
في الوقت الذي تضيق فيه الأرض بما رحبت على تنظيم الإخوان المسلمين في معاقله التقليدية بالشرق الأوسط، وتتصاعد موجات الحظر القانوني في أوروبا، تبرز منطقة القرن الأفريقي كـ" جغرافيا بديلة "ذات ثقل استراتيجي فائق. لم يكن حضور الإخوان في هذه المنطقة (الصومال، وإثيوبيا، وجيبوتي، وإريتريا) وليد المصادفة، بل كان نتاج خطة طويلة الأمد اعتمدت على "القوة الناعمة" والعمل الإغاثي والتعليمي كقناع للتغلغل السياسي.
اليوم، ومع تحول المنطقة إلى ساحة للتنافس الدولي، يحاول الإخوان إعادة تموضعهم ليس كحركة معارضة مطاردة، بل كـ" شريك وظيفي" وقوة ناعمة لمراكز إقليمية، مستغلين هشاشة الدولة الوطنية في بعض هذه البلدان والسيولة السياسية في بعضها الآخر.
تحولات القرن الأفريقي في مرآة "وادي النيل"
لتأصيل هذا الحضور وفهم آلياته توقفت عدة دراسات رصينة عند طبيعة هذا التغلغل، وتشير دراسة صادرة عن (المركز القومي لدراسات وادي النيل) للباحث حمدي بشير، بعنوان" تنظيم الإخوان المسلمين في القرن الأفريقي... قراءة في المسارات والتحولات"، إلى أنّ جذور هذا التنظيم في المنطقة تعود إلى عقود مضت، وتحديداً منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وتوضح الدراسة أنّ التنظيم في القرن الأفريقي انتقل من مرحلة الإصلاح الاجتماعي والعمل الخيري المحدود إلى مرحلة "محاولة اختطاف الدولة" عبر بناء نخب تعليمية واقتصادية تدين بالولاء للتنظيم الدولي.
وبحسب الباحث حمدي بشير، فإنّ الجماعة استغلت الأزمات البنيوية التي مرت بها دول المنطقة، مثل الحروب الأهلية في الصومال والتحولات السياسية في إثيوبيا، لتقديم نفسها كبديل تنظيمي قادر على ملء الفراغ، مستخدمة شبكة واسعة من الجمعيات والمدارس التي كانت تعمل كـ "حواضن" لتفريخ الكوادر الإخوانية التي تغلغلت لاحقاً في مفاصل الحكم.
الصومال: مختبر التمكين الإخواني في عباءة الدولة
يمثل الصومال النموذج الأكثر نجاحاً في استراتيجية" التمكين" الإخواني بالمنطقة. هنا لا تكتفي الجماعة بالوجود الدعوي، بل هي جزء أصيل من بنية الدولة وتكنوقراط الإدارة. وتنقسم الحركة الإخوانية في الصومال إلى تيارين رئيسيين: (حركة الإصلاح" (الجناح التقليدي المرتبط تاريخياً بمصر"،) وحركة الدم الجديد) "الجناح الأكثر براغماتية وسلطوية".
نجح الإخوان في الصومال في السيطرة على قطاع التعليم الخاص والجامعات والجمعيات الخيرية، ممّا مكنهم من صناعة "نخبة" تدين بالولاء الإيديولوجي للتنظيم. ومع وصول شخصيات محسوبة على تيار" الدم الجديد" إلى سدة الرئاسة ومفاصل القرار، تحول الصومال إلى قاعدة انطلاق خلفية للتنظيم الدولي.
وتكمن خطورة النموذج الصومالي في "تذويب التنظيم داخل الدولة"، إذ يصبح من الصعب تفكيك النفوذ الإخواني دون المساس بهياكل الدولة الرسمية، وهو ما يمنح الجماعة حصانة سياسية وقدرة على المناورة الإقليمية لابتزاز القوى الدولية.
إثيوبيا: التعددية كفرصة للتغلغل والمناورة
في إثيوبيا، اتخذ الحضور الإخواني شكلاً يتناسب مع الطبيعة التعددية والمعقدة للدولة. لسنوات ظل نفوذ الإخوان محصوراً في الأطر الدعوية، لكن مع مناخ الانفتاح السياسي الذي صاحب وصول آبي أحمد للسلطة، حاولت الجماعة القفز إلى المشهد العام عبر محاولة السيطرة على "المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية".
يتحرك الإخوان في إثيوبيا عبر استراتيجية "المواطنة الإسلامية"، محاولين تقديم أنفسهم ككتلة تنظيمية قادرة على موازنة القوى العرقية. غير أنّ الأزمات الداخلية الإثيوبية، خاصة الصراعات العرقية في إقليمي "تيغراي" و"أمهرة"، جعلت الجماعة في موقف حذر؛ فهي تحاول التقرب من السلطة لضمان البقاء، وفي الوقت ذاته تحافظ على قنوات اتصال مع قوى إقليمية داعمة لها، مثل) تركيا وقطر).
ويظل الحضور الإخواني في إثيوبيا" حضوراً ناعماً" يركز على السيطرة على المؤسسات الدينية الرسمية كخطوة تسبق التأثير السياسي المباشر.
القرن الأفريقي ساحة إسناد دولية
لا يمكن فهم حدود الحضور الإخواني في المنطقة دون النظر إلى الدور الاستراتيجي الذي تلعبه القوى الإقليمية الداعمة للتنظيم. لقد وفرت أنقرة والدوحة غطاءً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واسعاً للجماعات المحسوبة على الإخوان في الصومال وجيبوتي.
أصبحت الاستثمارات والمشاريع التنموية تمثل "الرئة "التي يتنفس منها التنظيم في المنطقة، خاصة مع تضييق الخناق المالي عليه في أوروبا والخليج. وهذا الدعم حوّل الإخوان في القرن الأفريقي من مجرد تنظيم محلي إلى "أداة وظيفية "في صراع المحاور على أمن البحر الأحمر والممرات المائية.
وتستخدم هذه القوى الحضور الإخواني كـ "ورقة ضغط" لتأمين مصالحها الجيوسياسية، مقابل توفير الموارد للكوادر الإخوانية الفارة من ملاحقات القانون في دول عربية أخرى.
تداعيات التضييق التقليدي... الهجرة نحو الجنوب والمستجدات السودانية
أدى التضييق التاريخي على الإخوان في مصر والخليج، ولاحقاً في تونس والسودان، إلى تحويل القرن الأفريقي من منطقة" انتشار" إلى منطقة" استقرار واستثمار". لقد نقل التنظيم الدولي جزءاً كبيراً من استثماراته المالية المهربة نحو الصومال وإثيوبيا، مستغلاً غياب الرقابة الصارمة على التمويلات العابرة للحدود.
أمّا المستجد الأبرز، فهو" الحرب السودانية"؛ حيث أدى انهيار مركزية الدولة في السودان وانخراط الحركة الإسلامية السودانية في القتال، إلى نزوح كوادر إخوانية سودانية خبيرة نحو دول الجوار) إثيوبيا وإريتريا والصومال). هذا النزوح أدى إلى "تخصيب" الحركات الإخوانية المحلية بخبرات أمنية وتنظيمية، لكنّه في الوقت ذاته جلب" لعنة الملاحقة"، حيث بدأت دول المنطقة تخشى أن يؤدي تحول أراضيها إلى ملاذ لإخوان السودان إلى توتر علاقاتها مع القوى الإقليمية الرافضة لمشروع الإسلام السياسي.
السيناريوهات المتوقعة: بين التلاشي والكمون التنظيمي
في ظل التضييق العالمي المتزايد والتحولات الجيوسياسية، يمكن استشراف 3 سيناريوهات لمستقبل الإخوان في القرن الأفريقي:
سيناريو "الذوبان الوظيفي": وهو الأرجح في الصومال، حيث تتخلى الجماعة عن لافتاتها الحزبية الصارخة وتذوب تماماً في مؤسسات الدولة "الجيش، والتعليم، والقضاء" لضمان البقاء طويل الأمد، مع الاستمرار في تقديم خدماتها كوكيل محلي للقوى الإقليمية الداعمة.
سيناريو "الانكفاء والكمون": في إثيوبيا وإريتريا قد تلجأ الجماعة إلى تقليص نشاطها السياسي والعودة إلى "المربع الدعوي "والعمل الخفي، بانتظار تغير موازين القوى أو حدوث اضطرابات سياسية تمكنها من القفز مجدداً، وهو تكتيك "البيات الشتوي" التقليدي للإخوان.
سيناريو "الصدام والارتحال": مع تزايد الضغط الدولي، خاصة الأمريكي والأوروبي، على شبكات تمويل الإخوان، قد تجد الجماعة نفسها مضطرة للارتحال نحو مناطق أكثر فوضى في القارة، مثل وسط أفريقيا أو منطقة الساحل، أو الدخول في تحالفات براغماتية مع جماعات راديكالية أخرى لضمان الحماية، وهو ما سيحولها من "تنظيم سياسي" إلى "ميليشياوية وظيفية".
حتمية المواجهة السيادية
إنّ طبيعة الحضور الإخواني في القرن الأفريقي تثبت أنّ الجماعة تمتلك قدرة فائقة على التكيف مع البيئات الهشة. ومع ذلك، فإنّ هذا الحضور يظل رهيناً بمدى قوة "الدولة الوطنية "في المنطقة.
لذلك فك الارتباط بين التنظيم الإخواني وبين مفاصل الدولة، ومراقبة تغلغلهم في المؤسسات الدينية والتعليمية، يُعدّ ضرورة قصوى، ليس فقط لأمن هذه الدول، بل لأمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي ككل.
ويبقى القرن الأفريقي اليوم هو "الميدان الأخير" لرهانات الإخوان، وسقوط هذا الرهان يعني تحول الجماعة إلى مجرد شتات فكري فاقد للقدرة على التهديد الأمني المنظم .إنّ اليقظة تجاه تحركات "فلول التمكين" في هذه المنطقة الحيوية هي الكفيلة بإغلاق القوس على مشروع الإسلام السياسي العابر للحدود، الذي يحاول عبثاً جعل "القرن الأفريقي" معقلاً لإيديولوجيا لفظتها مراكزها التاريخية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
