"المجاهدون" الذين لم يجاهدوا!

6202
عدد القراءات

2018-06-11

كان يجب التفكير أنّ هؤلاء الآلاف من "المتطوعين" الذين وفدوا إلى العراق عشية حرب 2003 لن تكون لهم من مهمات إلا بعد أن يكون قد انتهى كل شيء؛ إسقاط سلطة صدام حسين، ودخول الأمريكان بغداد، وتفكيك القوة العسكرية والأمنية العراقية، ومن ثم الفوضى.

كانت تأتي مجاميع من مختلف البلدان، وكان لابدّ من معرفة أنّه لا تتشكّل مجاميع وتنتظم بحركة منظَّمة من بلد إلى آخر وعبر مطارات وجوازات من دون تنظيم ودعم وتوجيه، من كان المنظّم؟

ما كان يوحّد هؤلاء القادمين بزيِّهم الأفغاني، وبغير هذا الزي، وبلحاهم السائبة، وأعمارهم الشبابية المتقاربة هو أنّ جميعهم يعبّرون، بما يتحصّل من تصريحات دعائيّة لهم لوسائل الإعلام، عن أنّهم قادمون من كهوف التاريخ إلى حرب ستقع هنا، في بغداد.

لم تكن السلطة بحاجة إلى هؤلاء؛ الحاجة القتالية للحرب المنتظرة كانت مؤمَّنة، بموجب حسابات واستعدادات السلطة، من العراقيين أنفسهم. ما الداعي لاستقدام هؤلاء؟

عملياً بقي وجود المتطوعين الوافدين في معسكرات الجيش وربما في معسكرات تابعة لأجهزة أمنية غير الجيش.

ما كان يوحّد هؤلاء القادمين بلحاهم السائبة هو أنّ جميعهم يعبّرون عن أنّهم قادمون من كهوف التاريخ

مرّات قليلة جرى فيها إظهارهم في شارع أبي نواس وبأماكن أخرى من العاصمة التي كانت تنتظر الحرب بغموض غير مفهوم من قبل الشعب. لكن في داخل المعسكرات كان يجري تدريب الوافدين على مبادئ العسكرية واستخدام السلاح الخفيف بمعزل عن تدريبات الجنود العراقيين المبتدئين.

لم يكن المتطوعون بحاجة إلى هذه التدريبات. كان أكيداً أنهم متدرِّبون، وربما كثيرهم كانوا مقاتلين في أماكن قتال أخرى، أفغانستان وسواها. كان وجودهم في المعسكرات وافتعال تدريبهم محاولة لاشغالهم وللتعبير عن جديّة الحاجة إليهم في حرب منتظرة. هم أيضاً ربما كانوا يدركون طبيعة هذا الإشغال. كان هناك تواطؤ صامت ما بين الجانبين؛ فالمهمة ليست مرتبطة بلحظة وقوع الحرب. مهمّة هؤلاء هي في ما بعد الحرب؛ حين تكون الحرب قد وضعت أوزارها، وحين يراد لحرب أخرى أن تشتعل.

اقرأ أيضاً: "العراق الجديد" إذ ينقطع عن جذوره ويكره الموسيقى

هكذا بدا يوم التاسع من نيسان (إبريل) 2003 وكأنّه نهاية لحرب لم تدم سوى أسابيع قليلة. لم يجرِ الحديث خلالها عن أيِّ دور للمتطوعين الأجانب الوافدين بآلاف إلى البلد خلال الأسابيع القليلة التي سبقت الحرب.

لقد جرى الإسقاط الرمزي، في ذلك اليوم، بإسقاط تمثال.

كان مشهداً تحتاج إليه القوات الأمريكية، بدا كما لو أنه مشهد ذروة في حرب تلفزيونية. وكان مشهداً قبلت به السلطة المنهارة كثمن زائف مرّت به نحو أنفاق الظلام لتتوارى عن الظهور العلني مقابل الحفاظ على الحياة. وكان مشهداً قبل به، ولو على مضض وحيرةٍ، ملايين العراقيين الناقمين على الدكتاتورية.. إنّه سقوط رمزي في حربٍ وواقع هما أبعد ما يكونان عن القبول بمجرد الرمزيات.

كان يجب الاكتفاء بالإسقاط الرمزي. كان هذا بعضاً من متطلبات التحضير لحرب أخرى، إنّها الحرب التي يخرج فيها المتطوعون من مكامنهم وكمونهم، فقد كان ينتظرهم الدور المهم فيها والذي نهض به كثير من هؤلاء المجاهدين الذين لم يجاهدوا بعد، لقد كانوا الأساس الذي هيأ كل شيء لآلاف أخرى ستتدفق على العراق، فكان هؤلاء وأولئك طرفاً أمّن الوقود الذي أحرق كل شيء في الصفحة الثانية من الحرب، إنّها صفحة الحرب الأهلية.

مهمّة هؤلاء هي في ما بعد الحرب؛ حين تكون الحرب قد وضعت أوزارها، وحين يراد لحرب أخرى أن تشتعل

في التاسع من نيسان (إبريل) 2003 كان يجب أن أعود وعائلتي وعائلات أخوتي وأخواتي من شهربان غربي بغداد؛ حيث آوانا بستانٌ فيها لأيام بعد النزوح من منازلنا ببغداد.

في نهار ذلك اليوم، وعبر تلفزيون في منزل صديق من أيام الجندية وحرب الثمانينيات، وكنت مدعواً للغداء عنده، شاهدت ذلك الإسقاط الرمزي، سمعت كلاماً تلفزيونياً عن الفوضى والسلب والنهب في مدينتي. نهضت مباشرة:"يجب أن نعود إلى بغداد الآن" قلت لمضيفي. بدا له ذلك قراراً جنونياً،"انتظر لترَ ما سيحدث.. كيف تصل إلى بغداد؟". لكني غادرت.

كان طريق عودتي، والعوائل معي، إلى بغداد يمرّ بواحد من أكبر معسكرات الجيش العراقي، معسكر خان بني سعد، وهو خاص بتدريب الجنود المكلفين المستجدين المشاة.

اقرأ أيضاً: العراق لنا.. وهؤلاء ليسوا منّا!

كان على طول الشارع بعض مواطنين ريفيّين فقراء. كان الواحد منهم يسحل إمّا سريراً أو طاولة أو أفرشة اسنفجية مما (غنموه) من معسكر كان كثير منهم حتماً قد تدرّب فيه.. كان هؤلاء يمضون على حالهم، فيما كان مئات آخرون يمضون بعيداً عنهم، كان هؤلاء بزيٍّ أفغاني وبلحى مسترسلة، وعلى كتفي كل منهم أكثر من بندقية أو قاذفة متوسطة من قاذفات آر بي جي سفن، إنها آخر بقايا الجيش.

كانت السيارة تمضي بنا في ذلك الغروب نحو بغداد، وكان المجاهدون الأجانب الذين لم يجاهدوا بعد يتوارون أمامنا وخلفنا تحت حجب الظلام الزاحف، منتشرين في بساتين وصحارى بعيداً عن المعسكر المخرّب وعن حرائق اشتعلت فيه.

سألني والدي، وكان معي يومها:"مساكين.. أين سيمضون في هذا الليل"؟

ولم يفهم شيئاً من جوابي حين رددت عليه بما يشبه الصمت:"لا تخف عليهم، ياحاج، سيأتيهم من يأخذ بأيديهم إلى حيث يجب أن يذهبوا".

اقرأ المزيد...

الوسوم: