القادة الأمنيون يتحركون في كلّ مكان.. لمنع الحرب أم التمهيد لها؟

أمريكا وإيران

القادة الأمنيون يتحركون في كلّ مكان.. لمنع الحرب أم التمهيد لها؟

مشاهدة

23/06/2019

يزور الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، روسيا؛ لحضور منتدىً للأمن في مدينة أوفا الروسية، وروّجت طهران لزيارة شمخاني على أنّها مهمّة، ولعلّ تواجد شمخاني في أوفا يأتي للتفاوض مع الروس؛ حيث تأتي المسألة السورية على سُلّم الأولويات، خاصة بعد الاجتماع الأمني المهم الذي عُقد في إسرائيل مؤخراً، بين رؤساء المجلس الأعلى للأمن القومي لكلّ من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، والذي يُعتقد بأنّه تركّز حول سوريا، وتخشى طهران أن تتوصل الأطراف الثلاثة إلى اتفاق يقضي بإخراج القوات الإيرانية من سوريا.

اقرأ أيضاً: بسبب تهديدات إيران.. شركات طيران عالمية تتخذ تدابير وقائية

وبطبيعة الحال؛ سيتحدث شمخاني، خلال وجوده في المنتدى، ضدّ استخدام العقوبات الاقتصادية المفرطة كأداة للسياسة الخارجية الأمريكية؛ نظراً إلى أنّ طهران وموسكو تعانيان ممّا يسمى بالعقوبات الأمريكية "الهجينة"، ويُمَثِّلُ المنتدى فرصة لشمخاني لإجراء لقاءات ثنائية مع ممثلين من دول مثل؛ أفغانستان وباكستان وفنزويلا.

 الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني

ويمكن لشمخاني استغلال هذه الفرصة أيضاً، للإعلان عن أنباء محددة قوية؛ فقد أعلن قبل توجهه إلى أوفا؛ أنّ إيران كشفت النقاب عن شبكة تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في مجال الفضاء المعلوماتي، وأعلنت طهران أنّها تبادلت معلومات حول هذه الشبكة مع "الحلفاء"؛ ما أدى إلى عمليات الاعتقال، غير أنّه ليس من الواضح إذا ما كان الروس ضمن "الحلفاء" في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: ترامب.. ماذا بعد إلغائه الضربة العسكرية لإيران؟

وكانت الولايات المتحدة في الماضي تقاطع منتدى الأمن هذا، غير أنّها أعلنت أنّها سترسل مسؤولاً بارزاً لحضور فعالية هذا العام؛ لذلك فقد يتمكن شمخاني من عقد لقاء مباشر مع البعض في إدارة ترامب، لكن من الواضح أنّ مهمة شمخاني الرئيسة تَتَمَثَّل في التشاور أو حتى التفاوض مع الروس، ولم تُبدِ واشنطن الكثير من الاهتمام العلني في هذه الزيارة، رغم أهميتها.

يجري الحديث عن أنّ مسؤولين كباراً بالإدارة الأمريكية أقنعوا ترامب بأنّ عليه إبقاء خياراته مفتوحة في حربه مع إيران

في المقابل؛ أصبح من المألوف قراءة تقييمات في واشنطن؛ عن أنّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تعرض للتضليل من جانب مجموعة صغيرة من الأشخاص حوله، يرغبون في الدخول في حرب مع إيران، ويأتي في أعلى قائمة هؤلاء الأشخاص؛ مستشار الأمن القومي، جون بولتون، كما وصلت هذه الرواية إلى أوروبا؛ حيث انتقد مسؤول بارز في مجال السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، بولتون؛ بسبب تحكّمه بسياسة إدارة ترامب نحو إيران، غير أنّ هذه السردية خاطئة؛ لأنّ ترامب، ببساطة، كان ضدّ الدخول في حرب مع إيران منذ البداية، ويبدو أنّ هذا الوضع ما يزال قائماً، واستخدم ترامب ورقة إيران لحشد الدعم السياسي والمالي من جهات محددة في الولايات المتحدة، لكنَّه يعلم أنّ أيّ صراع عسكري قد يكلفه عدم الفوز في انتخابات 2020، كما يرى الإيرانيون الأمر من هذه الزاوية، وهذا هو سبب عدم أخذهم تهديدات ترامب باستخدام العمل العسكري على محمل الجدّ.

اقرأ أيضاً: هل دقت الحرب الأمريكية الإيرانية طبولها في العراق؟

دولياً، دعت الصين الولايات المتحدة إلى وقف ممارسة "ضغوط قوية" على إيران، والتي ترى طهران أنّها قد تؤدي إلى فتح "صندوق الشرور"، وجاءت هذه الدعوة الصينية خلال قمة "منظمة شنغهاي للتعاون"، التي استضافتها قرغيزستان مؤخراً، والتي حضرها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، أيضاً.

دعت الصين الولايات المتحدة إلى وقف ممارسة "ضغوط قوية" على إيران

لكنَّ إدارة ترامب لم تردّ على الدعوة الصينية، ومن المرجّح أن ترى طهران في مثل هذه الدعوة مجرد رسائل فارغة؛ ففي حين أنّ بكين وموسكو تحثان طهران على الاستمرار بالتزامها تجاه الاتفاق النووي، غير أنّهما -من وجهة نظر إيران- لا تفعلان ما يكفي لمساعدة طهران في مواجهة مشاكلها الاقتصادية، نتيجة العقوبات الأمريكية، وهذه بالضبط هي المشكلة نفسها التي تواجه طهران مع الموقف الأوروبي.

اقرأ أيضاً: كيف ردّت ميركل على اتهامات أمريكا لإيران؟

أما في واشنطن؛ ورغم التأكيد المستمرّ على أنّ ترامب لا يرغب بالدخول في حرب مع إيران، لكنَّ مسؤولين كباراً في الإدارة الأمريكية أقنعوا الرئيس الأمريكي بأنّ عليه إبقاء خياراته مفتوحة، وتتمثل الحُجَّة في أنّ التهديد بالحرب سيجعل الإيرانيين قلقين حيال خطوة واشنطن التالية؛ وفي هذا الإطار تأتي الخطوات التي اتخذها البيت الأبيض لتجاوز الكونغرس الأمريكي في حال وجود رغبة باتخاذ قرار محتمل لمهاجمة إيران عسكرياً، ويستخدم فريق ترامب حُجَّة الدفاع عن النفس كمبرر، والقول إنّ الهجمات الأخيرة في خليج عُمان تُمَثِّلُ تهديداً لـ "حرية الملاحة" في المياه الدولية، والتي تُعَدُّ واشنطن ملتزمة بحمايتها.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"

وفي الوقت الذي يستعد فيه الحزب الديمقراطي لعقد أول مناظرة بين المرشحين، لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، في وقت لاحق من الشهر الجاري، يتضح أنّ هناك إجماعاً على أنّ سياسة ترامب تجاه إيران تُمَثِّلُ أكبر نقاط الضعف في سياسته الخارجية، وفي حين أنّ المشاعر المناهضة للحرب في الولايات المتحدة ستساعد الديمقراطيين في هذه القضية، غير أنّ على الديمقراطيين أن يخرجوا بسياسة بديلة جديرة بالثقة قريباً، قبل موعد الانتخابات، وتتمثل حجة الديمقراطيين، لغاية الآن، في أنّ دعوة واشنطن للعودة عن قرار التخلي عن الاتفاق النووي ستحظى بالقبول خلال المناظرات بين المرشحين الديمقراطيين، غير أنّها لن تكون كافية عندما يختار الحزب مرشّحه لخوض انتخابات الرئاسة أمام ترامب، عام 2020.

في طهران يبدو أنّ الاستنتاج السائد هو أنّ العقوبات الأمريكية في مجال النفط تعمل بشكل أشدّ مما كان متوقعاً

وفي طهران؛ يبدو أنّ الاستنتاج السائد هو أنّ العقوبات الأمريكية في مجال النفط تعمل بشكل أشدّ مما كان متوقعاً، وتعاني إيران حالياً من تراجع إنتاج وتصدير النفط، أكثر من أيّ وقت مضى، خلال الأعوام الأربعين الماضية، وحتى في أوج الحرب العراقية-الإيرانية ظلّت صادرات إيران من النفط ضمن مستويات أعلى ممّا هي عليه الآن، وتراجعت صادرات النفط الإيرانية من مستوى 3 مليون برميل يومياً إلى نحو 400 ألف برميل؛ بفعل العقوبات الأمريكية، ويُعَدُّ هذا الوضع أسوأ بكثير مما كان متوقعاً، كما أنّ هناك مؤشرات على أنّ النظام الإيراني يرغب بالبحث عن كبش فداء لتحميله المسؤولية، ويتعرض وزير النفط الإيراني، بيجن زنكنه، لضغوط لتقديم استقالته؛ حيث يرى المتشددون أنّ زنكنه أخفق في ابتكار وسائل لتجاوز العقوبات الأمريكية، لكنَّ تنحية زنكنه ستمثّل قراراً رمزياً فقط؛ لأنّ المشكلة الحقيقية تكمن في العقوبات الأمريكية، وقرار خامنئي بعدم الحديث إلى ترامب.

اقرأ أيضاً: أمريكا وإيران.. هل حان وقت المواجهة؟!

من جهة أخرى؛ تشير التوقعات إلى أنّ الاقتصاد الإيراني سيتراجع بنسبة 5%-6% خلال عام 2019؛ وتعني مثل هذه الحقائق الاقتصادية أنّ طهران سوف ترغب في زيادة كلفة فرض هذه العقوبات عليها عن طريق تصعيد الأوضاع الأمنية الإقليمية، ويجب النظر إلى دور إيران في الهجمات التي شهدها خليج عُمان، ضمن هذا السياق، ويَتَمَثَّل السؤال بالنسبة إلى واشنطن في كيفية رسم خط يتوجب على طهران عدم تجاوزه، وبعد ذلك؛ أن تضمن الولايات المتحدة عدم تجاوز إيران لهذا الخطّ.

اقرأ أيضاً: لماذا يتردد ترامب في إغراق أسطول إيران البحري؟

وفي إطار التصعيد المستمرّ لمواجهة الضغوط الأمريكية، يأتي قرار طهران بزيادة إنتاجها من اليورانيوم منخفض التخصيب، ورفع درجة التخصيب. لكنَّ قيام إيران بزيادة مستوى التخصيب لا تُمَثِّلُ خطوة في حد ذاتها، يمكنها أن تجعل من إيران دولة تمتلك أسلحة نووية؛ حيث ما تزال طهران، إلى حدّ كبير، تلتزم بالاتفاق النووي الذي يحدّد مدى قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم. ويعتقد خبراء أمريكيون أنّ إيران الآن على تقف على بعد عام واحد من امتلاك ما يكفي من اليورانيوم لصناعة قنبلة نووية واحدة.

أعلنت إيران أنّها قد تسعى إلى تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 5%

وفي حال تنفيذ طهران لتهديدها بالمضيّ قُدُمَاً في تخصيب اليورانيوم إلى مستوى أعلى؛ فإنّها ستحتاج إلى وقت أقل لامتلاك ما يكفي من اليورانيوم لتصنيع قنبلة نووية، غير أنّها ستظلّ في حاجة إلى وقت أطول للتمكن من إنتاج أنظمة لحمل هذه القنبلة، وأعلنت إيران أنّها قد تسعى إلى تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 5%، لتشغيل مفاعل الطاقة النووية في بوشهر، أو تخصيب اليورانيوم عند 20%، لتزويد مفاعل طهران البحثي بالوقود، وستعمل هذه الخطوات على تقصير المدة الزمنية التي ستحتاجها طهران لإنتاج ما يكفي من المواد لأغراض الأسلحة النووية، غير أنّ بإمكان إيران تغيير هذا القرار بسرعة، والعودة إلى تخصيب اليورانيوم عند نسبة منخفضة، كما كانت تفعل في الماضي، وأعلنت طهران صراحة؛ أنّ ما تريده مقابل العودة إلى مستويات التخصيب السابقة، يَتَمَثَّل في رفع العقوبات الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: التوتير الإيراني والموقف اللبناني

وعلى غير المتوقع إيرانياً؛ لم ينجم عن الهجمات الأخيرة في خليج عُمان ارتفاع فوري في أسعار النفط، ويَتَمَثَّل التفسير في واشنطن؛ بأنّ الولايات المتحدة، اليوم، لم تعد تعتمد على نفط الشرق الأوسط، كما في الماضي؛ لذلك فإنّها ليست عُرضَة للاضطرابات في سوق النفط، مع ذلك؛ فإنّ أسعار النفط قد ترتفع تدريجياً خلال الأشهر القليلة المقبلة، في حال استمرار التوتر في المنطقة، وأشارت التقارير إلى أنّ أسعار الشحن اليومية لناقلات النفط العملاقة، على سبيل المثال، ارتفعت بنسبة 50% تقريباً، وحال انتقال تأثير هذا الارتفاع إلى المستهلكين في محطات الوقود، فقد ينجم عن ذلك سعر سياسي يتعين على الرئيس ترامب دفعه، وهو ما لم يحصل لغاية الآن؛ نتيجة السياسات الصارمة تجاه إيران.


الصفحة الرئيسية