الغنوشي يحلم بالنوم في قصر قرطاج للثأر من بورقيبة

تونس

الغنوشي يحلم بالنوم في قصر قرطاج للثأر من بورقيبة

مشاهدة

23/07/2019

دخلت الطبقة السياسية بتونس في سباقٍ مع الزمن، خاصّةً بعد أن حسم رئيس البلاد، الباجي قايد السبسي، الجدل حول إمكانيّة تأجيل الانتخابات، وأمضى على الأمر المتعلّق بدعوة الناخبين إلى الاقتراع، بالتالي حسم موعد الانتخابات البرلمانية، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وتقدّم العشرات للظفر بمنصب حاكم قرطاج، رغم الأجواء السياسية المشحونة.

القيادي بحركة النهضة محمد بن سالم: أرفض ترشّح الغنوشي للرئاسة لأنّه ليس شخصيّةً توافقيّة وترشّحه سينعكس سلباً على حركته

وقد أُعلنت نوايا ترشّح لهذه الانتخابات من قبل سياسيين وأكاديميين، ورجال أعمال بارزين، بينهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والرئيس السابق المنصف المرزوقي، ورئيسا الحكومة السابقان؛ حمادي الجبالي، والمهدي جمعة، ومدير قناة "نسمة" التلفزيونية، نبيل القروي، والحقوقي قيس سعيد، ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، وزعيم حزب التيار الديمقراطي المعارض محمد عبو، وزعيمة الحزب الدستوري الحرّ، المحامية عبير موسى.
ويبدو أنّ رهانات الانتخابات الرئاسية أسالت لعاب عدّة شخصيّاتٍ، وأحدثت ازدحاماً على قصر قرطاج، وأثارت أسماء كانت مستبعدةً من الماراثون الرئاسي، على غرار زعيم حركة النّهضة الإسلامية (شريكة في الحكم) راشد الغنّوشي، وهذه المرة الأولى التي يعبّر فيها صراحةً عن اهتمامه بالرئاسة، خاصّةً أنّه ظهر دائماً بهيئة الزاهد في السياسة والمُعرض عن المناصب السياسية المهمّة.

أحلام الغنّوشي تقزّم "النّهضة"
رغبة الغنّوشي في الترشّح لرئاسيات تونس 2019، والتي تبدو فرصته الأخيرة كرئيسٍ لحركة "النهضة" الإسلامية، قبل تعويضه بآخر في مؤتمر الحركة القادم، أثارت جدلاً واسعاً، في صلب الحركة، التي انقسمت للمرة الأولى إلى شقٍّ رافضٍ، وآخر مؤيّدٍ؛ حيث تعالت الأصوات المخالفة، كما أظهرت تصريحات قياداتها المتتالية، تبايناً حاداً إزاء احتمال ترشّح زعيمهم، وهو ما أقرّ به القيادي بالحركة، محمد بن سالم، في تصريحه لـ "حفريات".

الأستاذ الجامعي في التاريخ السياسي المعاصر عبد اللطيف الحناشي: النهضة ستستخدم الانتخابات الرئاسية من أجل حسابات سياسية

وأفاد بن سالم بوجود خلافاتٍ داخليةٍ حول ترشيح الغنّوشي للانتخابات الرئاسية، مشدداً على أنّه يرفض شخصياً هذه الفرضيّة، أوّلاً لأنّ الغنوشي ليس شخصيّةً توافقيّةً، ثانياً لأنّ تونس ليست في وضعٍ طبيعي، ولا ديمقراطية مترسّخة، وهو ما لا يسمح لها بالدخول في مرحلةٍ من الاستقطاب الثنائي بين حزبين كبيرين ينويان الترشّح، في إشارةٍ إلى حزبيْ "نداء تونس" و"النّهضة"، اللذين أنهيا التوافق بينهما منذ حوالي عام.
ولفت بن سالم إلى أنّ الحكمة تقتضي أن تترفّق الطبقة السياسية بالبلاد، وأن تراعي عدم ترسّخ الديمقراطيّة، وأن تتوافق حول شخصيّةٍ سياسيّةٍ لتجنّب الاستقطاب الثنائي، كما فعلت حركة النّهضة خلال انتخابات 2011 و2014، خاصّةً أنّ بعض الدول شهدت أحداثاً دمويّة، بسبب حداثة تجربتها الديمقراطيّة.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يوسع دائرة طموحاته السياسية بالترشح للانتخابات البرلمانية
بن سالم أشار أيضاً إلى أنّ ترشّح الغنوشي للرئاسيات، سينعكس سلباً على حركته، وعلى البلاد بصفةٍ عامّةٍ، رغم وجود أصواتٍ تدعمه داخل الحركة، ورغم حقّه في الترشّح مثل كلّ التونسيّين.
من جانبه، أكّد رئيس مجلس شورى حركة النهضة، عبد الكريم الهاروني، في تصريحاتٍ صحفيّةٍ لوسائل إعلامٍ محليّةٍ، أنّ الحركة ستنطلق في حوارٍ عميقٍ حول ترشيح شخصيّةٍ وطنية من داخلها أو من خارجها، تتوافق معها وتستجيب لمتطلبات البلاد بعد انتخابات 2019.

اقرأ أيضاً: تونس بين الغنوشي وشعبها
وشدّد على أنّ المرشّح الطبيعي للحركة إلى حدّ الآن، وبحسب قانونها الأساسي، هو رئيسها راشد الغنوشي، باعتباره شخصيةً وطنيةً، على أن يتمّ النظر في هذه المسألة في مؤسسات الحركة، مع الانفتاح على البحث عن شراكات في الحكم بعد الانتخابات القادمة.
وفي خطوةٍ مفاجئةٍ؛ أعلن القيادي البارز في "النّهضة"، لطفي زيتون، تخليه عن صفة المستشار السياسي لراشد الغنّوشي، وربط مراقبون هذا القرار المفاجئ بتباين الآراء التي تشهدها الحركة بخصوص مرشّحها للرئاسيات، واختلاف قياداتها بخصوص "العصفور النادر" الذي يبحث عنه زعيمها، فضلاً عن أنّه قد كشف النقاب عن صراع الأجنحة التي حاولت الحركة إخفاءه.
رئيس تونس يحسم الجدل حول موعد الانتخابات

الغنّوشي بعيدٌ عن قلوب التونسيين
وبحسب آخر استطلاعات الرأي حول نوايا الأصوات؛ فقد تصدّر رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، قائمة الشخصيات التي لن يصوت التونسيون لها في الانتخابات الرئاسية بـ 21.5%، يليه رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، بنسبة 17.66%، ورئيسة الحزب الحرّ الدستوري عبير موسى، بـ 14.6%، يليها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بـ 10.9%، والمنصف المرزوقي بنسبة 9.9%، فيما تحوّلت "النهضة" من أوّل الأحزاب التونسية الحائزة على نوايا التصويت لأشهر، إلى صدارة الأحزاب التي لن يصوّت لها التونسيون في الانتخابات البرلمانية.

اقرأ أيضاً: قرار للغنوشي يشعل الخلافات في حركة النهضة
في هذا السياق، استبعد الأستاذ الجامعي في التاريخ السياسي المعاصر، عبد اللطيف الحناشي، في تصريحه لـ "حفريات"، ترشّح الغنّوشي، لحساباتٍ سياسيّةٍ لا تستطيع حركته تجاوزها، ولأسبابٍ شخصيّةٍ تتعلّق بالغنّوشي وحده، معتبراً أنّ ما يتم تداوله مجرّد مناورةٍ سياسيةٍ.
وأوضح الحناشي؛ أنّ الغنوشي يرى نفسه مفكراً وزعيم حركةٍ سياسيةٍ كبيرة، لها تاريخها، وفشله في الانتخابات الرئاسية في صورة ترشّحه، سيترك انعكاساتٍ سلبيّةٍ جدّاً، عليه وعلى حركته، وبالتالي فإنّه لن يدخل هذه المغامرة.

المؤرّخ الجامعي المختصّ في التاريخ السياسي خالد عبيد: الغنّوشي يرغب بشدّة في أن يكون رئيساً فخريّاً للبلاد ومرشدها الروحي

أستاذ التاريخ السياسي لفت أيضاً إلى أنّ الحركة ستستخدم الانتخابات الرئاسية من أجل حساباتٍ سياسيةٍ، كورقة ضغطٍ، يمارسونها على المترشحين للتشاور معهم وكسب دعمهم معهم، خاصّةً أنهم ساهموا في نجاح الرئيس الحالي، الباجي قايد السبسي، في انتخابات 2014، وساعدوه في الوصول إلى قصر قرطاج، مشيراً إلى أنّ الأوضاع الإقليميّة ليست في صالح الحركة؛ لأنّها لا تحظى برضا القوى الخارجية، وهي تعي ذلك جيّداً؛ لذلك هي تسعى فقط للتواجد في البرلمان باعتباره مركز السلطة في تونس.
وشدّد الحناشي على أنّ النهضة حركة براغماتية، لها جهازٌ منظمٌ يخطّط ويفكّر جيّداً، ولا تجب الاستهانة بها.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله الغنوشي عن الشاهد
وفي سياق متصل، رجّح المحلّل السياسي، عبد الله العبيدي، في تصريح لـ "حفريات"؛ ألّا ينجح الغنّوشي في الحصول على أغلبية الأصوات، نظراً لارتفاع عدد المترشّحين، والذين ينوون الترشّح، فضلاً عن انقسام قيادات النّهضة وقواعدها إلى مؤيّدٍ ورافضٍ لهذا الترشّح، متوقّعاً أن يتّجه شقٌّ من الحركة نحو دعم القيادي السابق بها، حمادي الجبالي، الذي ينوي الترشّح مستقلاً، بعد انتقاداتٍ كبيرةٍ لحركته.
الغنّوشي ورحلة البحث عن الثأر
لم يخفِ الغنّوشي، منذ عودته إلى تونس، عقب ثورة كانون الثاني (يناير)2011، موقفه من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (أوّل رئيس يحكم البلاد بعد استقلالها من فرنسا عام 1956)، ولم يتردّد في اتّهامه بعدم احترام الإسلام، ومصادرة الحريّات، خاصّةً أنّه كان محكوماً عليه بالإعدام في فترة حكمه، وهو ما ذهب إليه المؤرخ الجامعي المختص في التاريخ السياسي، خالد عبيد، الذي أكّد في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الغنّوشي يحلم بأن ينام في قصر قرطاج، ويثأر لنفسه من بورقيبة.

راشد الغنوشي يتلقّى رسالة شكر من المرشد الأعلى للثورة الايرانية علي خامنئي
وأضاف عبيد: الغنّوشي يرغب بشدّةٍ في أن يكون رئيساً فخريّاً للبلاد، ومرشدها الروحي، تأثّراً بالمرشد الأعلى في إيران، وأنّ ذلك ناتجٌ عن مدى تأثر الغنّوشي بأحداث إيران، عام 1973، مشيراً إلى أنّ رغبة الغنّوشي في الترشّح بدت واضحةً منذ عام 2017، ولم يستبعد وجود اتفاقٍ سابقٍ مع رئيس البلاد الباجي قايد السبسي، على أن يحكم السبسي بين 2014-2019، على أن يحكم الغنوشي بين 2019-2024.
وقال إنّ الترشّح لرئاسيات 2019، يعدّ بمثابة الأمنية التي يرغب راشد الغنوشي بشدّةٍ في تحقيقها، لكنّه يدرك في الوقت نفسه أنّ ذلك غير ممكنٍ، لافتاً إلى أنّ نجاح هذا السيناريو يكاد يكون مستحيلاً، لأنّ الغنّوشي نفسه يدرك أنّ لا شعبيّة له في تونس، ولن يحالفه الحظّ في ترشّحه للانتخابات، وأنّ ارتدادات ذلك ستكون سلبيّةً جدّاً.

الصفحة الرئيسية