المصرية مريم زاهر تصوم مع القديسة العذراء: بشرى لكل البشر

المصرية مريم زاهر تصوم مع القديسة العذراء: بشرى لكل البشر

مشاهدة

12/08/2018

"تصادف ميلادي مع صيام العذراء، كما روت لي والدتي، في سن مبكرة من حياتي، ومنذ تلك اللحظة، ارتبط داخلي هذا الصيام، بطقوسه، وخصوصيته، وموعده السنوي، بشيء حميمي وقوي، يبعث في نفسي طمأنينة، وسعادة كبيرتين". لا تتردد مريم زاهر، التي بدأت قبل أيام، صوم القديسة مريم العذراء، في السابع من آب (أغسطس)، وينتهي في 22 من الشهر الجاري، في التعبير عن مشاعرها، التي راكمتها تجاه هذه المناسبة الدينية وخصوصيتها في المجتمع المصري، سواء من الناحية الدينية أو الشعبية.
تقول مريم لـ"حفريات": "كانت ولادتي صعبة ومرهقة، ومرت بظروف معقدة، وقد أسرّ الأطباء لأمي، أنّ مولودتها، ربما، لن تعيش، بيد أنّ الحزن والقلق، اللذين استبدا بقلب والدتي، لم ينسها اللجوء لطلب العون، من السيدة مريم. وفي صلواتها رددت دعواتها، ونذرت أسبوعاً كاملاً تصومه، قبل بدء صيام الكنيسة، وتسمية مولودتها "مريم"، تمثلاً لشفاعتها بعد نجاة طفلتها، وهو ما نفذته أمي، فيما أضحت من القصص الملهمة لي، كلما ترددت أمامي، في مثل هذا التوقيت، منذ خلدتها ذاكرتها، نستمد منها الجلد والإيمان".

اقرأ أيضاً: مسيحيون يشدون بحب النبي: هل يصلح الفن ما أفسدته الأيديولوجيا؟

محتفلون بالعذراء في دير درنكة بأسيوط (تصوير: روجيه أنيس)

وتضيف مريم، أنه من بين الطقوس التي تذكرها، من مرحلة الطفولة، وترافقت مع صوم العذراء؛ هو صناعة المخبوزات (فطير العدرا)، كما نسميه، ويتشارك فيه الصغار والكبار. وبالرغم من أنّ صيام العذراء، يعد من أصغر الصيامات، في المسيحية، ومدته خمسة عشر يوماً، فقط، إلا أنه من أحب وأمتع الصيامات، عند المسيحيين، كما أنّ العديد من الأصدقاء المسلمين، يشاركوننا الصيام، حباً وتكريماً للبتول.

هكذا ارتبط المصريون بالسيدة البتول
"أم النور" و"أم المخلّص"؛ تتعدد الألقاب التي تحوزها السيدة مريم، في الوجدان والوعي الدينيين، المسلم والمسيحي معاً، حيث تكشف تلك المسميات، في دلالتها، عن المكانة العميقة والمقدسة، التي تحتلها في نفوسهم، فارتبطت بها المعجزات، وتلبية العون والشفاعة والفداء. لذا، ففي عيدها أو الموالد المرتبطة بها، ينحرون الذبائح على اسمها، ويقدمون العطايا، وينذرون لها النذور.

خلال الصيام يعتمد المسيحيون على الخبز الناشف والملح ويمتنعون عن أكل السمك بالرغم من التصريح الكنسي بأكله

ولئن اعتبر صوم العذراء، صياماً من الدرجة الثانية، في العقيدة المسيحية، بأيامه الخمسة عشر، التي يسمح في أثنائها بأكل لحوم السمك؛ لكنّ المسيحيين يتهالكون على الالتزام والتقشف، في حدوده القصوى، فينذرون أسبوعاً للصيام، مقدماً، قبل الصيام الأساسي، فيصومون 21 يوماً بدلاً من 15.
كما يعتمد المسيحيون في غذائهم خلال الصيام، على الخبز الناشف والملح، ويمتنعون عن أكل السمك، بالرغم من التصريح الكنسي بأكله.

اقرأ أيضاً: مسلمون ومسيحيون في رمضان على مائدة مشتركة

بائعة مصرية مسلمة تقدم وجبة "شلولو" لمسيحي

ويتفاوت الأمر، قليلاً، لدى أقباط مصر في الصعيد، الذين يتناولون وجبة "شلولو"، وهي عبارة عن وجبة "ملوخية"، تعد بالماء والملح والثوم والليمون، حيث يعتقدون أنّ السيدة مريم، في رحلتها المقدسة لمصر، لم تجد ما تأكله، سوى هذه الأوراق الخضراء "الملوخية"، التي حصلت عليها من أحد الأشخاص، فوضعت عليها ماء، وأكلتها.

اقرأ أيضاً: صورة المسيح في التراث الصوفي الإسلامي
في الموالد القبطية، المرتبطة بالعذراء أو أحد القديسين، ثمة حضور وتواجد ملحوظ ومميز للمكون الإسلامي، الذي يطوف بين هذه المقامات والعتبات المقدسة، وتشكل له سنداً معنوياً، خاصة لدى الفئات الشعبية.

زوار العذراء (اليوم السابع)

معراج الإنسان ضد التعصب

وتعد هذه الاحتفالات الدينية، بمثابة حاضنة اجتماعية، يتخفف فيها المرء من أعبائه، ويتحرر من آلامه، وتقيه من الشعور بالقهر والألم، الذي يكابده في يومياته، فيما تصهره داخل هذا الصخب والمزيج، الديني والاجتماعي والشعبي، بحالاته المتنوعة؛ من أناشيد وأغانٍ دينية، وابتهالات ومواويل شعبية، وقصص أسطورية.

اقرأ أيضاً: المسيحيون في الإمارات.. حرية في العبادة تكفلها القوانين وترعاها الدولة
وفي أحد الأجزاء، التي يرددها الراوي الشعبي، من الموال السباعي، في موالد العذراء، في توقيتاتها المختلفة، أو يروي من خلاله، قصة البتول، توثق عبارة: "بشرى لكل البشر.. إسلام مع أنصار". ملاحظة "الراوي" للإشارة إلى أن ثمة توافد زوار مسلمين للمولد، وعدم اقتصاره على المسيحيين فقط.

مسلمون ومسيحيون في مولد السيدة العذراء

وفي كتاب "مقدمة في الفلكلور القبطي"، يلاحظ الباحث المصري عصام ستاتي، وحدة عضوية في إيمان المصريين العقائدي، الذي يتقاسم عناصر متشابهة ومتطابقة أحياناً، في إيمانهم ووعيهم الديني، ما يجعل لهذه الخصوصية والحضور المشترك، اعتباره وقيمته المنطقية، بغض النظر عن الخلاقات العقائدية، والجدل اللاهوتي بين الأديان.

تعد هذه الاحتفالات الدينية بمثابة حاضنة اجتماعية يتخفف فيها المرء من أعبائه وتقيه من الشعور بالقهر والألم

فإن إيزيس "إلهة القمر"، التي تتجلى في صورة امرأة لها قرنان، بينهما نور القمر، هي نفسها الصورة التي احتلتها، وملأت فراغها، السيدة مريم، التي تحوطها الهالة النورانية، المستمدة من الروح القدس، وخلد المعنى ذاته، لدى السيدة زينب "أم العجائز"، والتي بدورها تنير طريق العميان.
وبحسب ساويرس بن المقفع في تاريخ الآباء البطاركة، فإنه قبل دخول المسيحية لمصر، كانت هناك ديانة اسمها "المريميات"، والتي تعد امتداداً لعبادة إيزيس وأوزوريس، حتى إنّ المسيحيين الأوائل كانوا يعتبرون المسيح مصرياً.

اقرأ أيضاً: سعودي: تحية إلى مسيحيي العالم!

محتفلون بالعذراء في دير درنكة بأسيوط (تصوير: روجيه أنيس)
ووفق صاحب "مقدمة في الفلكلور القبطي"، فإنّ أحد أوجه التشابه بين العقيدة المصرية القديمة والمسيحية، الثيمة المشتركة بين المصريين، وهي عقيدة الحمل بلا دنس أو الإنجاب بدون اتصال جسدي، والتي برزت في الأسطورة المصرية القديمة، عندما جمعت إيزيس أشلاء زوجها أوزوريس والمقطعة إلى أربع عشرة قطعة، في أقاليم مصر، وقامت بجمع ثلاث عشرة قطعة، ولم تتمكن أن تجد القطعة الأخيرة، والتي تمثلت في (القضيب)، فأسقطت دموعها أو النقطة الغامضة، بفضل السحر، وتم الحمل، فأنجبت حورس، فيما السيدة مريم البتول، حملت ببشارة جبريل والروح القدس.

اقرأ أيضاً: مسيحيو القدس: قرار ترامب عزّز وحدتنا
وعبر هذا الحفر الأركيولوجي في الثقافة الشعبية، يتكشف ضوء عميق ينحدر باتجاه تاريخ مشترك وقوي تتصل حلقاته من تطور الوعي الديني والإيماني، والذي يتقاطع، برغم تمايزاته واختلافاته، مع عناصره القديمة، ويستمد منها روحه أحياناً.


الصفحة الرئيسية