتظت المدينة بالمقاتلين، وتتحدث المصادر عن عشرة آلاف مقاتل، تُضاف إليها القبائل والأعراب، وصار هذا الحشد يمثل ضغطاً على المدينة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
3- كان سيف الدعوة المحمدية يطمح لإخراج المجال العربي من مفهوم التبعية للإمبراطوريتين، الساسانية والبيزنطية، فكان يحمل طموحاً لإجبار هاتين القوتين على احترام سيادة المجال الحجازي الناشئ.

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
وتفاعلاً للعقل الإسلامي الحركي مع هذه المفاتيح؛ رأى المؤلف أنّ الحركات الإسلامية المعاصرة ستقرأ آيات الجهاد، دون تمييز بين الظاهرة النبوية التاريخية المحفوظة بالوحي، والظاهرة الإسلامية اللاتاريخية المحاطة بالاجتهاد البشري الصرف.
كما خلُصَ أيضاً إلى أنّ "سيف الدعوة النبوية كان ليناً؛ لأنّ المواجهة كانت بين أبناء العشيرة الواحدة وأبناء العمومة، فغلبت الرحمة والرأفة في القتال وفدية الأسرى، باستثناء ثلة من الصحابة الشباب الذين تسلحوا بروح ثورية دينية، مارست قطيعة مع إرث الماضي في العقيدة ورابطة الدم، فكان سيفهم شديداً على المشركين" (ص 112)، مطالباً بالتعامل النظري مع المرحلة النبوية في شقها "الحربي الإسلامي" بمزيد من الحذر المعرفي؛ لأنّها جاءت في "سياق حضاري حكم المنطقة في صراع المصالح الإقليمية والتوازنات الدولية خلال القرنين السادس والسابع للميلاد، ولن تحتفظ الأنا العربية المسلمة من تاريخ الفتوحات سوى بصورة النصر الديني والفعل الجهادي الخلاب والمجد والوفاء للأبطال والقادة العسكريين الفاتحين" (ص 130).

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
أما المنعطف التاريخي؛ الذي ما نزال نؤدي ثمنه اليوم، والمرتبط بتفاعل العقل الإسلامي الجماعي مع مفهوم الجهاد، فيرى المؤلف أنّه مرتبط بحادث اغتيال الصحابي عثمان بن عفان، رضي الله عنه، لأنّه كان "عملاً جماعياً أدخل الأمة الإسلامية في دوامة من القتل والدم، لن تتوقف طيلة أربعة عشر قرناً، وربما كان هذا الاغتيال الأكثر تأثيراً في مسار الأمة الإسلامية؛ فمنه تأسست "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، وهو عنوان كتاب أبي الحسن الأشعري، ولم يعد "دم المسلم على المسلم حرام" مثلما أوصى الحديث النبوي الصريح؛ لأنّ الحقائق صارت نسبية، وكلّ طرف يعتقد أنه يملك العقيدة الإسلامية الصحيحة، ومن خالفه خرج وكفر ويحقّ قتله واغتياله" ‎‎‎(ص 134).

اقرأ أيضاً: فرانسوا بورجات: جماعات الإسلام السياسي نمطية ..والاختلالات السياسية فاقمت الجهادية
لقد كان هذا الاغتيال صدمة للضمير الإسلامي، لكنّه كان كسراً لحاجز القداسة التي تُمنح للخليفة في الجمع بين سلطة دينية وسلطة مدنية، كما كانت واقعة الجمل سيفاً حاسماً للارتباك الإسلامي لتأسيس الشرعية السياسة للحاكم، منذ حادثة السقيفة، في اختيار الخليفة الأول، وما كانت واقعة صفين (37 هـ) إلا إحياءً للصراع العرقي الشامي الذي لم تستطع الدولة الإسلامية محوه باسم الرابطة الدينية الإيمانية (ص 142).‎

سيف الجماعة والتنظيم
اشتغل المؤلف على ثلاثة مفاهيم أساسية في المشروع الإسلامي الحركي، سواء كان دعوياً أو سياسياً أو قتالياً، أو قل جهادياً، وإن لم يُفصل المؤلف قط في هذا التدقيق النظري؛ لأنّه عمل من عنوان الكتاب على الاشتغال بالتحديد على التطبيقات السياسية والجهادية للمشروع الإسلامي الحركي.

اقرأ أيضاً: حماس تنتهج أسلوب "بتكوين الجهاد"
ومعلوم أنّ أهم هذه المفاهيم، وهي التوحيد والحاكمية والجماعة، كانت مركزية لفكر أبي الأعلى المودودي، والذي لم يبتكر هذه المصطلحات المركزية بقدر ما قام باستنباطها من الفكر الإسلامي في بنيته النظرية، وراح يمارس عملاً تأويلياً أخرج المصطلحات من سياقها الديني إلى سياق سياسي حركي، سينتج دستوراً إسلامياً مدوناً بعد عشرين عاماً على كتابه "الجهاد في سبيل الله".


وقد رأى المؤلف؛ أنّ "هذا الدستور لم يكن سوى قراءة سطحية للممارسة النبوية في بساطتها، ولتجربة الخلافة الراشدة ورؤية مثالية مقدسة، وهو دستور يستند إلى مفاهيم مرجعية وقع تداولها في السياق الإسلامي، ليقع إشباعها برؤية معاصرة، فالتوحيد الذي كان في السياق الإسلامي لحظة إيمانية عقائدية، صار عند المودودي فهماً كونياً للخلق البشري" (ص 217).

اقرأ أيضاً: ولاية جديدة لداعش.. أين هي؟ ومن يقف وراءها؟
لقد كانت أفكار أبي الأعلى المودودي اللبنة الأولى لبروز الإسلام الشعبي الحركي السياسي بديلاً عن الإسلام النخبوي الفكري العالِم؛ حيث نزع البُعد الفلسفي عن المفاهيم الإسلامية، ليمارس معها نوعاً من الإشباع التطبيقي في حشد الناس وتعبئتهم نحو بديل إسلامي نشيط، غير أنّ خلاصات أفكاره أنتجت تصوراً خطيراً في ما يتعلق بمفهوم الجماعة الإسلامية؛ فهي الجماعة التي تمتلك الحقيقة المطلقة، وهي الجماعة الموكول لها تغيير العالم عبر إخضاع بقية الجماعات، هي جماعة تمتلك اليقين ومن عاداها من جماعات وشعوب هي على ضلالة وجهل وزيغ، ومهمة الجماعة الإسلامية هي نشر الدعوة والتبليغ والقتال بالسيف (ص 218 و219).

أدبيات جماعة الإخوان المسلمين كوّنت أجيالاً من الشباب بمرجعية الجهاد مدفوعة من إطار الدعوة إلى إطار المواجهة

واضح أنّ استحضار هذه الثنائية في العمل الإسلامي الحركي، تساعد الباحث في قراءة معالم أداء المشروع الإسلامي الحركي في إحداث "الفوضى الخلاقة" التي اصطلح عليها إعلامياً بأحداث "الربيع العربي"، ابتداءً من كانون الثاني (يناير) 2011؛ حيث عاينا ما يُشبه توزيع الأدوار بين الشقّ الدعوي والشقّ السياسي، والشقّ القتالي للمشروع.
كان سيد قطب علامة فارقة في تاريخ الإسلام السياسي؛ حين مكّن هذا المشروع من أدوات التحليل والفهم والتأويل، فلئن ظلّ مفهوم الجهاد عند حسن البنا مفهوماً غائماً، فإنّ دور سيد قطب أنّه بوّب الجهاد في سياق مشروع ثوري، لتغيير الواقع واستعادة الماضي بحد السيف وقوة العنف، كما تلخصه شهادة صادرة عن زينب الغزالي، أوردها المؤلف في الكتاب، وجاء فيها: إنّه "بتعليمات من سيد قطب، وبإذن من الهضيبي، قررنا أن تستمر مدة التربية والتكوين والإعداد ثلاثة عشر عاماً، عمر الدعوة في مكة، على أنّ قاعدة الأمة الإسلامية الآن هم الإخوان، الملتزمون بشريعة الله وأحكامه، فنحن ملزمون بإقامة كلّ الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب، والطاعة واجبة علينا لإمامنا المبايع، على أنّ إقامة الحدود مؤجلة، مع اعتقادنا بها، والذود عنها، حتى تقوم الدولة، ولذلك وجب الجهاد على الجماعة المسلمة، حتى يعود جميع المسلمين إلى الإسلام". وإنّ صمت الهضيبي، المرشد الثاني للإخوان من جهة، وتشجيعه لتداول أفكار سيد قطب، بـظلال القرآن ومعالمه، من جهة أخرى، كان حافزاً لكثير من الشباب المقهور اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً على اختزال المشروع القطبي في ثلاث مقولات:
أولاً: سبب تخلف المسلمين في ترك الشريعة وعدم تحكيمها في شؤون البشرية، ثانياً: تكفير الطغاة وأعوانهم وتكفير المجتمع الذي رضي بحكمهم، ثالثاً: لا بدّ من تشكيل جماعة مجاهدة تستعيد تجربة الإسلام التأسيسي" (ص 281)، وبَدَهي أنّ هذه المقولات سوف تصبح النموذج الأصلي العملي لكلّ الحركات الإسلامية، وإن تفاوت بين ما يسمى بالجانب الدعوي والجانب السياسي لهذه الحركات.

الجيل الثاني من الظاهرة الجهادية

توقف المؤلف أيضاً عند مفهوم الجهاد لدى الحركات الجهادية، التي نشأت من رحم مشروع سيد قطب، اشتغل المؤلف على ثلاثة نماذج لحركات جهادية، خلّف زعماؤها نصوصاً في مفهوم الجهاد، وخلقت نوعاً من التراكم في التجربة الجهادية الإسلامية: كانت التجربة الأولى مع "جماعة التحرير الإسلامي"، بقيادة صالح سرية، وكانت التجربة الثانية مع "جماعة المسلمين"، بقيادة شكري مصطفى، وأخيراً، تأتي "جماعة الجهاد" المصري، بقيادة محمد عبد السلام فرج؛ إنها ثلاثة نصوص وثلاث جماعات، عبّرت عن حالة تفكيك للمشروع القطبي، وفي الوقت نفسه كانت تجليات تأسيسية لمشروع جهادي يرسم ملامح المستقبل.

اقرأ أيضاً: تحولات "داعش" ما بعد الهزيمة
اتضح أنّ الثابت بين هذه التنظيمات هو إدخال المجتمع الإسلامي في دوامة التكفير والمواجهة لمرجعية عقائدية تأويلية، أما في علاقة الإسلام السياسي بالإسلام الجهادي؛ فإنّ هامش اللقاء كان قريباً جداً، فجماعة الإخوان المسلمين مثلث مخزوناً للجماعات الجهادية بقصد أو دون قصد.
ورُبَّ معترض على أنّ أدبيات جماعة الإخوان المسلمين ترفض العنف أسلوباً للتغيير، وتسعى إلى المشاركة السياسية، إلا أنّها، بحسب المؤلف، "كوّنت أجيالاً من الشباب بمرجعية الجهاد، وهذه الأجيال التي عانت ويلات التعذيب والسجون، كانت مدفوعة إلى الخروج من إطار الدعوة والجهاد السياسي إلى إطار المواجهة والجهاد الحربي"، مضيفاً: "هذه الجماعات برزت نتيجة حتمية لظروف داخلية وأخرى موضوعية خارجية، فالصحوة الإسلامية في وجهها الحركي أحيت مفهوم الجهاد دون مراعاة لتاريخية المفهوم وممارسته في التجربة الإسلامية التأسيسية النبوية، وراحت تستعيد المفهوم بمحفزاته الفقهية الكلاسيكية؛ لأنّه الحقيقة المطلقة التي لا يمكن مراجعتها أو نقدها، فجعلت العنف يدخل في باب المقدس الديني كحق مطلق، وعلى المؤمن أن يمارسه شعيرة واجبة ليكتمل الإيمان؛ بل إنّ الجهاد صار مرادفاً للوجه العملي للإيمان بوحدانية الله وحكمه في الأرض"(ص 331).

المهووسون بنظرية المؤامرة يعتقدون أنها من تخطيط الاستخبارات الغربية" لصناعة الظاهرة "الداعشية"

مآزق الفصل بين الإخوان والجهاديين
توقف المؤلف عند وثيقة "جهادية" شهيرة، تحمل عنوان "إدارة التوحش"، التي حرّرها أبو بكر ناجي، معتبراً أنّ "المهووسين بنظرية المؤامرة يعتقدون أنها من تخطيط الاستخبارات الغربية" لصناعة الظاهرة "الداعشية"، ولكنّه يميل إلى الاعتقاد أنّها "تأليف جماعي لقادة تنظيم "القاعدة" بتحرير فردي، وبدا ذلك جلياً في أسلوب الكتابة وتعابيرها وتكرارها، وهي وثيقة منهجية بامتياز في هيكلتها، فهي تختزل تصوّراً جاء عند أبي مصعب السوري، قبل تطويرها فنياً وحركياً" (ص 456).

اقرأ أيضاً: هل تعود جماعة الإخوان من جديد للمشهد العام؟
من المهم التوقف عند أبر ما انتهى إليه الكتاب؛ حيث يرى عبيد خليفي مجموعة من الخلاصات، نذكر منها نقطتين أساسيتين:
ــ ليست الظاهرة "الداعشية" ظاهرة غريبة في سياق الحركات الجهادية العالمية؛ بل ثمرة مسار تطور متراكم بدأ مع دم سيد قطب ليفوح في نصوص صالح سرية وشكري مصطفى وعبد السلام فرج وعبود الزمر، في وثائق الغضب الإسلامي في التسعينيات، وحمل لواء تنظيم الجهاد المصري في عشرية المواجهة والدم وإحياء "الفريضة الغائبة"، قبل أن يرتحلوا وينفروا نحو أفغانستان، إبان الغزو السوفييتي، عام 1979، في تجربة "الأفغان العرب"، حيث التنظير والتنظيم" (ص 501).
ــ كان صعود الظاهرة "الداعشية"، ونموها، رهين ثلاثة شروط: منظومة فقهية مغلقة لا تعرف الإصلاح الديني؛ لأنّ أنظمة الحكم التقليدية رفضته وتصدت له. ومنظومة تعليمية قائمة على الوثوقية والتلقين وتخريج المطرودين والمعطلين، ليكونوا مخزوناً بشرياً قابلاً للاستقطاب. ومنظومة تنموية اقتصادية واجتماعية فاشلة همّشت فئات وجهات لعقود طويلة، فكانت أرضاً خصبة للجريمة والمخدرات والتطرف (ص 502).

اقرأ أيضاً: بشهادة "القاعدة".. العنف خرج من رحم "الإخوان"
كما رأى خليفي؛ أنّه من الصعب الفصل بين الإسلام السياسي والإسلام الجهادي؛ بل إنّ المؤلف يذهب إلى أنّه لا سبيل إلى ذلك، فكلاهما يصدر عن معين واحد، وكلاهما يتبنى مفهوم الجهاد وسيلة للتغيير، وربما كان الاختلاف في التكتيك، فمن كان مستعجلاً أو غاضباً، بلغة راشد الغنوشي، زعيم الإسلام السياسي في تونس، سيتبنى السلاح بصورة وحشية لإرغام الآخر، من وجهة نظره. وما كان للصحوة الإسلامية أن تكتسح المجال الشعبي لو كانت الدولة الوطنية نججت في إمكانية الخروج بالمجتمعات من سياق التخلف إلى سياق التقدم، وتقديم رؤية علمية نقدية للعمق الديني والحضاري والسياسي، وفي المقابل، كانت الصحوة الإسلامية الحركية أكثر سحراً وجاذبية لعنفوان الشباب (ص 510).

من الصعب الفصل بين الإسلام السياسي والإسلام الجهادي

مآلات الظاهرة الجهادية
في غفلة منا نشأت الظاهرة الجهادية، ونمت، حتى صارت تأسيساً قائماً بذاته، وما بين الدهشة والتعجب غابت الدروس والبحوث العلمية التي تحاول فهم الظاهرة وتفهمها، في بنيتها وجذورها وتراكمها.
وبعيداً عن الانطباعية والسذاجة العلمية في التعامل مع الظاهرة، يُجدد المؤلف الدعوة إلى الاشتغال البحثي الرصين على "نصوص فقه الجهاد في الموروث الديني معالجتها بمقولة تاريخية التنزيل والتلفظ" (ص 511)، مضيفاً: "بقدر الإنجاز المعرفي الذي خلفته الصحوة الإسلامية الفكرية على أيدي رواد الإصلاح الديني؛ من مدونات علمية، ومؤلفات فكرية، خلّفت الصحوة الإسلامية الجهادية مدونة جهادية ضخمة، حبرها رواد الفكر الجهادي، والمفارقة أنّ مدونة الصحوة الفكرية صارت حكراً على الباحثين والمختصين، فكانت معرفة النخبة العالمة، بينما كانت المدونة الجهادية أكثر جماهيرية وشعبية لما تتميز به من الاختزال والاختصار، وسرعة الوصول إليها عبر الشبكة العنكبوتية، في ظلّ حالة ما بعد الحداثة التي تفرض الثقافة الإلكترونية" (ص 523).

اقرأ أيضاً: ليبيا تصنّف تنظيم الإخوان المسلمين
كتاب "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية"، عمل يكاد يقترب من الأعمال المحسوبة على الدراسات الاستشرافية؛ لأنّ مؤلفه اجتهد في الجمع بين التوثيق والتركيب والتحليل مع قليل استشراف، وهذا أمر ليس هيناً عندما يتعلق الأمر بتناول ظاهرة مجتمعية حارقة، تتشابك فيها مجموعة من المحددات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، من قبيل الظاهرة الجهادية.

الصفحة الرئيسية