الذكاء الاصطناعي وحروب المستقبل

الذكاء الاصطناعي وحروب المستقبل

مشاهدة

24/09/2019

سالم سالمين النعيمي

هل يكتب الإنسان أم الآلة القوانين الدولية المستقبلية، وهل ستكون مرتبطة بالتفوّق التقني؟ ففي المستقبل سيتحدث الساسة والمخططون الاستراتيجيون عن سيادة الذكاء الاصطناعي لكل دولة قبل سيادتها الوطنية، وقد يكون لتلك المبادئ أولوية مختلفة تخدم مستخدم النظام الأذكى والأكثر تفاعلاً والخوض في مجالات الهيمنة البرمجية، لتتمحور قوة الدولة الشاملة حول تطبيقات ومراكز بيانات ذكية بالقدر الكافي الذي يتم فيه شنّ حرب دون الحاجة لموافقات وتسلسل هرمي في اتخاذ القرار. وستتصدر الطليعة مواضيع الدعم اللوجستي للذكاء الاصطناعي بدلاً من أمن الطاقة، ويتحول بعض البشر لمعامل ذكية متحرّكة، وتنتقل عملية صنع القرار الوطني من يد السياسيين إلى الأجهزة الأكثر تعقيداً في التنبؤ بالمستقبل، وتكون جاهزية القطاع المدني جزءاً من العقيدة القتالية لكل دولة، وسيتم توظيف أعماق المسرح البحري والفضاء كمساحات شاسعة للحروب بعيداً عن مدن المستقبل.
ومن جهة أخرى، فالتكنولوجيا تتقدم بسرعة مذهلة وهناك الكثير من القلق والضجيج حول أنظمة الأسلحة البيولوجية المستقبلية الفتّاكة، والروبوتات المقاتلة المخيفة، والحروب السيبرانية التي سيكون العقل الإنساني فيها جزءاً من الهجوم على البنية التحتية للدول المعادية، وتسخير المناخ والظواهر الطبيعية كسلاح لتجويع الشعوب وإفلاس الدول، وقتل ملايين الناس بصورة اختيارية يتمّ فيها تحديد الفئة المستهدفة في وسط المجتمع المراد تدميره، وشلّ حركة مجتمع كامل من خلال قنابل كهرومغناطيسية ليس لها صوت ولا أثر، وسهولة اختراق أي نظام دفاع جوي في الدول الأقل حظاً ونصيباً من الأبحاث العلمية العسكرية المتقدّمة. وسيساوي الجندي الواحد الذكي مئات من الجنود التقليديين اليوم، ويخزن في خلايا ذلك الجندي، الذي يمتلك خواصاً بشرية وما هو ببشر قنابل حيوية ووباء لا يكتشف إلا بعد انتشاره على مدى سنين في الدولة الخصم.
وفي المستقبل القريب جداً، وربما في السنتين القادمتين، ستمتلك أميركا والصين وروسيا سفناً سطحية كبيرة غير مأهولة، وسفناً تحت سطح البحر ذاتية الحركة، ناهيك عن المركبات الجوية العسكرية غير المأهولة التي تعمل بالطاقة النظيفة، والتي تستطيع التحليق لعدة أشهر دون أن يكتشفها الرادار، أضف إلى ذلك تطوير مفهوم الطائرات من دون طيار لطائرة مدنية واستخدامها المزدوج، أي والتفكير بتزويدها بالنظم القتالية، ومدمرات الحرب الجوية التي تتعقب وتهزم العديد من تهديدات الصواريخ المتزامنة، وقدرة الدفاع الذاتي للتصدي لأي هجوم تتعرض له.
فالذكاء الاصطناعي وبالتحديد الذكاء المعزز يعتبر أساسياً لدعم تحليل البيانات العسكرية عالية السرعة، واتخاذ القرارات الفورية في سلسلة القيادة والسيطرة، ومعالجة البيانات وقوة الحوسبة والخوارزمية في أحداث قد تحدث بالسرعات والمجالات التي تتجاوز الفهم البشري، وإن كانت الآلة غير قادرة حتى الآن على تحديد النية والغرض ولكن الجمع بين نقاط القوة لدى البشر والآلة لخلق ميزة إنسانية في عصر الذكاء المعلوماتي، وحتماً ستتخذ الآلة القرارات من تلقاء نفسها باستخدام حزمة حيوية من البيانات المرتبطة بحروب الفضاء، وهو سر تكنولوجيا الطائرة من دون طيار والقدرة على استخدام الماسحات الضوئية بالأشعة تحت الحمراء للكشف عن وسائل الدفاع وتعطيلها وتقييم دقيق للهدف والضرر.
ومن الاستخدامات الأخرى لحروب الذكاء الاصطناعي، تظهر حروب «ديمقراطية التدمير»: أي حشد جماعة مجهولة الهوية باسم الديمقراطية والوطنية على شكل ميليشيات افتراضية على الشبكة العنكبوتية، وتحقيق التغيير المرغوب فيه من خلال إضفاء طابع العدالة والمثالية على المعلومات المضللة التي تستهدف جانب اللاشعور في الإنسان وتستدعي الذكريات المرتبطة بأساطير الثورات العالمية، وتحوم حول مفاهيم سوداوية تصور القتل على أنه ثمن طبيعي يدفعه الآخر كضريبة للوصول إلى حلم الحكومة والمجتمع المثالي. ويمتد الأمر أيضاً إلى حروب القدرة على جعل البيانات الضخمة مشاكل صغيرة تتدحرج مثل كرة الثلج بالتغذية الراجعة المدروسة للشارع وصولاً إلى ساعة الذروة، وذرع بؤر التشكيك في السلطة وأهمية التغيير من أجل التغيير كحل إيديولوجي دوغمائي.
كما أن بعض الدول القومية استخدمت أساليب غير مباشرة لكسب مزايا على خصومها دون اللجوء إلى الحرب الميدانية، ولذلك يمكن أن تكون المناطق الرمادية عنصراً مهماً في «الحروب الهجينة»، من حيث أساليبها السرية وغير التقليدية، بالإضافة إلى القوة وتحريك الجماهير الراكدة من خلال إعطاء توصيات ودراسات مضلّلة لأصحاب القرار كرفع الضرائب في توقيت متوقع فيه ركود اقتصادي عالمي، وارتفاع الأسعار، أو اختيار أبطال من ورق وتسليط الضوء عليهم كممثلين للمجتمع، ومن ثم تعرية تلك العينات والنيل من مصداقيتها بطرق عديدة ليحلّ السخط الخفي في النفوس في حروب نفسية وهزيمة الإرادة الشعبية من خلال معركة القيم والهوية.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.

عن "الاتحاد" الإماراتية

الصفحة الرئيسية