العرب: وجهة نظر يابانية... تشريح الذات من الخارج

العرب: وجهة نظر يابانية... تشريح الذات من الخارج

العرب: وجهة نظر يابانية... تشريح الذات من الخارج


24/09/2025

مرّ بالتاريخ العربي، قديمًا وحديثا، الكثير من المستشرقين، بعضهم أنصفه وبعضهم غضّ منه، بعضهم كتب بعين محايدة، وآخرون كانت رؤاهم وكتاباتهم أداة للهيمنة الاستعمارية وتسهيلًا لها وعينًا علينا، رأينا استشراقًا مُنصفًا في كتابات غوستاف لوبون، وبحثه العميق "حضارة العرب"، ورأينا روحًا مُحبّة وأكاديمية مع الألمانية زيغريد هونكه وكتابها "شمس العرب تسطع على الغرب"، ورأينا كتابات تسللت إليها نزعة الهيمنة والتفوق وأحيانًا كثيرة غاصت في الحقد مثل أعمال إرنست رينان ووليم موير. 

الاستشراق عمومًا كان له وجهان؛ وجه علمي وأكاديمي، قدّم الحضارة العربية بعيون غربية، أحيانًا كثيرة كانت مُتخيلة، ووجه آخر استعماري، حيث عمل بعض المستشرقين كأدلة حرب يسوقون الجيوش، ومستشارين عسكريين للقادة  ينصحونهم بما عرفوه من أسرار تلك البلاد وعاداتها، ويقدّمون أحيانًا خرائط للأماكن، وبالطبع يقدّمون تبريرات علمية مصاغة في شكل أكاديمي عن ذلك الشرق المتخلف والجامد والمتأخر الذي سيحلّ الغرب عُقده بقيادته المتحضرة.

لكننا في هذا الكتاب نطالع نظرة انطباعية مختلفة لكاتب ياباني عايش العرب (40) عامًا، فاطلع على آدابهم، وزار حواضر مدنهم الكبرى وبواديها، وخرج بكتاب لا نستطيع أن نقول عنه استشراقيًا بالمعنى الأكاديمي أو الكلاسيكي، بل يمكن أن نرى فيه شهادة مثقف عايش البيئات العربية المختلفة (4) عقود. يدهشنا أنّ الكتاب غير مترجم، فقد كُتب بالعربية، وتميز بالصراحة الشديدة والنقد اللاذع والموجع للشخصية العربية في مواضع كثيرة، لكن-مع هذا- فالحرص والمحبة يبدوان من أعطاف الكتاب.

إشكالية منهجية

نوبوأكي نوتوهارا طالب ياباني التحق بقسم الدراسات الأجنبية ثم عمل مدرّسًا للأدب العربي المعاصر في جامعة طوكيو، عمّق هذه الدراسة بزيارة ومعايشة لأحوال القاهرة وبادية دمشق وطنجة واليمن وليبيا، واطلع على أهم الأعمال الأدبية المعاصرة، واستمر في هذه المعايشة على المستوى الحياتي والأكاديمي، وخرج بعدها بهذا الكتاب الذي يمثل خلاصة ما رآه في الذات العربية. 

ورغم كونه نُشر في عام 2003، إلا أنّ بعض انطباعاته صالحة إلى اليوم، فكثير ممّا سجله في كتابه من ملاحظات عن القرى والمدن العربية ما زالت ملموسة وحيّة، ورغم أنّ الكتاب مكتوب بجدية واحترام لمن يكتب عنهم، لكنّه لا يخلو من ضعف الانضباط المنهجي، فهو لم يعتمد على أبحاث أو إحصائيات، كما أنّه عامل البلدان العربية شديدة التنوع كأنّها واحد، فعمّم الحدث الذي يحدث في القاهرة أو اليمن أو طنجة ليكون سمة عامة في الوطن العربي كله.

إنّ أول ما يسجله الكاتب عن البلدان العربية هو قضية العدالة الاجتماعية، كما تحدث عن أهمية تداول السلطة لولادة الديمقراطية، وانتقد الأحزاب السياسية المعارضة، فهي، حسب كلامه، لا يكون همّها عرض برنامج مُغاير للحكومة يحقق طموحات الناس، بل هدفها كيف تسيطر على الحكم، أي كيف تحلّ سلطة بدل أخرى، دون أن يكون هناك أيّ تداول ديمقراطي غني وحقيقي للكراسي، ويتعرض لوضع الكُتّاب في العالم العربي، وحرّية الرأي والرقابة على الصحافة والكتب الممنوعة من النشر.

ثم تحدث تحت عنوان "عتبة البلد" عمّا واجهه من محاولات استغلال ونصب وسوء معاملة، منتقدًا بعض السلوكيات، لافتًا إلى أنّ الأولى بمن يتولون وظائف تمسّ سمعة البلاد ويتعرضون للتعامل مع الأجانب أن يكونوا من المشهود لهم بالكفاءة والأمانة، وأن يكونوا عنوانًا جيدًا لبلادهم.

وعن الطفولة في البلاد العربية، استغرب بشدة من عمالة الأطفال ووجود أطفال طوال الوقت يلعبون في الشارع دون رقابة، والأحق أن يكون لهؤلاء الأطفال عدد من النوادي الخاصة بهم يفرغون فيها طاقتهم، واستفزته ظاهرة عبث الأطفال بصغار الطيور في الريف المصري، وكيف أنّ هذا يحدث أمام أعين الكبار الذين لا يبالون، وفسّر ذلك بأنّه حلقة من القمع متصلة يعتدي فيها الكبير على الصغير، فالأطفال المعنفون في البيت والمدرسة يفرغون هذا الاعتداء على أعشاش العصافير وصغارها. واستغرب من كون الضرب جزءًا من النهج الإصلاحي في البيوت والمدارس، وأنّ هناك أولياء أمور ومعلمين يمارسونه يوميًا، وكيف يتسبب هذا القمع في تشويه الطفولة، وتحدّث عن عدة مظاهر سلبية، واستغرب من عنصرية أصحاب السيارات الخاصة وإحساسهم بالتفوق، وعن مظاهر التدين الشكلي، والعرب وعلاقتهم بالفن، وفلسفتهم في الملابس.

العربي والاعتزاز بالكرامة

ممّا أشاد به في العرب، وخاصة في أهل البادية، هو أنفتهم واعتزازهم بكرامتهم، وعن الكرم في أخلاقنا قال إنّه لم يرَ شيئًا كهذا في حياته، وإنّ الرجل العربي في ضيافته له شخصية "فريدة وممتازة"، فلا يوجد في اليابان باب مفتوح للزائرين في كل الأوقات غير باب المعبد، وأمّا العربي، فبابه لا يُغلق.

ولا يمكن لنبوأكي أن يُلم بالروح العربية بهذه الطريقة دون أن يكون قد أطل عليها من شرفة أوسع كشفت له أسرار تلك الروح، فكانت شرفته هي الأدب العربي المعاصر، فقد قرأ لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وجمال حمدان، واطلع على أعمال إبراهيم الكوني وعبد اللطيف اللعبي، وترجم الكثير من أعمال غسان كنفاني، وقد كان لهذا الأخير أثر كبير في اطلاع نبوأكي على المظلمة الفلسطينية التي أفرد لها عدة صفحات داخل كتابه، وذكر أنّ حقيقة القضية الفلسطينية بكافة جوانبها غائبة تمامًا عن المجتمع الياباني الذي لم يُتح له غير الاطلاع على السردية الغربية، ووجد في ترجمة أعمال غسان وبعض الكتاب الفلسطينيين فرصة لاطلاع المجتمع الياباني على المظلمة الفلسطينية من عيون أهلها.

على الرغم من أنّ النقد في كتاب نبوأكي كان قاسيًا وعموميًا في بعض مواضعه، لكنّي لم أشعر مع هذا بغير حرص الرجل على تبيان الحقيقة من جهة، وعدم الافتراء من جهة أخرى، وبهذا الحرص وهذه الدقة صقل لنا مرآة نرى فيها ذاتنا العربية بوضوح، ويتبقى لنا أن نرفض بكبرياء متعصب ما ذكر، أو أن نبحث عن الحلول العميقة لهذه الأمراض الاجتماعية، فعلى الرغم من أن نبوأكي قدّم صورة عن واقع الإنسان العربي، لكن يبقى عبء البحث عن الأسباب العميقة لبعض تشوهات هذه الصورة، والعمل على تغييرها، هو عمل يأتي من صميم الذات العربية وحدها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية