
محمد صالح الهوني
"الإسلام السياسي” واحد من أكثر المصطلحات حضورًا وإثارة للجدل في الخطاب العربي المعاصر. فمنذ سقوط الخلافة العثمانية وصعود الحركات الإسلامية المنظمة في القرن العشرين، مرورًا بالثورة الإيرانية عام 1979، وصولًا إلى التحولات التي أعقبت انتفاضات 2011، لم تعد العلاقة بين الإسلام والسياسة نقاشًا فكريًا مجردًا، بل أصبحت جزءًا من الصراع على الدولة والشرعية والهوية والمجال العام.
وفي الإعلام العربي، اكتسب المصطلح بعدًا أكثر حدة عقب 2011، حين وصلت أحزاب وحركات ذات مرجعيات إسلامية إلى السلطة في عدد من الدول، بينما صعدت جماعات مسلحة تتبنى خطابًا دينيًا في دول أخرى. وهكذا أصبح “الإسلام السياسي” عنوانًا واسعًا لنقاشات مختلفة، من الديمقراطية والحريات إلى الأمن والإرهاب، ومن الإصلاح السياسي إلى طبيعة الدولة نفسها.
في هذا السياق، تبدو تجربة صحيفة “العرب” اللندنية جديرة بالقراءة. فالصحيفة التي أسسها الراحل أحمد الصالحين الهوني في لندن عام 1977 نشأت خارج البيئة الإعلامية العربية التقليدية، وقدمت نفسها بوصفها صحيفة عربية عابرة للحدود. ومع مرور الوقت، تحولت إلى منصة ذات حضور في النقاش السياسي العربي، الأمر الذي وضعها أمام سؤال دائم: كيف تحافظ مؤسسة إعلامية على استقلالها في منطقة تداخل فيها السياسة بالإعلام، والمصالح الاقتصادية بالتحالفات الإقليمية؟
المشكلة الأولى أن “الإسلام السياسي” ليس ظاهرة واحدة. فالحركات التي تستند إلى المرجعية الإسلامية تختلف في أفكارها ووسائلها ومواقفها من الدولة الوطنية والديمقراطية والعنف. لذلك فإن استخدام المصطلح بوصفه توصيفًا شاملًا لكل تيار إسلامي يهدد بتحويله من مفهوم تحليلي إلى أداة سياسية.
وهنا تبرز إحدى السمات الواضحة في خطاب صحيفة “العرب”: النظر إلى توظيف الدين في السياسة من زاوية تتجاوز مجرد المشاركة الحزبية، إلى سؤال الدولة والشرعية. فالنقد الموجه إلى بعض الحركات الإسلامية يرتبط بالخوف من أن تتحول المرجعية الدينية إلى وسيلة لاحتكار المجال العام، أو إلى ادعاء تمثيل حصري للمجتمع والقيم الدينية.
هذه الرؤية تضع الصحيفة في موقع فكري واضح، حتى لو اختلف القارئ معها. فالخطر، في هذا المنظور، يبدأ عندما تتحول المنافسة السياسية إلى مواجهة بين “الإيمان” و”الكفر”، أو بين “الهوية” و”التهديد”، بدل أن تكون منافسة بين برامج ومشروعات سياسية.
لكن قراءة موقف الصحيفة تتطلب أيضًا النظر إلى تاريخها. فهي ليست مؤسسة ولدت مع تحولات العقد الأخير، بل جزء من تجربة الصحافة العربية المهاجرة التي حاولت بناء مساحة إعلامية عابرة للحدود. وقد شهدت متاعب خلال عام 2011 ثم عودة سريعة بحلة جديدة، في مرحلة كانت المنطقة نفسها تدخل واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الخط السياسي أكثر حضورًا في قراءتها للأحداث، خصوصًا في ما يتعلق بالإسلام السياسي. إلا أن تبني موقف فكري واضح لا يعني بالضرورة غياب الاستقلال. فالصحيفة المستقلة ليست بالضرورة صحيفة بلا موقف، وإنما الصحيفة التي تستطيع أن تتبنى موقفًا من دون أن تفقد قدرتها على التفكير النقدي.
وهنا تصل المسألة إلى الإمارات.
فالإمارات تبنت خلال السنوات الماضية موقفًا شديد الوضوح من التنظيمات الإسلامية السياسية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، انطلاقًا من رؤيتها إلى التنظيمات العابرة للحدود باعتبارها تهديدًا للدولة الوطنية والاستقرار السياسي. وهذا الخطاب يتقاطع في جوانب عدة مع الخطاب الذي يظهر في أجزاء من التغطية والتحليل السياسي في “العرب”.
لكن هل يعني هذا التقاطع وجود تبعية كما افترض البعض؟
ليس بالضرورة. فالسياسة والإعلام مليئان بالتقاطعات الفكرية بين الدول والصحف ومراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية، ولا يعني التشابه في المواقف تلقائيًا أن طرفًا يكتب بأوامر طرف آخر. المشكلة تبدأ عندما يتحول التقاطع إلى تطابق دائم، أو عندما تختفي المسافة النقدية، أو يصبح موقف المؤسسة من دولة أو حركة متوقعًا سلفًا.
لذلك فإن السؤال الأكثر جدية ليس: “هل العرب إماراتية الهوى؟”، وإنما: هل تستطيع “العرب” أن تتقاطع مع رؤية الإمارات في بعض الملفات من دون أن تفقد مسافتها الصحفية الخاصة؟
هذا السؤال أكثر أهمية لأنه لا يفترض الإجابة مسبقًا.
فالصحافة العربية لم تعد تعمل في فراغ. الدول نفسها أصبحت تمتلك أدوات للتأثير في المجال العام، ولم تعد قوتها تقاس بالسفارات والاقتصاد والتحالفات فقط، بل أيضًا بقدرتها على التأثير في الرواية وتفسير الأحداث. وفي المقابل، تعمل المؤسسات الإعلامية داخل بيئة سياسية واقتصادية وإقليمية شديدة التعقيد.
لكن الفرق بين الإعلام المهني والإعلام السياسي المباشر يظل في المسافة.
قد تتفق صحيفة مع دولة في موقفها من الإسلام السياسي، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بأن تسأل عن سياسات تلك الدولة في ملفات أخرى. وقد تختلف معها في قضية، من دون أن تتحول إلى خصم سياسي لها. الاستقلال التحريري الحقيقي يظهر تحديدًا عندما تستطيع المؤسسة الاحتفاظ بهذه المسافة رغم وجود نقاط تقاطع قوية.
كما أن الحديث عن الإسلام السياسي يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. فالحركة التي تشارك في الانتخابات ليست بالضرورة كالجماعة المسلحة، والحزب المحافظ ليس بالضرورة تنظيمًا عابرًا للحدود، والحركة التي تستخدم الدين في خطابها ليست تلقائيًا تنظيمًا إرهابيًا. هذه التفرقة شرط للصحافة الجادة.
ومن هنا تصبح طريقة استخدام “العرب” للمصطلح جزءًا من هويتها التحريرية. فالمشكلة ليست في انتقاد الإسلام السياسي، وإنما في أن يتحول الانتقاد إلى تعميم يلغي الفوارق بين تيارات وتجارب مختلفة.
والأمر نفسه ينطبق على علاقة الصحيفة بالإمارات. فالتقاطع في رؤية مخاطر توظيف الدين سياسيًا، أو في التأكيد على الدولة الوطنية، لا يلغي حق الصحيفة في الاختلاف والنقد. بل ربما تكون الحاجة إلى المسافة أكبر كلما كان التقاطع السياسي أو الفكري أوسع، وهو ما حدث مراراً.
قد تتقاطع “العرب” مع الإمارات في رؤيتها إلى هذا الملف، وقد يرى منتقدون أن هذا التقاطع يتجاوز القناعة الفكرية إلى الاصطفاف السياسي. لكن الحكم المهني لا يصدر من التشابه وحده، بل من قدرة الصحيفة على الاحتفاظ بمسافتها، وممارسة النقد، وتقديم الروايات المختلفة، والتمييز بين التيارات بدل وضعها جميعًا في سلة واحدة.
فالإعلام المستقل لا يقاس بعدد المرات التي يختلف فيها مع الدول، ولا بعدد المرات التي يتفق معها. يقاس بقدرته على أن يقول “نعم” عندما تستوجب الوقائع ذلك، وأن يقول “لا” عندما تستوجب الوقائع ذلك أيضًا.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/194-021055-the-muslim-brotherhood-america-terrorism-origins_700x400_0.jpg.webp?itok=sO7HiTyx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2025_10_18_18_31_31_0_0_1_0.jpg.webp?itok=SkXCybmu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_17_2_0.jpg.webp?itok=OJHiLu6x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82_1.jpg.webp?itok=z9nR16Au)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_8_4.jpg.webp?itok=6NTbdxV3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9333_1_0.jpg.webp?itok=jfpte7TE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=R9aTMdTp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A9_5_0.jpg.webp?itok=CQ1Rgb7y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_1.jpeg.webp?itok=xGkcco37)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_1_0.jpg.webp?itok=zJaW43iV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/imkU1lEaIhWv6KjKI6A08QBTT-wkIgWNabNKMf3CoBZajwmmUf05S8CcJZ0F3cS48ZztE7bScTKicQfsJ05BheuH7W8vT-vNZtzdvfl_yfIn5Voq2MeF3YMSYBNlGqXbcZtibKq0DDDzJ3s1Om6TkgVpw_CTqwzJKG8LyWkGwMone3TNjFi4j6UBT4G2o1DC%20%281%29.jpg.webp?itok=4jHlYVhu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_14_0.jpg.webp?itok=87RfWcU8)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ttrf_4_1_0_0.jpg.webp?itok=eGM7A27D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%AA.png.webp?itok=VbHyzx0h)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/TJyYoaIPWCb1i5d30Gjrpw7fLXt0iCSz_exnQwWgbxq2nakNU1YgtKTMSrnLWGV6oejqsbylYy6kBo9aS7uXz6CvVnoHqfbzqkKbxmBNv48pdva8BItkBRhoHzHFsEo5ZxvOtzRo1hiYjMV05u-j7a9mdc0d_lyaHWz4cAvTjyne5JUgmZKNBw6oKSbXUweF.jpg.webp?itok=lutg-h0E)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9_0_0_0.jpg.webp?itok=ZdFIrzY9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/EgfuTZjn4Z5LmUdgOi9iC7_LqDTQiCe5sGrcdhQG4oOCUqB9DIKJoy07EmCIi7i-EUFRamvItNPmjhAqo3XonOdcpEfWjXE30wohoqjIudISrFrtCEbLmY-x1jEWRA91iKb2f1XEZu5Pvi-nINfN4vuQhkdQXVSpQN0ZQ-mQ6T-oRvP3XB4avr-b-ifO4ZK2.jpg.webp?itok=UehYwX-M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZAe5ym0zeJaXSVkLxPR3jhB84LDE2UKg_36JsUj1W8M5w3iFviyx6GfyWe4yTHE9jDkz6fPXcMC652NKjzg5depVMNU2vqIp4_bNZlDw3r60sMynm9zDqwWpRIBLttdDlX1NQk0gu9oUs4Cy9-otrb0B8Ppr9U1pTezbpl3aKpEefd3SG4JwdoqLb3n0OD1f%20%281%29.jpg.webp?itok=1ofDeuzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

