العلمانيوفوبيا: رهاب العلمانية في خطاب التنظيمات الراديكالية

العلمانيوفوبيا: رهاب العلمانية في خطاب التنظيمات الراديكالية

مشاهدة

19/11/2020

انشغل علم النفس التطوري Evolutionary Psychology  بدراسة السمات الإنسانية التي تواكب الارتقاء  البشري على مدار العصور، واستحوذ الرهاب (الفوبيا) على قدر كبير من هذه الدراسات.  

الرهاب ليس كالخوف، وإنما هو درجة من درجات الخوف المبالغ فيه وغير المبرر، الذي يصل إلى حد الذهان، أمّا الخوف كمشاعر إنسانية، فهو جزء من الطبيعة الإنسانية.

 

الرهاب درجة من درجات الخوف المبالغ فيه وغير المبرر الذي يصل إلى حد الذهان

فإن كان يعيش المرء بين أفراد يرون أن قتل المختلف معهم أو عنهم في سبيل الدفاع عن المعتقدات الدينية عملاً بطولياً، فهذا لا يُعدّ رهاباً، بل يُعدّ تخوفاً مشروعاً.

فلا يُمكن مثلاً أن نقول إنّ أشخاصاً يعانون من الرهاب غير المبرر بعدما يختبرون الاحتفاء بمن نفذ حكم الاغتيال في شخص آخر انتصاراً لله تعالى، فالتخوفات ليست ناتجة عن القتل، بل ناتجة عن الاحتفاء به جماهيرياً من أناس قد تبدو مسالمة ظاهرياً، وهذا وقعه أشد بأساً، فحين يغيب الحوار وقدرة الرد بالحجة، ليحلّ محلها سنّ السيوف، يصبح الخوف مشاعر إنسانية لا رهاباً.

 تحول الخوف إلى رهاب

لكن من باب الموضوعية البحتة، يمكننا رصد تحول الخوف إلى رهاب، حين يتم تعميم التخوفات ضد   الجميع بدون تمييز، كونهم ينتمون للعقيدة ذاتها التي ينتمي لها القاتل، ولهذا فإنّ الوسيلة الفضلى للقضاء على تلك التخوفات هي إدانة القتل والذبح دون محاولات تبرير دينية أو إيديولوجية مستترة، ودون السعي إلى لوم الضحية المذبوحة التي لم تحمل سلاحاً، على أن يكون الأمر أبعد من مجرّد الدبلوماسية الإسلاموية الظاهرية، وإنما يكون مستنداً إلى القناعة بأنّ تخوف الآخرين من الذبح أو الرصاص ليس رهاباً.

اقرأ أيضاً: فرنسا والإسلام والعلمانية: الإقصاء ليس سلوكاً ديمقراطياً

بل إن لم يتمّ التعامل مع الأمر، فقد ينتج عنه فرصة لصعود اليمين المتطرف، الذي يناهض بدوره التعددية الدينية والعرقية في البلاد العلمانية، وقد يُفضّل الإسلام الحركي مواجهة اليمين الديني لتصبح مواجهته مشرعنة يستطيع من خلالها الاستناد إلى خطاب المظلومية.

 التمكين الإسلامي الناعم

مع تعاظم دور التنظيمات الجهادية المعاصرة في أوروبا في العقد الماضي، ازدادت التخوفات من صعود اليمين المتطرف الذي استغلّ الهجمات الإرهابية لصالحه، لكن لم تكن التنظيمات الجهادية وحدها ذريعة  لصعود اليمين، وإنما تُعدّ محاولات التمكين الإسلامي في أوروبا أساساً لهذه الأزمة.

 

اليمين المتطرف يناهض بدوره التعددية الدينية والعرقية في البلاد العلمانية

التمكين الإسلامي الناعم يختلف عن الانخراط والاندماج المجتمعي للمسلمين في بلاد المهجر، فهذا التمكين يتطلب الانعزال، ومن ثمّ خلق مجتمعات مغلقة وموازية، تمنع الاختلاط بهدف الاندماج والتعايش السلمي، لكنها تبيح الاختلاط بهدف الاختراق الممنهج وفرض ما تسميه خصوصيتها الثقافية في دوائر جغرافية أوسع، فتتحول الهجرة التي هي حق من حقوق الإنسان إلى فلسفة استيطان تهدف إلى إحكام السيطرة،  وتراهن تلك الاستراتيجية على التفوق العددي الديموغرافي الناتج عن الإنجاب، ولهذا يُعدّ خطاب التكاثر في أوروبا جزءاً من استراتيجية "الفرصة الديموغرافية".

 وراثة الأرض حسب الإيديولوجية الحركية

التمكين الإسلامي هو اللفظ المعاصر لمفهوم وراثة المسلمين الأرض، وهو مفهوم حركي استندت فيه الجماعات الراديكالية إلى قوله تعالى: (الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء- 105.   

ويقول يوسف القرضاوي في هذا الصدد: "إنّ نشر الإسلام في الغرب واجب على كل المسلمين، واحتلال أوروبا وهزيمة المسيحية سيصبحان أمراً ممكناً مع انتشار الإسلام داخل أوروبا، حتى يصبح الإسلام قوياً بما يكفي للسيطرة على القارة بأكملها"، وهي العبارة التي وردت من خلال تطبيق (يورو فتوى)، أو الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي على محرك غوغل، ممّا أدى إلى حذف التطبيق.

الإسلام الحركي لا يُمكن أن يكون مؤثراً بدون استمالة ظهير شعبي من مسلمي أوروبا

لكنّ الإسلام الحركي الذي يمثله القرضاوي لا يُمكن أن يكون مؤثراً بدون استمالة ظهير شعبي من مسلمي أوروبا، حتى وإن كانوا لا ينتمون تنظيمياً لأي حراك.

لذا، فإنّ التمكين الحركي عمل غير عنيف، وإنما هو أقرب إلى استراتيجية القوى الناعمة، وبالتالي يحتاج إلى التمويل بهدف العمل الشرعي من خلال تأسيس المؤسسات الخيرية والمراكز الثقافية والسيطرة على المساجد وخطابها الموجّه للمسلمين.

في خضم هذه الإشكالية، يصدر كتاب استقصائي بعنوان "Qatar Papers - Comment l'émirat finance l'islam de France et d'Europe" في العام 2019: أوراق قطر - كيف تموّل الإمارة إسلام فرنسا وأوروبا " للصحافيين الفرنسيين (George Malbrunot) و( (Christia Chesnot، والكتاب لا يمكن القول إنه هوائي أو يحمل عداء إيديولوجياً دينياً، بل ينشر وثائق وشهادات مطلعة موثقة عن تمويل قطر لجماعة الإخوان المسلمين عبر أوروبا من خلال عدد من المشاريع الثقافية الخيرية.

الراديكالية الحتمية في الخصوصية الثقافية

على صعيد مواز، تشكّل العلمانية في أوروبا منفذاً للجهاديين، فالعلمانية وتعدديتها الثقافية تمثل النافذة التي تمرّ من خلالها التنظيمات الإسلامية الحركية في الغرب، والتي تعزز الجهاد الفردي أو الإرهاب العشوائي الذي يصعب تتبعه، ويُشار إليها بالخيل المسوّمة، حسب النص القرآني في الآية 15 من سورة آل عمران، وهو جزء من مساعي تطويع المفردات القرآنية في الخطاب الإسلامي الحركي، وقد تمّ التطرق لهذه النظرية تفصيلياً في مقال سابق بعنوان: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟

من الخطأ البحثي أن يتمّ اختزال ظاهرة العلمانيوفوبيا في خطاب الجماعات الراديكالية

كما تستغل هذه التنظيمات ما أسمته الدكتورة إلهام مانع (من أصول مصرية يمنية)، عقدة الرجل الأبيض White Man's burden الذي يعاني من ذنب تاريخ أجداده الاستعماري ويسعى إلى لفظه، فيقوم على إثر ذلك باحتواء الجميع، لدرجة تصل إلى حالة من عدم التمييز الشعبوية بين احتواء التنوع الثقافي وبين الدفاع عن الراديكالية الحتمية في الخصوصية الثقافية.

اقرأ أيضاً: "السياسة الدينية والدولة العلمانية".. لماذا ظلّ الدين مؤثراً؟

أفردت مانع أستاذة العلوم السياسية في جامعة زيورخ لهذه النظرية مساحات تحليلية في إطار سيسولوجي من خلال كتابها المرتقب الذي يصدر قريباً بالإنجليزية، وقد تسنّى لنا الاطلاع عليه لأغراض بحثية وعنوانه: The Perils of Non- Violent Islamism   أو ما يمكن ترجمته (مخاطر الحراك الإسلاموي غير العنيف).

 رهاب العلمانية: استراتيجية ممنهجة

آلة البروباغندا الإعلامية لتنظيمات الإسلام الحركي لها تأثير لا يمكن إنكاره، وجزء من تأثيرها يتجلى ليس فيما تروّجه من عداء للعلمانية يصل إلى حدّ الرهاب، وإنما يتجلى في تبنّي الإعلام العربي المناهض لتنظيمات الإسلام الراديكالي، النظريات الأخيرة نفسها عن العلمانية، التي تصل إلى الخلط بين العلمانية القائمة على التعددية الثقافية والدينية التي من خلالها يتم تشييد المساجد، وبين قوى اليمين المتطرف التي تناهض العلمانية وتعدّها نقطة ضعف.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

أمّا الخلط الثاني، فهو جزء من استراتيجية ممنهجة أخرى توجّه سهامها ضد موجة جديدة من الفلسفة العلمانية في البلدان العربية، والتي يُمكن رصد نواتها المتزامنة مع صعود تيارات الإسلام السياسي لسدّة المشهد السياسي.

وتلك الموجة، حتى وإن كانت تبدو غير منظمة وغير مؤثرة في القواعد الجماهيرية كالسلفية والخطاب الأشعري، إلّا أنها أصبحت مؤرقة لجماعات الإسلام الحركي لأسباب عدة من بينها:

أولاً: عدم وجودها في كيانات منظمة، والتي قد تكون نقطة ضعف حسب الرؤية النمطية، لكنّ الإسلاميين يفهمون استراتيجية الانتشار الثقافي للأفكار في المجتمع دون الانتماء لتنظيم وأثره في إحداث متغيرات متراكمة بطيئة على المدى البعيد.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

ثانياً: كونها تعبّر عن صوت مختلف عمّا تريد تلك الجماعات المنظمة، تحديداً جماعة الإخوان المسلمين، ترويجه في الغرب بأنّ الجماعة تمثل وسطية الإسلام الذي يلفظ التطرف الراديكالي، وأنّ الثقافة الجماهيرية  خالية من أي توجهات أخرى، وقد نجح هذا الخطاب السياسي على مدار أعوام في الترويج أنّ العلمانية لدى العرب تمثل الشيوعية الرافضة لحرّية العقيدة وممارسة الشعائر، وهذا جزء من الأساطير المؤسسة لجماعات الإسلام السياسي ضد العلمانية، كون فلسفة العلمانية تتعارض مع فرض السلطة الدينية، لكنها أيضاً تتعارض مع فرض اللّادينية، أي تقف على مسافة متساوية من حرّية العقيدة أو اللّاعقيدة، لكنها أيضاً تقف في موقف واضح ضد التسلط الديني، بهدف دعم قضية المواطنة والمساواة الجندرية، علماً أنّ العلمانية لها تمثلات مختلفة في إطار احتواء الرموز الدينية أو تنحيتها جانباً.

 العلمانيوفوبيا: هل هي ردة فعل للثقافة الانفتاحية؟

من الخطأ البحثي أن يتمّ اختزال ظاهرة العلمانيوفوبيا في خطاب الجماعات الراديكالية، ربما تستخدمها وتطوعها تلك الجماعات لخدمة أغراض سياسية في الخارج وفي بلدانها، لكنّ أثرها يمكن رصده في الثقافة الجماهيرية الموجّهة بفعل خطاب التقية الديني الذي يرى التعايش والتسامح من منظور الغلبة الفقهية لا من منظور الخطاب الحقوقي، بل قد يُعدّ الخطاب الحقوقي معتدياً على العقيدة، وهو أمر غير منطقي من منظور المنهج العقلاني.

اقرأ أيضاً: هل حانت المواجهة بين العلمانية الفرنسية والمسلمين؟

 لكنّ الرصد البحثي أيضاً قد يصل إلى أنّ ظاهرة رهاب العلمانية التي تعاظمت ووجدت مساحات في خطاب مُلّاك الحقيقة المُطلقة، الذين سعوا لإخراجها من إطارها الفكري، قد تكون مؤشراً وردّة فعل للمتغيرات الثقافية والانفتاحية في البلدان العربية، التي بدأت تنمو بين أجيالها الناشئة توجهات رافضة للتسلط الديني أيّاً كان مصدره، وإقحامه في أدق التفاصيل التشريعية والتنظيمية في حياة الأفراد، وما يتبعه من تأثير على  حركة الحقوق الشخصية. حتى وإن كانت متغيرات في مساحات تبدو محدودة نسبياً، لكنها لم تعد طبقية أو نخبوية.  

الصفحة الرئيسية